تاريخ الإضافة : 28.02.2011 09:24
ثورة العرب والنفاق الغربي
عندما أطلق المفكر الجزائري مالك بن نبي مقولته الشهيرة: "إن الغرب لا يحمل فضائله خارج حدوده"، كان يصوغ بعبارة أخرى، ما كان قد نقل كذلك عن محمد عبده - في لحظة انبهار من الشيخ أثناء زيارته للغرب – من أنه "وجد لدى الغرب إسلاما بدون مسلمين، وأنه ترك خلفه مسلمين بلا إسلام"، لكن الأستاذ محمد قطب قد استدرك على هذا المعنى الذي تشير إليه المقولتان، نافيا أن تكون هناك قيمٌ حقيقةٌ في تعامل الغرب مع الآخر، غير قيم المصلحية والميكافيلية، فقطب يقول إن ما يراه محمد عبده قيما وأخلاقا عند الغرب في تعامله التجاري، لا يعدو كونه سياسة التاجر اليهودي الماهر، الذي يستديم بقاء الزبون بالحيل الماكرة، قصد استفراغ ما في جيبه، فهذا التاجر مثلا قد يبادر إلى تصحيح الغلط إذا أرسل البضاعة خلافا للمواصفات التي اشتراها منه الزبون على أساسها، معتذرا عن هذا الخطأ، لكن هذا التاجر نفسه وغيره من التجار والشركات الغربية، لا يتورع عن إرسال الأطعمة الفاسدة والأدوية منتهية الصلاحية لإفريقيا وغيرها، بل وتجريب الأدوية في استعمالاتها الأولية، على العالم الثالث.
ذلك هو تعامل الغرب مع الآخر في المجال التجاري والصناعي، تملقا وتزويرا؛ فكيف يتعامل هذا الغرب مع قيمه في الحرية والديمقراطية والعدالة وغيرها من المفاهيم، إذا ما تعلق الأمر بالشعوب والمجتمعات الأخرى ؟!
ذلك هو تعامل الغرب مع الآخر في المجال التجاري والصناعي، تملقا وتزويرا؛ فكيف يتعامل هذا الغرب مع قيمه في الحرية والديمقراطية والعدالة وغيرها من المفاهيم، إذا ما تعلق الأمر بالشعوب والمجتمعات الأخرى ؟!
المصداقية المهزوزة
لقد أعطى الغرب - بشقيه الأوربي والأمريكي - منذ صعوده وتحكمه في السياسات الدولية، الحق لنفسه في ممارسة الوصاية على العالم، في صورة المعلِّم والموجِّه للشعوب والأمم؛ يعاقب هذا ويداهن ذلك، متخذا من قيمه ونظمه نموذجا لا يرقى إليه التشكيك، ومن آلة ردعه العسكرية وعقوباته الاقتصادية، زاجراً لكل من لا يحقق مصالحه أوينساق مع سياساته.
غير أن هذا العالم، فقد مصداقيته، وأذهبت معاييره المزدوجة بريق تلك القيم الإنساتية الجميلة، ولم يعد أحد يكترث لبكاء التماسيح الذي يصدر من تلك الدول ودوائرها المختلفة، على قيم العدل والديمقراطية، وخصوصا في الدول التي لا تخضع تماما لإملاءاتها، أو لا تدور في فلكها.
إن تلك المصداقية قد فقدت منذ زمن بعيد لدى الكثيرين، غير أن الجديد فقط هو إفلاسها وانكشافها أمام العالم أجمع. لا يتعلق الأمر الآن بقضايا كبيرة يبدو الظلم فيها صارخا، واسترجاع الحق فيها لأصحابه من المغتصب واجباً، إنسانيا وأخلاقيا، وإقامة العدل فيها تستصرخ الأحرار وأهل الإنصاف من بني البشرية، كما هو الحال في فلسطين، التي زرعوا فيها ذلك السرطان ورعوه بكل الوسائل المادية والمعنوية، فذلك جرح غائر، قد تُوُدِّع منهم أن يستثير فيهم عاطفة إنسانية، أو يحرك فيهم يقظة ضمير للحظة واحدة، تصدق دعاويهم في رعاية القيم النبيلة، بل إن الاختبار اليوم لهؤلاء جاء صادما، وآيات الفشل فيه صارخة مدوية، تجلى ذلك في تعاطي المنظومة الغربية مع زلزال الثورتين التونسية والمصرية.
