تاريخ الإضافة : 09.02.2011 16:22

الثورة العربية ..هبوطهم ..وصعودنا

هي ليست ثورة مصرية ...وهي ليست ثورة تونسية :هي ثورة إنسانية ، يقودها العرب ، وبوقود عربي في تونس وفي مصر ..وغدا في بقية كانتونات سايكس – بيكو، وربما ينتشر عبيرها – ليطرد نتانة الدخان الناتج عن صدام الحضارات التي روج له الفكر الغربي ،نظريا ، وبالممارسة - عبر المعمورة . كأي فعل إنساني عميق، يقع عادة الإفراط في التركيز علي جوانب فحسب ،ويجري ترك جوانب العمل الأساسية لحكم التاريخ ، من بعد !
اليوم ، يسري هذا القانون علي تناول هذه الثورة – برغم كثافة وغزارة "المحاليل " المستخدمة في سبيل استكشاف كافة العناصر المكونة والمسببة لهذا الفعل الثوري الجارف في الوطن العربي ، لأن الجميع خضع لسلطان اللحظة ..وسطوة المفاجأة .
لذا ، فإن المحللين ، إن في الغرب أو في الوطن العربي ، استعصى عليهم الفكاك من أسر الحدث الثوري ، الصادم في الغرب والمذهل للعرب أنفسهم ، وبالتالي استسلموا للأسهل ، وهو إرجاع ما جرى في تونس ،ويجرى في مصر ، لأسبابه المباشرة ، في انتظار أن يلتقط الكل أنفاسه ، وفي أثناء ذلك تأخذ الثورة بعدها الزمني الكافي ، فتفصح عن جوهرها ،على نحو لا يقبل اللبس ، ولا التداخل مع الجزئيات السطحية ، والظاهرة ، فتنكشف للمتتبع ، باهتمام ، تخرصات المحللين ، وتهافت المقدمات التي رتبوا عليها قناعاتهم ، في التحليل .
الثورة العربية – نحن نعبر هكذا لأننا لا نؤمن بالقطرية ، ولا بمقولاتها – في تونس ومصر هي أرقى وأفصح تعبيرعن حوار الأمة مع نفسها ، وهي إجابة عملية وحضارية ، من جانبها إزاء عالم يتغير من حولها ..إزاء تاريخ ينسحب وتاريخ يدخل ..إزاء قوة آفلة وقوي تتحفز ..إزاء عالم يتخلق وعالم يتفسخ ..إزاء سلم يهبط وسلم يصعد . فكان ضمير الأمة ، بقابلياته التاريخية ، وقابلياته الكامنة ، يبزغ هكذا بأسلوب واضح ومباشر ، ومتشبع بالإيمان والشجاعة .
الثورة ، بالمناسبة ، نقولها عبورا ، هي الفعل الجمعي الذي لا يخضع للحساب بالعقل ، هي الفعل الذي يتفجر ، فجأة ، كما يتفجر غضب الأطفال لأتفه الأسباب بالنسبة للراشدين ..االثورة هي الفعل الذي لا يحسن أصحابه التعبير عنه بالكلمات وقت الحدث ، بل يعبرون عنه با الغضب والشعارات الساذجة ، كما يعبر الأطفال عن رفضهم بالبكاء ، وحركات الجسم العفوية. .
إن فعلا ، كهذا ، لا يكتب عنه بنزاهة ، من عاشوا من ثمراته وأكلوا من حصاده وشربوا من معينه ..وحدهم الشهداء مخولون ، وقادرون ، بالكتابة عن الثورة ..لأنهم أخذوا سرها ورحيقها ، فأدوا دورهم ، بامتياز ، وانسحبوا ، بوقارهم ، من الخشبة !
الخشبة التي يلعب عليها ، من بعدهم ،اللاعبون الذين يعطون ، في انتهاك فاضح للحقيقة ، التفسير والتبرير ، للثورة ، اللذين يناسبان مآربهم !
في تونس ، قالوا سبب الثورة هو احراق البوعزيزي لنفسه ..في تونس قالوا سببها تكسير عربة خضاره ..في تونس قالوا بذنوب ابن عالي ، وبسبب صفعة ، من شرطية !
في مصر ، قالوا سبب الثورة هو شح رغيف العيش في المخابز ، في مصر قالوا بسبب تزوير الانتخابات ، هنا ، كما هنالك ،قالوا كافة الأسباب إلا سببا واحدا :كرامة أمة تمتهن .أمة تتمزق..أمة تتعذب..أمة تكثفت بآلامها وآمالها في كل فرد من أفرادها ، فارتبط تحقيق وجودها بالموت : أنا أموت...أنا موجود!
وتلك عادة العرب وعرفهم الموروث : أصالة القيم الإنسانية في "التفتح والصدق واحترام كرامة الإنسان " بقدرما تتجلى هذه الأصالة بالشجاعة والبطولة ، التي تطرح صيغة الموت بعزة بديلا عن الحياة في الذل !
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بعزة كجهنم وجهنم في العز خير منزل
فالموت سلطانه علي كل حي وحتميته لا مناص منها ، والعزة لا بد لها من ثمن ! " ذلك هو القانون الذي يتحول خلودا في ذاكرة الأجيال " ، وتلك هي الثورة التي تأكل أغلي من صنعها ، فتورق من قبورهم ، شجرة الحياة بأوراقها وبراعمها وأغصانها ..هي إذن الثورة العربية في تونس ومصر التي تؤرخ لميلاد صعود جديد للعرب ، ولهبوط للمغول الجدد ، جارفة ، في طريقها ، أنظمة العمالة ..ويومئذ يفرح المجاهدون في الرافدين ، ويعود الرئيس الشهيد صدام حسين ليحدث الأمة عن الثورة في تونس وفي مصر ..عن الهروب المفجع لجعالين الخيانة من غرف نومهم ، في قصر قرطاجه وقصر العروبة ، أمام طوفان الجماهير الهادر ..ويحدثهم عن آخرين من أمثالهم ، لما يلحقوا بهم .
ولا يحدثكم عن الثورة ومكنوناتها ، مثل ثائر شهيد..!!
محمد الكوري ولد العربي
Medkouri_a@yahoo.fr



الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026