تاريخ الإضافة : 26.02.2011 15:56

سياسة النار.. ونارالسياسة

أدي ولد آدب

أدي ولد آدب

هذه جدلية ملتبسة الطرفين، حيث كانا معا يستخدمان غالبا من قبل الحكام العرب ضد شعوبهم،فلماأصبح الأسلوبان اليوم دولة بين هؤلاء وهؤلاء، تعذرالتمييز بين السبب و النتيجة، وتكافأ فيهما التقديم والتأخير، فلم نعد ندري :هل سياسة النار هي التي تؤدي إلى نار السياسة..؟ أم العكس هو الصحيح؟
مهما يكن، فإني وأنا أتأمل لهيب هذه الجدلية الزاحف بشكل متفاقم، فوق خريطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج،وأبحث عن مدخل يختلف عماتزاحمت فيه الأقلام حول هذا الموضوع، وجدت ذهني محاصرا بتداعيات حول النار،أخذتني في سبحات تأمل عميق،عادت بي إلى كون النار عنصرا ثابتا في كينونة الوجود، ضمن عناصر الطبيعة الأربعة: التراب والماء والهواء والنار، التي تتفاعل وتتغالب فيما بينها، داخل بنيات الوجود، لتنتج حيوات يهيمن على كل منها بعض العناصر أكثر من الأخرى، فإذا كان الإنسان سلالة التراب والماء،فإنه يتنفس الهواء،ويتحرك بطاقة الحرارة، وإذا كانت الشياطين والأبالسة من سلالة النار،فإن تلبس الشيطان بالإنسان يكسر الحواجز بين كون هذا من طين مهين،وذلك من مارج من نار.
وهكذا لم يستطيع الإنسان العيش فوق الأرض بعد هبوطه من الجنة بعيدا من النار، رغم أنها العقاب الإلهي المرصود له في الآخرة، فكانت أولى اختراعاته باعتبارها ضرورة حياة لاغنى عنها، وتقديسا لهذه العناصر وحيويتها لدى الإنسان كانت "النار" معبود المجوس، كما قدس الهنودالناروالماءمعا، فتعبدوا بحرق جثمان الميت طلبا لخلاص الجسم،وتغاطسوا في بعض الأنهار المقدسة عندهم تطهرا من الذنوب،واستشفاءً من العلل والعاهات.
وقد قادتني هذه التداعيات إلى أن العقود الماضية من حياة العرب قد هيمن فيها زوج الطين والماء على كينونة الشعوب، فأخلدت إلى الأرض نزوعا إلى طينيتها، وماعت ماهيتها في مائيتها،انتماءً ومواقفَ ومشاعرَ، إلا أن سياسة النار التي كان الحكام المستبدون يمارسونها طيلة هذه الفترات هيجت ريح المشاعر الهامدة،وأججت جذوة النار الخامدة في نفوس هذه الشعوب، فتغلب زوج النار والهواء على زوج الطين والماء،لتلتهم نار السياسة خرائط الأوطان، وتمتد إلى الأجساد، بعدما تضرمت طويلا في الأكباد.
وهذا التحول-وفق قانون التغير من الكم إلى الكيف- شبيه بظاهرة الاحتباس الحراري،التي ليست هي الأخرى إلا نتيجة سلبية من نتائج سياسة النار تجاه البيئة،حيث تتراكم هناك التأثيرات وردات الأفعال،حتى تتحول فجأة إلى براكين وأعاصير وفيضانات،(لاتذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم).
وما دامت الثورة إحدى هذه الظواهر الكونية الغلابة التي ما هي إلا جزء من لعبة تفاعل عناصر الطبيعة،فإنه يجب على الحكام المنتهجين لسياسة النار، أن يفهموا أن رياح التغيير التي تهب بعنف على المنطقة،هي (إعصار فيه نار) ،جاء نتيجة احتباس حراري طال تفاقمه تحت ضغط أحكامهم الأنانية المستبدة، و"على قدر الضغط يكون الانفجار"، فلن يتولد من نارعسف الحكام السياسي، إلا نار الثورة الشعبية،التي (تفور تكاد تميز من الغيظ)، وقد أخذت ألسنة لهبها تكتب صفحات أبلغ من كل الخطب والقصائد والرسائل والجرائد والشعارات والبيانات...