لقد كشفت أحداث الثورتين المجيدتين، النفاق الغربي على حقيقته، وعرَّته من كل القيم التي طالما ظهر مدافعا عنها؛ بدءاً من ضرورة احترام إرادة الشعوب، وانتهاءً بالعداء المعلن للدكتاتورية، وذلك ربما – إنصافا لهم – ناشئٌ عن قوة الصدمة، إذ أتاهم الإنفجار من حيث لم يحتسبوا، فأذهلهم، وبدت وجوههم عبوساً كالحة، وتبلورت مواقفهم متذبذبة متناقضة، وتصريحاتهم مرتبكة ومتلعثمة، لا يقدرون من المواقف الصائبة أو التصريحات الموفقة على شيء.
لقد تعود العالم من هؤلاء على المواقف المتناقضة، والمعايير المزدوجة، بحيث لم يعد أحد يثق في ما يصدر منهم، لكن هاتين الثورتين قد أطاحتا بما بقي لدى الغرب من قيم مغشوشة، تماما كما أطاحت بالدكتاتورين وعهديهما المشؤومين، إذ لم تكتف الحكومات الغربية - راعية الحقوق الإنسانية - بالتجاهل ابتداءً للأحداث وبالتصامم عنها، إتاحةً للفرصة للجلادين في إخماد الثورتين وقمع الثوار، بل إن الخارجية الفرنيسة عرضت خدماتها الأمنية والعسكرية، على ابن علي، لإنهاء الثورة في أسرع وقت، والتخلص من المشاغبين !!! أما المبشر الأكبر بالحرية والديمقراطية في العالم "أمريكا"، فلم يكن موقفها بأحسن من حلفائها الآخرين، بل إنها كانت وفية لنهجها المعهود في الكيل بالمكيال الذي يناسب اللحظة، ويحقق المصلحة الذاتية بعيدا عن المبادئ أو القيم الأخلاقية، فقد اتسمت مواقفها من بطش نظام ابن علي وتنكيله بالمتظاهرين بالتلكؤ والنصائح العائمة، عسى أن يستتب الأمر للدكتاتور، ولما أوشك الصنم على السقوط، بدأ أوباما وطاقمه في التقرب من الثوار، علَّهم يستدركون ما خلفته ردودهم السابقة المخجلة من حنق لدى الشعب الثائر. أما في الحالة المصرية، فقد حاولوا التنبه في وقت أسرع، مستفيدين من التجربة السابقة، وإن شابها هذه المرة الارتباك والتناقض بين أجنحة الإدارة المحتلفة.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الصمت المريب من قبل هؤلاء على ما يجري في ليبيا، وخاصة في أيامه الأولى، وكأن هذا الدكتاتور يخبئ له القدر نهاية مخالفة تماما للصورة التي أراد أن يظهر بها، وقوفا في وجه الاستعمار وانحيازا للمتحررين، والآن انكشف على حقيقته، وتبين أنه مجرد حارس لمصالح صديقه برلسكوني، وذلك ما وفر للقذافي فرصة استحياء في المواقف المنددة بفعلته من قبل الغربيين ولو مؤقتا.
غير أن هذا العالم، فقد مصداقيته، وأذهبت معاييره المزدوجة بريق تلك القيم الإنساتية الجميلة، ولم يعد أحد يكترث لبكاء التماسيح الذي يصدر من تلك الدول ودوائرها المختلفة، على قيم العدل والديمقراطية، وخصوصا في الدول التي لا تخضع تماما لإملاءاتها، أو لا تدور في فلكها.
إن تلك المصداقية قد فقدت منذ زمن بعيد لدى الكثيرين، غير أن الجديد فقط هو إفلاسها وانكشافها أمام العالم أجمع. لا يتعلق الأمر الآن بقضايا كبيرة يبدو الظلم فيها صارخا، واسترجاع الحق فيها لأصحابه من المغتصب واجباً، إنسانيا وأخلاقيا، وإقامة العدل فيها تستصرخ الأحرار وأهل الإنصاف من بني البشرية، كما هو الحال في فلسطين، التي زرعوا فيها ذلك السرطان ورعوه بكل الوسائل المادية والمعنوية، فذلك جرح غائر، قد تُوُدِّع منهم أن يستثير فيهم عاطفة إنسانية، أو يحرك فيهم يقظة ضمير للحظة واحدة، تصدق دعاويهم في رعاية القيم النبيلة، بل إن الاختبار اليوم لهؤلاء جاء صادما، وآيات الفشل فيه صارخة مدوية، تجلى ذلك في تعاطي المنظومة الغربية مع زلزال الثورتين التونسية والمصرية.
