تاريخ الإضافة : 06.02.2011 21:58
كلمة الإصلاح: عن إذاعة القرآن الكريم
كلمة الإصلاح هذه المرة ستتوجه إلى إذاعة القرآن الكريم الجديدة لتشيد إشادة خاصة بها وبموضوعها، ولأكتب في الأخير تعليقات قليلة على ما نسمع من تسييرها أنغاما، وتجويدا وتحبيرا إلى آخر رتوشات يلاحظها المستعمون عند استماعهم إلى قراءة قرائها.
وقبل إيراد تلك الملاحظات أود أن أسبقها بمقدمة تتعلق بموضوع هذه الإذاعة والإشادة بإنشائها. فبما أننا ولله الحمد نحن الموريتانيين مسلمين كلنا، ونظرا إلى أن المنتسبين إلى الإسلام تفضل الله عليهم بترك هذه المعجزة الكبرى بين أيديهم محفوظة بمعنى الكلمة أي لم يطرأ عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تغييرا ولا تحريفا ولا حذفا ولا زيادة، إلا أن هذه المعجزة الكبرى عندها خصوصيات لم يفهمها جميع المسلمين، وهذه الخصوصية لا أقول تقرأ من بين سطورها كما هو التعبير الحديث ولكن أقول أنها تقرأ من ألفاظها الفصيحة والواضحة والمحكمة والمفصلة آياتها من لدن حكيم خبير.
وأول هذه الخصوصية التي تفهم من هذه المعجزة الكبرى هي أن المولى عز وجل عندما أراد خلق آدم عليه السلام وأهبطه إلى الأرض ومعه عدوه اللدود المعروف، وبث من آدم على الأرض رجالا كثيرا و نساء كان في علمه أيضا أن 99% من هذه البشرية خلقها لتكون هي بعث النار أي هم أهل النار الخالدين فيها أبدا، أما البقية الأخرى فقد اصطفاها الله لنفسه وجعلها هي بعث الجنة أي أهل الجنة الخالدين فيها أبدا، قال الله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )، ولكن هذه الإرادة الأزلية لم تجبر هذه لبشرية على سلوك إحدى هذين الطريقين المؤديتين إلى هذا المصير المحتوم.
بل إن المولى عز وجل أرسل رسله الأمناء إلى هذه البشرية كلها بكتبه تحمل النور والهدى والآيات البـينات، ليكون هؤلاء الرسل بهذه الكتب وتلك الآيات مبشرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجة بعد الرسل الحاملين لتلك الآيات البـينات.
ولوضوح هذه الآيات البينات ودلالتها وتصريف المولى عز وجل لتلك الآيات وتبيـينه فيها لهذين الطريقين ومصير السالكين لأي واحدة منهما ـ فقد أمر الله أمْر غضب وتبكيت لعدو هذه البشرية الهابط معها من السماء إلى الأرض أن يعمل ما في وسعه لإغواء وصد كل من استمع إليه استماع قبول وإيجاب بعد أن بلغ رسله ما أنزل إليهم من تلك الآيات لهذه البشرية مبشرة لها ومحذرة من الاستماع أو إتباع ذلك العدو الملعون من عند ربه والملائكة والناس أجمعين. فقد قال المولى عز وجل لهذا العدو (أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم).
فهذه الصورة الهجومية المتحركة هي أعلى قمة يعرفها العرب آنذاك عند نزول هذه المعجزة للاستيلاء على المهاجم ولا سيما إذا كان أعزل لا سلاح له.
فلو كان القرآن ينزل الآن لأمر هذا الشيطان الرجيم أن يجلب على البشرية بعد استماعها إلى هذه المعجزة وتفصيل آياتها البينات في كل مجال ـ اجتماعيا ـ وثقافيا ـ وسياسيا أو بعبارة أخرى بما هو في صالح البشرية كلها دنيا وأخرى ـ بأن يجلب عليها بنفاثاته وقنابله النووية ـ وذلك لوضوح هذه الآيات وإحكامها وتفصيلها ممن يعلم السر وأخفي.
