تاريخ الإضافة : 02.03.2011 14:57

من يرسم خريطة الوطن العربي الجديد؟

اسلم ولد الطالب اعبيدي

اسلم ولد الطالب اعبيدي

يشهد عالمنا العربي اليوم سلسلة من المتغيرات التي يصعب فهمها على كثير من الناس.

فمن كان يصدق أن الشعب التونسي يمكن أن ينتفض في يوم من الأيام على "زين العابدين" ويطرده خارج البلاد في أيام معدودة.
ومن يسمح لنفسه بالتخيل أن "حسني مبارك" سيتنازل عن السلطة مكرها من الشارع المصري.

الأمر نفسه يحصل مع الزعيم الليبي معمر القذافي في هذه اللحظات..والشعب اليمني يريد إسقاط نظام "علي " ...والحبل على الجرار.
كل ذلك وغيره يفرض علينا أن نقف وقفة صريحة مع ذواتنا، بموضوعية تتجنب الانجراف في سيل العاطفة من جهة والاستسلام لدعاة نظرية المؤامرة من جهة أخرى.

لنتساءل بموضوعية تامة : من يرسم خريطة الوطن العربي الجديد؟
هل هي الشعوب العربية التي ملت من الأنظمة الدكتاتورية والعميلة. قررت فجأة وبعفوية كاملة أن تمسك الريشة فترسم خريطتها بيدها وتقرر مصيرها بنفسها؟
أم هي الولايات المتحدة الأمريكية وقوى العالم الكبرى قررت التخلص من الأنظمة المتهالكة والاستعاضة عنها بأخرى جديدة ؟
أم إن ماحدث هو عبارة عن بداية نجاح مشروع فكري أو سياسي – لما تضح معالمه بعد - داخل عالمنا العربي؟

مايطفو على السطح من الحراك الشعبي الأخير ، هو أنه "احتجاج طبيعي ومتوقع منذ زمن بعيد، على أوضاع معيشية صعبة ،وإرادة جادة من الشعوب المنهكة والمتضررة من الأوضاع - سالفة الذكر- لتغير عميق تنعكس آثاره الايجابية على الشعوب بطريقة ملموسة."

هذا الفهم الظاهري للأحداث هو ما يعتقد البعض أنه الفهم السليم، فما في الجبة غير الشعب، وما الحديث عن مؤامرة وأيادي أجنبية إلا تهويل لامبرر له على أرض الواقع، بل قد يكون هذا التشكيك من باب المؤامرة على ثورة الشعوب.

يدعم هذا "الفهم" معطيات بارزة من بينها عدم التدخل العسكري من أي جهة أجنبية في كل من ثورة تونس ومصر ورفض "الثوار" في ليبيا لأي تدخل حتى اللحظة.

كما أن السماح لحركة النهضة الإسلامية في تونس والأنباء عن السماح للإخوان المسلمين قريبا في مصر كلها مؤشرات على عدم استشارة الولايات المتحدة وإسرائيل في ذلك...

وسيكون لقرارات قومية جريئة تتخذها الأنظمة الجديدة تعبر عن موقف الشعوب تجاه قضاياها الأممية - كقطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل مثلا- دور كبير في تعزيز هذا الفهم.

أما الفهم الثاني لهذه الأحداث فينطلق من معطيات سابقة ، فكلنا سمعنا عن مايسمى بخريطة الشرق الأوسط الجديد التي تريد الإدارة الأمريكية رسمها وهي عبارة عن "دولة شيعية في جنوب العراق وشرق السعودية وغرب إيران، ودولة إسلامية في قلب الحجاز، ودولة للأكراد شمال العراق وجنوب تركيا. كما سوف يحصل الأكراد على دولة على أجزاء من الأراضي الإيرانية والسعودية؛ وستقام دولة سنية في وسط العراق وأجزاء من سوريا، ودولة أخرى وسط السعودية، أما الأردن والذي سيعرف في هذه الخريطة بالأردن الكبير فستشمل أراضيه أجزاء من شمال وشرق السعودية. ، والهدف هو احتضان فلسطينيي الشتات. وستتوسع اليمن لتأخذ جنوب السعودية، كما سيمتد التقسيم ليشمل باكستان وأفغانستان لإيجاد دولة جديدة وهي بلوشستانيو.وتقسيم بقية دول المنطقة حسب المذاهب والأديان والأعراق.