لقد كشفت أحداث الثورتين المجيدتين، النفاق الغربي على حقيقته، وعرَّته من كل القيم التي طالما ظهر مدافعا عنها؛ بدءاً من ضرورة احترام إرادة الشعوب، وانتهاءً بالعداء المعلن للدكتاتورية، وذلك ربما – إنصافا لهم – ناشئٌ عن قوة الصدمة، إذ أتاهم الإنفجار من حيث لم يحتسبوا، فأذهلهم، وبدت وجوههم عبوساً كالحة، وتبلورت مواقفهم متذبذبة متناقضة، وتصريحاتهم مرتبكة ومتلعثمة، لا يقدرون من المواقف الصائبة أو التصريحات الموفقة على شيء.
لقد تعود العالم من هؤلاء على المواقف المتناقضة، والمعايير المزدوجة، بحيث لم يعد أحد يثق في ما يصدر منهم، لكن هاتين الثورتين قد أطاحتا بما بقي لدى الغرب من قيم مغشوشة، تماما كما أطاحت بالدكتاتورين وعهديهما المشؤومين، إذ لم تكتف الحكومات الغربية - راعية الحقوق الإنسانية - بالتجاهل ابتداءً للأحداث وبالتصامم عنها، إتاحةً للفرصة للجلادين في إخماد الثورتين وقمع الثوار، بل إن الخارجية الفرنيسة عرضت خدماتها الأمنية والعسكرية، على ابن علي، لإنهاء الثورة في أسرع وقت، والتخلص من المشاغبين !!! أما المبشر الأكبر بالحرية والديمقراطية في العالم "أمريكا"، فلم يكن موقفها بأحسن من حلفائها الآخرين، بل إنها كانت وفية لنهجها المعهود في الكيل بالمكيال الذي يناسب اللحظة، ويحقق المصلحة الذاتية بعيدا عن المبادئ أو القيم الأخلاقية، فقد اتسمت مواقفها من بطش نظام ابن علي وتنكيله بالمتظاهرين بالتلكؤ والنصائح العائمة، عسى أن يستتب الأمر للدكتاتور، ولما أوشك الصنم على السقوط، بدأ أوباما وطاقمه في التقرب من الثوار، علَّهم يستدركون ما خلفته ردودهم السابقة المخجلة من حنق لدى الشعب الثائر. أما في الحالة المصرية، فقد حاولوا التنبه في وقت أسرع، مستفيدين من التجربة السابقة، وإن شابها هذه المرة الارتباك والتناقض بين أجنحة الإدارة المحتلفة.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الصمت المريب من قبل هؤلاء على ما يجري في ليبيا، وخاصة في أيامه الأولى، وكأن هذا الدكتاتور يخبئ له القدر نهاية مخالفة تماما للصورة التي أراد أن يظهر بها، وقوفا في وجه الاستعمار وانحيازا للمتحررين، والآن انكشف على حقيقته، وتبين أنه مجرد حارس لمصالح صديقه برلسكوني، وذلك ما وفر للقذافي فرصة استحياء في المواقف المنددة بفعلته من قبل الغربيين ولو مؤقتا.
التذاكي المستفز !!
إن ما يثير السخط والغضب من مواقف هذه الدول، ليس هو ذلك التناقض بين الشعار والممارسة، في دعم أعتى الظالمين، والتباكي على حقوق الشعوب الرازحة تحت وطأته الثقيلة، فتلك أمور تعود عليها العالم من هذه الحضارة المفلسة، بل إن ما يجعل المرء ينفجر غضبا وحنقا، هو الوقاحة التي يظهر بها هؤلاء وهم يحاولون استغفال العالم، ففي الوقت الذي تثور ثائرتهم، ويستيقظ فيهم الضمير الإنساني في بعض الدول التي يعادونها، وتأتي مطالباتهم سريعة وصارمة، بضرورة الاستجابة للمطالب والحقوق للشعوب في هذه الدول، يصيبهم البكم ويغشاهم العمى عن ممارسات حلفائهم الوحشية تجاه شعوبهم. كل ذلك في نفس اللحظة، وكأن العالم مجموعة أطفال لا يميزون بين المواقف، ولايفرقون بين الأمور.