وفي ضوء هذه النار أو تلك، تتراى الخلفية التاريخية لسياسة النار، حيث نستحضر رائدها "النمرود" ملك (أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم ما يفعلون بالمؤمنين شهود)،حين واجه الدعوة الحنيفية المناهضة لسلطانه الجائر، بتلك النار الموقدة التي ألقى بإبراهيم عليه السلام في أخدودها عبر المنجنيق، فجعلها الله عليه(بردا وسلاما)،وحين نرى حرص الحكام العرب المشهود اليوم على استخدام سياسة الأرض المحروقة،عندما يتأكدون من استحالة البقاء أبدا في سدة الحكم،أمام إعصار ثورة الشعوب،تبنيا لمقولة "شمشون" القوي-حيين اكتشفت نقطة ضعفه:"علي وعلى أعدائي"،نستحضر أيضا "نيرون" ملك روما،الذي أصيب بجنون العظمة،ومدت له بطانته المتملقة في غيه فصدقوا – زورا – دعواه الحكمةَ والفروسيةَ والوسامةَ والإبداعَ في الشعر والموسيقى والتمثيل...وحين أفاق من غيبوبة وَهْمٍ العظمة والعبقرية،ووجد أعداءه يحيطون به في قصره من كل جانب،قرر أن يحرق روما بكاملها،تماديا في أنانيته ونرجسيته المقيتة، وإمعانا في غيه، وأظن أن أخلافه من حكام العرب ماثلون للعيان مهما اختلفت الأسماء والألقاب :
كلٌُ قوْم صانعـــو "نَيْرونهمْ "
قيْصرًا سَمٌَوْهُ أوْ سَمٌوْهُ كسْرَى
فهذا القذافي أقر جهارابعزمه على إحراق ليبيا بكاملها،لأنهابدونه لاتساوي شيئا،وشعبها إذا لم يحبه،فهو لايستحق الحياة،فمعمر في مرآة نرجسيته هوالمجد،هوالعظمة...بينما الليبيون الأماجد،أباة الضيم الأبدي، مقذوفون من طرف القذافي بما لم يسبقه إليه سلفاه المخلوعان من بذيئ الأوصاف.
وإذا كانت نار موسى عليه السلام مثلت نار الهدى والتنوير والتغيير، فإن "نار القرا" في تراث العرب منذ العصور الجاهلية، كانت بالنسبة لمعتسفي مجاهيل الصحراء في الليالي الظلماء نار هداية من التيه، وإطعام من الجوع، وأمن من الخوف، رغم أن الذاكرة العربية تحتفظ لنا بنموذج لتحول هذه النار الإيجابية في الجاهلية إلى نار سياسة مشؤومة،حيث قرر أحد الملوك أن يحرق مائة من قبيلة أغضبته تسمى البراجم، وعندما أحرق تسعة وتسعين منهم كانت رائحة الشواء البشري تملأ آفاق الصحراء البائسة، فاستدرجت بقتارها الرقم المكمل للمائة من تلك القبيلة المغضوب عليها، حيث خانه أنفه في تمييز أنواع الشواء، وقاده حظه العاثر إلى نار الطاغية،فالتقمته فور معرفته بنسبه، فأرسلوا المثل المشهور: "إن الشقي وافد البراجم".