وعليه فما نشاهده اليوم هو بداية "الفوضى الخلاقة" وتطور للمشروع الأمريكي من رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط لرسم أخرى أكبر للعالم العربي ككل.
وهو فهم له ما يبرره فالأنظمة لم تتغير بشكل كامل حتى الآن بل اكتفت ثورة مصر باستقالة الرئيس ونائبه مع أن كوادر النظام لازالت تتحكم في مفاصل الدولة وهو ما اكتفت به ثورة تونس قبل الاستقالة الأخيرة لرئيس الوزراء... ماقد نفهم منه أن الزعماء الطاعنين في السن لم يعودوا قادرين على تحقيق المصالح الأمريكية وبالتالي لا بأس باستبدالهم بدماء جديدة.

يدعم هذا الفهم أيضا أن اللعاب الأميركي والأوربي يكاد يجاري في سرعة تدفقه هذه الأيام "النفظ الليبي "،من خلال الاستعداد الواضح لتدخل عسكري وتحويل ليبيا لعراق جديد في منطقة المغرب العربي.
كما أن المعارضة في المنفى كان لها دورها في هذه الثورات وقد اتضح بعد انجلاء غبار حرب العراق أن المعارضة السابقة - الحاكمة حاليا للعراق - عادة لوطنها في دبابات مدرعة.

ثم إن المستفيد الأول من زعزعة استقرار الوطن العربي بالفتن الداخلية هو إسرائيل والولايات المتحدة فخلق نوع من الفوضى داخل الوطن العربي كفيل بجعله يغفل عن المخططات اليهودية من قبيل استمرار الاستيطان والحفريات تحت المسجد الأقصى.

الفهم الأخير وهو الأقل رواجا مع أنه منطقي جدا فيتمثل في كون الانتفاضات الأخيرة، شبت عن الطوق الطبيعي لشعوب تتفشى فيها الأمية لأنها كانت تعبر عن وعي عميق، وجرت بشكل مدروس ودقيق ، مايحتم أن يكون عبارة عن تنامي لمشروع فكري أو سياسي لايمكن حصره في دولة واحدة ، ومن البديهي أن تكون الإشارة هنا "لحركة الإخوان المسلمين" بالدرجة الأولى ثم لحركات القومية العربية وغيرها.

يدعم هذا الفهم الظهور اللافت لبعض القيادات الفكرية وخاصة من حركة الإخوان في وسائل الإعلام الرسمية في الدول التي نجحت فيها الثورات.
كما أن دعم القنوات المحسوبة على الحركات الفكرية لهذه الثورات يمكن وضعه في هذا الإطار.

وهو ما يرفضه البعض لأن القيادات الشبابية البارزة للثورات بعيدة كل البعد عن الحركات الاديولوجية.

وما مطالبة الولايات المتحدة لكل الرؤساء المثار عليهم بالرحيل وتلبية مطالب الشعوب إلا دليل على عدم وجود تيار فكري ناضج يريد النهوض بالعالم العربي خلف هذه الثورة .

وسيكون لأي حراك شعبي يحدث في "سوريا" دوره في تفنيد هذا الفهم لأنها القلعة القومية الوحيدة المتبقية كما أنها الحامي لأهم الحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين.

ومهما يكن فلا محيص عن خريطة جيدة سترسم للعالم العربي ،فعلى الشعوب والنخب المثقفة التبصر والانتباه التام فالخوف من وجود مؤامرة مشروع وشرعية الخوف من سرقة ثورات الشعوب أكبر.

فغاية مانريده هو أن تكون ريشة الرسام بأيدي هذه الشعوب العربية ونخبها وشبابها الواعي.

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026