وقد عبر عن هذا الشعور - بمرارة صارخة - داعيةُ حقوق الإنسان العربي الشجاع هيثم مناع، يوم أن جاءت مواقف الحكومات الغربية باهتة خجولة من الهجمة الصهيونية الشرسة على قافلة الحرية، وذلك حين صرح هذا الحقوقي الصبور أن تلك المواقف المنهارة أمام الصلف الصهيوني تجعل المرء يفكر في الاستقالة من المنظمة الإنسانية، وينخرط في نشاط القراصنة الصوماليين! باعتبار أن تلك السياسات أقرب إلى قانون الغاب منها إلى موقف دول ورجال سياسة يحملون مبادئ وقيما إنسانية، وإنه لتعبير صادق يجسد مستوى الاستهجان الذي يعتمل في صدر هذا الرجل المتزن.
إن المفجع هنا ليس إفلاس وافتضاح السياسات الرسمية للدول الغربية، لكن الأمر المستغرب هو غياب - أو على الأقل ندرة - تلك الأصوات من الحقوقيين والأكاديميين، في استنكار واعتراض سياسات دولهم تجاه الشعوب الأخرى، التي ترنحت طويلا بين الاستعمار المباشر والعيش القاسي تحت الدكتاتوريات المدعومة من الغرب، فقلة قليلة جدا من الغربيين غير الرسميين هي التي نظرت بقليل من الإنصاف لقضايا الشعوب المقهورة، وهي أصوات لم يرقَ حجمها فضلا عن تأثيرها إلى التخفيف من الفظائع التي ارتكبت من قبل الأنظمة المدعومة من حكومات الغرب.
وقد اتسمت مواقف المنظمات الغربية المدافعة عن حقوق الإنسان بالكثير من الانتقائية وانعدام التوازن.
وقد عبر عن هذا الشعور - بمرارة صارخة - داعيةُ حقوق الإنسان العربي الشجاع هيثم مناع، يوم أن جاءت مواقف الحكومات الغربية باهتة خجولة من الهجمة الصهيونية الشرسة على قافلة الحرية، وذلك حين صرح هذا الحقوقي الصبور أن تلك المواقف المنهارة أمام الصلف الصهيوني تجعل المرء يفكر في الاستقالة من المنظمة الإنسانية، وينخرط في نشاط القراصنة الصوماليين! باعتبار أن تلك السياسات أقرب إلى قانون الغاب منها إلى موقف دول ورجال سياسة يحملون مبادئ وقيما إنسانية، وإنه لتعبير صادق يجسد مستوى الاستهجان الذي يعتمل في صدر هذا الرجل المتزن.
إن المفجع هنا ليس إفلاس وافتضاح السياسات الرسمية للدول الغربية، لكن الأمر المستغرب هو غياب - أو على الأقل ندرة - تلك الأصوات من الحقوقيين والأكاديميين، في استنكار واعتراض سياسات دولهم تجاه الشعوب الأخرى، التي ترنحت طويلا بين الاستعمار المباشر والعيش القاسي تحت الدكتاتوريات المدعومة من الغرب، فقلة قليلة جدا من الغربيين غير الرسميين هي التي نظرت بقليل من الإنصاف لقضايا الشعوب المقهورة، وهي أصوات لم يرقَ حجمها فضلا عن تأثيرها إلى التخفيف من الفظائع التي ارتكبت من قبل الأنظمة المدعومة من حكومات الغرب.
وقد اتسمت مواقف المنظمات الغربية المدافعة عن حقوق الإنسان بالكثير من الانتقائية وانعدام التوازن.
المهنية المهدورة في الإعلام الغربي
من معالم التطور البارزة في الغرب ما أبدعه من قيم ومبادئ في مجال الإعلام، متمثلا في الشفافية والمصداقية ونصرة المظلومين، وغيرها من قيم الإعلام، التي أضحت قيماً إنسانية مشتركة، وأصبح الغرب تبعا لذلك قبلة كل الإعلاميين، استلهاما لتلك المبادئ، وتطلعا إلى استنباتها في باقي أنحاء العالم.
بيد أن الغرب، مرة أخرى، عجز - أو لعله لم يشأ - أن ينقل هذه القيم خارج محيطه. ومن المحزن أن هذا الفشل طال مؤسسات إعلامية عريقة كالـ "بي. بي. سي" و"سي. إن. إن" وغيرها، ومن ثم لم تسلم هذه المؤسسات مما أصاب باقي الهيآت من ازدواجية في المعايير وعدم توازن في طرح القضايا وغياب للفرص المتكافئة لكل الأطراف والاتجاهات.
لقد انحازت هذه المؤسسات دائما لسياسات بلدانها، وعكست مصالح وتوجهات الممولين في تلك الجهات، وتحددت السياسات التحريرية لتلك المؤسسات من البلدان والحركات، حسب قربها أو بعدها من المواقف الغربية.