وبعد ذلك نجد طارق بن زياد يستخدم سياسة النار بمقصدية الخير هذه المرة، حين أحرق مراكب العبور من الضفة المغربية إلى الضفة الأندلسية، واضعا مجاهديه في موقف الاستبسال بين عدوهائج أمامهم،وبحرمائج خلفهم، إلا أن أحفاد طارق بن زياد من حكام الضفتين في الأندلس والمغرب، قد مارسوا –أحيانا- سياسة النار السلبية ضد الأفكار المعارضة،فأحرقت نارُ سياستهم كتبَ الفلسفة في العهد العامري، وكتبَ ابن حزم في عصر الطوائف، وكتبَ الغزالي في العصر المرابطي، وكتبَ فروع الفقه المالكي في عهد الموحدين، بل أحرقوا المعارضين أنفسهم بلحمهم وشحمهم،مثل لسان الدين بن الخطيب الذي أحرق في قبره بفاس،بتمالؤ الحُكْمين المريني في المغرب،والنصري في الأندلس. ولكن البعد الأخطر لاستمرار سياسة النار في أخلاف طارق بن زياد هو ظاهرة "الحرٌاقة" المتفشية في دول المغرب العربي منذ عقود، حيث أجج أحفاده من الحكام -غير الوارثين لعدله-نار سياستهم في نفوس شعوبهم،حتى احترقت بنيران غلاء الأسعار والاحتكار والاحتقار...، مماجعل هؤلاء يضيقون ذرعا بأوطانهم الغنية التي لاتطعمهم من جوع،ولاتؤمنهم من خوف، فبدأوا ظاهرة "لحريق" بإضرام النار في شواهدهم العلمية،وبطاقات انتمائهم لهذه الأوطان، ملقين بأنفسهم في "قوارب الموت"، الوريثة غير الشرعية لسفن طارق الجهادية، عبر أمواج الهجرة السرية إلى الضفاف الأوربية،فرارا من نار السياسة وسياسة النار المتأججتين في الضفاف العربية عموما والمغاربية خصوصا.
وهكذا بدأت الشعوب العربية ترد على سياسة النار التي يسوسهم بها حكامهم المجوس، ردودا تطورت عبر تاريخ نار السياسة،من السلبية البائسة إلى الإيجابية الخلاقة، فكنا نرى المظاهرات في الشوارع العربية تحرق عجلات السيارات تنفيسا عن غضبها المكبوت، وتشعل أعلام الدول المحتلة الغاشمة مثل إسرائيل وأمريكا... دون أن تنال فعلا من زهو بيارقها الطاغية،وأحيانا تحرق مجسمات المستوطنات ودمى الرؤساء والوزراء الغربيين المغضوب عليهم، دون أن توقف زحف غول الاستيطان المتمادي في اكتساح الأراضي الفلسطينية،ودون أن تطال نارمظاهراتهم شعرة من الجناةالإسرائليين ولاداعميهم الغربيين،إلا أن الشعوب العربية تقمصت روح "سارق النار" من "برومسيوس" الذي ثار على احتكار آلهة اليونان للنار المقدسة، فسرق شعلة الإبداع التي تقابس رواد الثورات الشبابية العربية مؤخرا من لهيبها الخالد، فانتقلوا من حرق الأشياء الرمزية،إلى حرق الذات ضجرا من الحياة المهينة، واحتجاجا بنار السياسة على سياسة النار، علاجا "بالتي كانت هي الداء"، وانتصارا للكرامة المجروحة والحقوق المهدورة.
ورغم اختلافي عقديا وفلسفيا مع ما أصبح يسمى الظاهرة البوعزيزية،نظرا لأني أرى النضال بالحياة –فضلا عن البعد الشرعي- أجدى من النضال بالموت،إذالأول نضال مستمر ومتجدد، والثاني منته ومنقطع،إلا أنني رغم هذا التحفظ،أجد هذه الظاهرة قد شكلت نقلة نوعية في مواجهة سياسة النار بنار السياسة، حيث اقتدحت الشعلة التي أحرقت جسم البوعزيزي شرارات العزيمة والإباء في نفوس الشباب العربي، فكانت بالفعل هي الصاعق الذي فجر بركان الغضب الشعبي المكبوت، وكانت دمعة أمه هي القطرة التي أفاضت طوفان الثورة الشعبية الجبارة المندفع من تونس،إلى مصر،إلى ليبيا،إلى اليمن،إلى البحرين،إلى الأردن،إلى الجزائر،إلى المغرب،إلى موريتانيا... فتحول البوعزيزي حقيقة إلى سارق النار العربي الوريث لسارقها اليوناني،وكانت الشعلة التي أحرقته فعلا شعلة إبداع مباركة،غيرت- بأعجوبة- مسار التاريخ العربي بين عشية ضحاها،كما لم تفعل شعل أخرى،حرقت أجساداأخرى.
