تاريخ الإضافة : 13.05.2008 13:36
اكراهات السياسة ومقتضيات البرغماتية
بقلم : محمد مولود ولد المعلوم*
كان من اللافت مشاركة حزبين تقليدين من المعارضة في الحكومة الجديدة وهما حزب اتحاد قوى التقدم وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" مما يعني انتقالهما بشكل طبيعي من صف المعارضة إلى صف الأغلبية الحاكمة ، غير أن ما فاجئ الجميع وجعل بعض المراقبين يتساءلون هو ماهي الأسباب والدوافع التي جعلت كلا الحزبين يشارك في الحكومة الجديدة ؟ ، فإذا كان اتحاد قوى التقدم اليساري قد برر مشاركته في الحكومة الجديدة بأنه موقف" يتماشى مع إستراتيجية الحزب منذ إنشائه .." وما تقوم عليه تلك الإستراتيجية من تكتيكي حزبي ، حيث أن المتابع لمسار الحزب يمكنه أن يستسيغ موقفه السياسي نظرا لتاريخ الحزب المليء بالتحولات والتكتيكات السياسية خصوصا بعد انتهاج إستراتيجية المساومة والمراوغة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الحزبية ولإيجاد موقع قدم في مختلف الأجهزة الحكومية تطبيقا لسياسة محكمة قائمة على وضع "رجل في السلطة ورجل في المعارضة" ، خصوصا إذا علمنا أن الحزب شارك في عدة حكومات سابقة متعاقبة بطريقة مباشرة وغير مباشرة نظرا لقدرته على اختراق الأجهزة الحكومية واعتماده لتكتيكات سياسية ناجحة في غاية الحبك والتعقيد ، .. لكن المثير للانتباه حسب بعض المراقبين هو مشاركة حزب "تواصل" ذي التوجه الإسلامي في الحكومة الجديدة وفحوى مبرراته التي ساغها للرأي العام ، حيث أن تبرير المشاركة في الحكومة بأنها جاءت "من أجل تدعيم الوحدة الوطنية بشقيها المتعلق بالملف العرقي وماضي حقوق الإنسان، ومخلفات الاسترقاق، وتكريس المرجعية الإسلامية للوطن، وتدعيم اللغة العربية "، هي أمور كلها يمكن أن يتفهمها البعض نظرا لأنها ملفات مشتركة -وان بدرجات متفاوتة -بين مختلف القوى السياسية سواء منها من في الأغلبية أو في المعارضة ، غير أن ما لم يتفهمه البعض ولم يجب عليه الحزب حتى الآن هو هل القرار مبدئي مصلحي ؟ أم انه تكتيكي استراتيجي ؟
فحسب الوزير الأول الجديد فان أولويات الحكومة الجديدة لم تتضمن ملف "العلاقات مع إسرائيل" إطلاقا وإنما تركه معلقا مرتبطا برغبة السيد رئيس الجمهورية وما يقرره في الوقت المناسب بخصوص الموضوع ، وحسب حزب "تواصل" فان موضوع العلاقات بقي موضع خلاف رغم إصراره على إدراجه في أولويات الحكومة الجديدة ، غير أن الحزب بعد جلسات حوارية ساخنة ومشاورات مارتونية خلف الكواليس قرر المشاركة دون حسم نقطة الخلاف هذه رغم أنه حقق في مفاوضاته مع الوزير الأول بعض المكاسب الحزبية ، وان تنازل جزئيا عن مواقف حادة ظلت تطبع مسيرة الحزب في خلال المرحلة السابقة وهذا شيء طبيعي في قاموس المفاوضات السياسية ، وبالتالي فعدم إدراج "ملف العلاقات مع الكيان الصهيوني" ضمن أولويات الحكومة باعتباره مبدأ أساسيا من منطلقات الحزب يثير قدرا من الالتباس والإشكال وهو ما يعكسه الجدل الدائر حاليا بشأن مشاركة الحزب في السلطة ، لاسيما وأنه طالما تمسك بنفس النبرة الحزبية في مناسبات مختلفة وحشد تحت شعاراتها الكثير من الأنصار والجماهير ، ومع ذلك فان الحزب استطاع في مسألة "العلاقات المثيرة" أن يخرج منها بصعوبة بالغة عندما أبقى على "شعرة برنامج الرئيس" خصوصا ما يتعلق منه بـ"وعد عرض العلاقات على البرلمان" وهذا ما يمكن أن يتحقق أو لا يتحقق حسب ما ستجيب عنه الأيام القادمة .