ولقد شكلت القضايا العربية والإسلامية الصخرة التي تحطمت عليها شعارات "الحرية" و"الرأي الآخر"، حيث كان التشويه والتجاهل هو مصير كل من يعبر عن تطلعات هذه الأمة - بصدق ووعي - في الحرية والعدالة والاستقلال، في الوقت الذي تبرز فيه الأصوات النكرة أو تلك المنحرفة، وتتصيد فيه الأخطاء:
إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحاً ** عني، وما سمعوا من صالح دفنوا
ذلك هو منطق السياسة التحريرية لهيئة عريقة مثل الـ"بي بي سي" مع قضايانا وتطلعاتنا. أما الـ"سي إن إن" فيكفيها من السقوط الأخلاقي والمهني يوم أن تماهت مع قوات بوش الغازية للعراق، وكانت قمة ذلك السقوط حين تفرغت هذه القناة لنقل مشهد أحد الفيلة لحظة دخول الغزاة لبغداد، وسحقها بمن فيها !
إنها مشاهد تدل على ما وصلت إليه هذه المؤسسات من الاغتراب عن منطلقاتها وأسسها التي حملتها وأقنعت بها كثيرين.
يخطر للمرء وهو يتابع المواقف والسياسات الغربية بأوجهها المختلفة أن هذا الغرب آيل للأفول من مسرح التأثير الدولي والانكفاء على نفسه، لكن يبدو أن تلك اللحظة لم تأت حتى تتآكل مع ذلك التأثير الصورة الأخلاقية والقيمية المزيفة التي رسخها هذا الغرب عن نفسه في أذهان الشعوب والأمم الأخرى، وهي نفسها لحظة الصعود المرتقب لتلك الحضارة الراشدة التي اشرأبت إليها أعناق الأحرار والثوار في هذا العالم المعذب. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).
بيد أن الغرب، مرة أخرى، عجز - أو لعله لم يشأ - أن ينقل هذه القيم خارج محيطه. ومن المحزن أن هذا الفشل طال مؤسسات إعلامية عريقة كالـ "بي. بي. سي" و"سي. إن. إن" وغيرها، ومن ثم لم تسلم هذه المؤسسات مما أصاب باقي الهيآت من ازدواجية في المعايير وعدم توازن في طرح القضايا وغياب للفرص المتكافئة لكل الأطراف والاتجاهات.
لقد انحازت هذه المؤسسات دائما لسياسات بلدانها، وعكست مصالح وتوجهات الممولين في تلك الجهات، وتحددت السياسات التحريرية لتلك المؤسسات من البلدان والحركات، حسب قربها أو بعدها من المواقف الغربية.
ولقد شكلت القضايا العربية والإسلامية الصخرة التي تحطمت عليها شعارات "الحرية" و"الرأي الآخر"، حيث كان التشويه والتجاهل هو مصير كل من يعبر عن تطلعات هذه الأمة - بصدق ووعي - في الحرية والعدالة والاستقلال، في الوقت الذي تبرز فيه الأصوات النكرة أو تلك المنحرفة، وتتصيد فيه الأخطاء:
إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحاً ** عني، وما سمعوا من صالح دفنوا
ذلك هو منطق السياسة التحريرية لهيئة عريقة مثل الـ"بي بي سي" مع قضايانا وتطلعاتنا. أما الـ"سي إن إن" فيكفيها من السقوط الأخلاقي والمهني يوم أن تماهت مع قوات بوش الغازية للعراق، وكانت قمة ذلك السقوط حين تفرغت هذه القناة لنقل مشهد أحد الفيلة لحظة دخول الغزاة لبغداد، وسحقها بمن فيها !
إنها مشاهد تدل على ما وصلت إليه هذه المؤسسات من الاغتراب عن منطلقاتها وأسسها التي حملتها وأقنعت بها كثيرين.
يخطر للمرء وهو يتابع المواقف والسياسات الغربية بأوجهها المختلفة أن هذا الغرب آيل للأفول من مسرح التأثير الدولي والانكفاء على نفسه، لكن يبدو أن تلك اللحظة لم تأت حتى تتآكل مع ذلك التأثير الصورة الأخلاقية والقيمية المزيفة التي رسخها هذا الغرب عن نفسه في أذهان الشعوب والأمم الأخرى، وهي نفسها لحظة الصعود المرتقب لتلك الحضارة الراشدة التي اشرأبت إليها أعناق الأحرار والثوار في هذا العالم المعذب. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).