وبقدر ما أججت من غضب الطغاة على حشود الثائرين،فأمطروهم بشآبيب نار سياستهم،أججت-أيضا- روح الصمود والإصرار على إرادة الحياة،لدى هذه الشعوب العربية،فجعلتها تتقمص طائر الفينيق الذي كلما أحرق نبت من رماده. وهكذا رأينا الشعوب العربية المنبعثة من رمادها،تتجاوز تقنية إحراق الأشياء الرمزية التافهة،وإحراق الذات،إلى إحراق أكباد المستبدين بإشعال قصورهم الفاخرة،وإيقونات صورهم الصنمية،وأنصاب كتبهم غير المقدسة،ومقرات زبانيتهم اللعينة،ومعدات جلاديهم المتوحسين. وهذا التحول في سياسة النار الشعبية ضد نار السياسة الرسمية،هو الذي فاجأ الحكام العرب المتألهين،وزعزع بنيةطاغوتهم المتجبر،ففر منهم من فضل النجاة بجلده، وسارع بعضهم إلى إعلان التنازلات والإغراءات استباقا للثورات أو بالتزامن معها،بينما لاذ آخرون بجحورهم -كالجرذان - محرضين الشعب ضد الشعب، بعدما تهاوت معاقلهم تباعا،وتقلصت حلقة سلطانهم الآيل للسقوط حتما،رغم استخدامهم لتقنية البلطجية والمرتزقة الداخلية والخارجية.وشعروا بألسنة نار سياستهم ترتد إليهم،من أيدي الشعوب الناهضة من رمادها،فتكاد تلفح أوجههم الكالحة،وتأخذ بتلابيب ثيابهم التي خاطوهاغلولا من خيرات الشعوب.
ولعمري أنه لا غرابة أن تنبثق الثورة البوعزيزية -أم الثورات- من مدينة "سيدي بوزيد" الهلالي، بطل الملحمة الشعبية التي كانت تمثل ثورة عربية عابرة للأحكام والدول والقارات،عرفت باسم "تغريبة بني هلال"، التي انطلقت عاصفتها من المشرق إلى المغرب،لتعوداليوم-في نسختها الجديدة- عبر الاتجاه المعاكس،انطلاقا من المغرب إلى المشرق، لتبقى -بعد انتصارها في تونس ومصر على فرعونين مع بعض هاماناتهم وقاروناتهم- كرةً ملتهبة تتقاذفها الجماهير العربية بين مرامي ملاعب الحكام العرب،في المشرق والمغرب، مسجلة كثيرا من الأهداف في شباكهم بعد تخاذل حراسها،أو تعاطفهم مع الهدافين الجدد.
وإذا كان زين العابدين قد فهم درس الثورة الشعبية ولو متأخرا،وتبعه مبارك بعد فترة مكابرة وعناد لم تطل، فمتى يفهم بقية حكام العرب المستبدين أن عهد الفرض قد نسخه عهد الرفض؟، وأن العنف يولد العنف، وسياسة النار الرسمية تؤجج نار السياسة الشعبية، مع عدم تكافؤ النارين؟ فنار الثوار الأحرار مقدسة، ونار الطغاة الأشرار مدنسة،نارهؤلاء المهاجمة،مهما أحرقت الأخضر واليابس،فإنها تمحيص للشعوب،وصقل لجوهرها النفيس،واستنفار لكوامن كنوز طاقاتها الثورية المكبوتة،مع ما ينتظرهم بعدها من الحسنيين في الدنيا والآخرة، أما نار الشعوب المقاومة فإنها خزي وهوان وعقاب عاجل للمستبدين،والله وحده يعلم ما ينتظر الظلمة من سوء العاقبة في آجلتهم يوم الدين،أعاذنا الله من سوءالمنقلب،وشؤم المصير.والحمدلله الذي عافانا من حرقة الأسف على سقوط الآفلين،وقلق الإشفاق من تهاوي اللاحقين،"ولا أحاشي من الأقوام من أحد".

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026