وعلى كل فالموقف الذي اتخذه حزب "تواصل" بشأن المشاركة في الحكومة الجديدة يمكن اعتباره قد تجاوز به مرحلة المراهقة السياسية وبدأ فعلا يقترب من فهم خيوط اللعبة السياسية وبناء سياسة مرنة وبرغماتية تغلب المصالح وتعظم المكاسب وتراعي المتغيرات الداخلية ، وتبتعد عن المواقف الارتجالية والمثاليات السلبية وعن ممارسات المعارضة العدمية التي ظل بعضها يرفع شعارات عاطفية ويافطات براقة دون تحقيق الحد الأدنى منها بسبب ابتعاد قواها عن مواقع صنع القرار ومواضع التنفيذ طيلة المراحل السابقة ، ومن ثم فحزب "تواصل" من خلال خطوته هذه يلاحظ بأنه قد أعلن القطيعة مع مرحلة سابقة ودخل مرحلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل بعد اتخاذ إستراتيجية جديدة تعتمد على نظرة عميقة لمفردات الواقع ومصالح الحزب ومراكز الفرص والإمكانيات المتاحة ومساحة التحرك باستخدام أساليب تكتيكية متدرجة ومتعددة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية .
ومن الطبيعي أن من يفهم خيوط اللعبة السياسية في البلاد يدرك تماما أن الإصلاح لا يمكن إلا أن يكون من داخل مؤسسات الدولة بواجهاتها المختلفة ولا يستطيع أي حزب مهما كان حجمه أو شكله أو توجهه السياسي أن يدخل مؤسسات الدولة بدون المشاركة في السلطة والدخول عبر بوابتها الحكومية الواسعة وأجهزتها الفرعية ، ومن هنا فان التجارب الحزبية في العالم قد أثبتت بشكل لا يضع مجالا للشك أن الأحزاب تمر بمراحل مختلفة وأطوار متعددة "بدء بمرحلة المراهقة ومرور بمرحلة النضج وانتهاء بمرحلة الشيخوخة" وبين هذا وذاك تنتقل الأحزاب فيها بين مواقع متعددة ومواضع مختلفة سواء كانت "معارضة أو موالاة" ، ويبقى الثابت الوحيد في الأحزاب هو المبادئ والمنطلقات الأساسية بينما المصالح والمواقف متغيرة ومتحولة حسب الظروف والزمان والمكان.
*كاتب صحفى
كان من اللافت مشاركة حزبين تقليدين من المعارضة في الحكومة الجديدة وهما حزب اتحاد قوى التقدم وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" مما يعني انتقالهما بشكل طبيعي من صف المعارضة إلى صف الأغلبية الحاكمة ، غير أن ما فاجئ الجميع وجعل بعض المراقبين يتساءلون هو ماهي الأسباب والدوافع التي جعلت كلا الحزبين يشارك في الحكومة الجديدة ؟ ، فإذا كان اتحاد قوى التقدم اليساري قد برر مشاركته في الحكومة الجديدة بأنه موقف" يتماشى مع إستراتيجية الحزب منذ إنشائه .." وما تقوم عليه تلك الإستراتيجية من تكتيكي حزبي ، حيث أن المتابع لمسار الحزب يمكنه أن يستسيغ موقفه السياسي نظرا لتاريخ الحزب المليء بالتحولات والتكتيكات السياسية خصوصا بعد انتهاج إستراتيجية المساومة والمراوغة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الحزبية ولإيجاد موقع قدم في مختلف الأجهزة الحكومية تطبيقا لسياسة محكمة قائمة على وضع "رجل في السلطة ورجل في المعارضة" ، خصوصا إذا علمنا أن الحزب شارك في عدة حكومات سابقة متعاقبة بطريقة مباشرة وغير مباشرة نظرا لقدرته على اختراق الأجهزة الحكومية واعتماده لتكتيكات سياسية ناجحة في غاية الحبك والتعقيد ، .. لكن المثير للانتباه حسب بعض المراقبين هو مشاركة حزب "تواصل" ذي التوجه الإسلامي في الحكومة الجديدة وفحوى مبرراته التي ساغها للرأي العام ، حيث أن تبرير المشاركة في الحكومة بأنها جاءت "من أجل تدعيم الوحدة الوطنية بشقيها المتعلق بالملف العرقي وماضي حقوق الإنسان، ومخلفات الاسترقاق، وتكريس المرجعية الإسلامية للوطن، وتدعيم اللغة العربية "، هي أمور كلها يمكن أن يتفهمها البعض نظرا لأنها ملفات مشتركة -وان بدرجات متفاوتة -بين مختلف القوى السياسية سواء منها من في الأغلبية أو في المعارضة ، غير أن ما لم يتفهمه البعض ولم يجب عليه الحزب حتى الآن هو هل القرار مبدئي مصلحي ؟ أم انه تكتيكي استراتيجي ؟
فحسب الوزير الأول الجديد فان أولويات الحكومة الجديدة لم تتضمن ملف "العلاقات مع إسرائيل" إطلاقا وإنما تركه معلقا مرتبطا برغبة السيد رئيس الجمهورية وما يقرره في الوقت المناسب بخصوص الموضوع ، وحسب حزب "تواصل" فان موضوع العلاقات بقي موضع خلاف رغم إصراره على إدراجه في أولويات الحكومة الجديدة ، غير أن الحزب بعد جلسات حوارية ساخنة ومشاورات مارتونية خلف الكواليس قرر المشاركة دون حسم نقطة الخلاف هذه رغم أنه حقق في مفاوضاته مع الوزير الأول بعض المكاسب الحزبية ، وان تنازل جزئيا عن مواقف حادة ظلت تطبع مسيرة الحزب في خلال المرحلة السابقة وهذا شيء طبيعي في قاموس المفاوضات السياسية ، وبالتالي فعدم إدراج "ملف العلاقات مع الكيان الصهيوني" ضمن أولويات الحكومة باعتباره مبدأ أساسيا من منطلقات الحزب يثير قدرا من الالتباس والإشكال وهو ما يعكسه الجدل الدائر حاليا بشأن مشاركة الحزب في السلطة ، لاسيما وأنه طالما تمسك بنفس النبرة الحزبية في مناسبات مختلفة وحشد تحت شعاراتها الكثير من الأنصار والجماهير ، ومع ذلك فان الحزب استطاع في مسألة "العلاقات المثيرة" أن يخرج منها بصعوبة بالغة عندما أبقى على "شعرة برنامج الرئيس" خصوصا ما يتعلق منه بـ"وعد عرض العلاقات على البرلمان" وهذا ما يمكن أن يتحقق أو لا يتحقق حسب ما ستجيب عنه الأيام القادمة .
وعلى كل فالموقف الذي اتخذه حزب "تواصل" بشأن المشاركة في الحكومة الجديدة يمكن اعتباره قد تجاوز به مرحلة المراهقة السياسية وبدأ فعلا يقترب من فهم خيوط اللعبة السياسية وبناء سياسة مرنة وبرغماتية تغلب المصالح وتعظم المكاسب وتراعي المتغيرات الداخلية ، وتبتعد عن المواقف الارتجالية والمثاليات السلبية وعن ممارسات المعارضة العدمية التي ظل بعضها يرفع شعارات عاطفية ويافطات براقة دون تحقيق الحد الأدنى منها بسبب ابتعاد قواها عن مواقع صنع القرار ومواضع التنفيذ طيلة المراحل السابقة ، ومن ثم فحزب "تواصل" من خلال خطوته هذه يلاحظ بأنه قد أعلن القطيعة مع مرحلة سابقة ودخل مرحلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل بعد اتخاذ إستراتيجية جديدة تعتمد على نظرة عميقة لمفردات الواقع ومصالح الحزب ومراكز الفرص والإمكانيات المتاحة ومساحة التحرك باستخدام أساليب تكتيكية متدرجة ومتعددة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية .
ومن الطبيعي أن من يفهم خيوط اللعبة السياسية في البلاد يدرك تماما أن الإصلاح لا يمكن إلا أن يكون من داخل مؤسسات الدولة بواجهاتها المختلفة ولا يستطيع أي حزب مهما كان حجمه أو شكله أو توجهه السياسي أن يدخل مؤسسات الدولة بدون المشاركة في السلطة والدخول عبر بوابتها الحكومية الواسعة وأجهزتها الفرعية ، ومن هنا فان التجارب الحزبية في العالم قد أثبتت بشكل لا يضع مجالا للشك أن الأحزاب تمر بمراحل مختلفة وأطوار متعددة "بدء بمرحلة المراهقة ومرور بمرحلة النضج وانتهاء بمرحلة الشيخوخة" وبين هذا وذاك تنتقل الأحزاب فيها بين مواقع متعددة ومواضع مختلفة سواء كانت "معارضة أو موالاة" ، ويبقى الثابت الوحيد في الأحزاب هو المبادئ والمنطلقات الأساسية بينما المصالح والمواقف متغيرة ومتحولة حسب الظروف والزمان والمكان.
*كاتب صحفى