فلم يبق لأي إنسان يعقل أو يسمع أي عذر يتقدم به فيما بعد، بعد أن يسقط في يد العدو ويأسره عنده. والمولى عز وجل عندما أمر هذا العدو بالهجوم على الإنسانية إذا استطاع أن ينال منها بعد استيعابها لهذه المعجزة الكبرى لم يتركه أعزل من السلاح، فقد تجسد أمره هذا وهو الجلب بالخيل والرجل على البشرية ويشاركها في أموالها وأولادها ـ بأن أعطاه المقدرة على التشكل بأي نوع يختاره من البشرية والحيوانات، كما أعطاه المقدرة على الولوج إلى داخل ابن آدم حتى يضع خرطومه على قلبه جنبا إلى جنب مع الملك الذي يأمر الإنسان بالخير، وذلك ليقدم وحيه مباشرة للإنسان ليصده عن الصراط المستقيم ـ تارة بالإيحاء بعبادة إله لا يضر ولا ينفع بل قد يكون هذا الإله من جماد لا يسمع ولا يبصر، وقد يكون من جنس البشرية وهو أمام بصرها لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل قد يكون يسأل خالقه ليكشف الضر عنه، والبشرية تسأله هو كشف الضر عنها، يقول تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه).
وتارة تكون بتتبع آثار الآباء أو التقاليد الممزوجة بتدين غير منطلق من الكتاب والسنة إلى آخر ما نقرأه في هذا القرآن من استيلاء هذا العدو على ضحاياه من البشرية بعد سماعهم واستيعابهم لما جاء في هذه المعجزة الكبرى من التحذير والإنذار من هذا العدو الغرور ومع ذلك هم (يحسبون أنهم مهتدون).
هذه الصورة العامة التي قرأناها وفهمناها من هذه المعجزة الكبرى المحفوظة عندنا لنقوم بعد أن بلغها الرسل لأممهم وبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا ـ لنقوم نحن بعده بتبليغها إلى عالم البشرية فوق الأرض كلها، علينا إذن أن نحسن القيام بهذه المهمة وذلك بإسماعها للعالم في أحسن شكل يتم به التبليغ. فالله تبارك وتعالى يقول على لسان نبيه: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) كما يقول أيضا: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا). فكينونة الإنذار للعالم هنا تجمع بين الرسول المنذر للعالم والقرآن المنذر به إلى آخر الدنيا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليه والإنذار حفظه الله إلى آخر أمته بهذا القرآن لتبلغه وتنذر به فيما بعد فالقرآن حتى الآن للعالمين نذير.
ومن هنا نصل إلى ما نريده من الإشادة بهذه الإذاعة القرآنية الجليلة في بلادنا، ونثمن هذه المساهمة في إسماع هذا القرآن لهذه البشرية بأي مساهمة وفي أي ساعة لنقول أنه ساهم في التبليغ عن الله، وكان نائبا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الإنذار و التبليغ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"، فإحداث هذه الإذاعة القرآنية لا شك أنه توفيق من الله، وأرجو منه أن يكون مغفرة ورحمة لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إحداثها.
ولكن أقول هنا أن الإسلام عنده أوامر ونواهي متكاملة لا تقبل النيابة ولا يغني منها شيء عن شيء، وملخصها أنها تشمل عقيدة صحيحة خالية من الشرك الأكبر والأصغر، ومن تقليد الآباء والعادات في الدين، بل تكون ـ طبقا لما جاء في هذا القرآن وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ـ فكر ا بفكر وحرفا بحرف لما بينته هذه المعجزة الكبرى المتلوة على أسماعنا ليلا ونهارا، وعمل جوارح طبقا لما جاء في هذا القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من امتثال أوامره واجتناب نواهيه حتى يأتي المرء يوم القيامة إلى ربه بقلب سليم يشبه قلب إبراهيم عليه السلام، وبعد ذلك تأتي نتيجة قوله تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا).
وهذا التذيـيل الأخير للإشادة بفتح هذه الإذاعة سببه رؤيتنا للمقتدرين على فعل الأعمال الخيرية مقتصرين على فعلها دون مراعاة فعل الأوامر وترك النواهي كما أمرهم الله بها إسلاميا. فمثلا من اقتدر على فتح مؤسسة خيرية ولم يقم بجانبها بفعل الأوامر وترك النواهي كما هي فإن عليه أن يفهم أن أوامر الله ونواهيه شخصية لا نيابة فيها.
أما الملاحظة التي وعدت بإبدائها إزاء تسيير هذه الإذاعة تجويدا وتحبيرا، فأقول لأولئك المسيرين: إن المعجزة القرآنية ليست سلعة محلية يقتصر فيها على أداء القراء المحليين.
فالله تبارك وتعالى يقول: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)، والقرآن عنده خصوصيات إن لم توجد فيه فالعلة من القارئ وليست من ألفاظ القرآن ولا إعجازه ولا من عدم وضوح كلماته. فالقرآن من ميزته أنه: آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وهو كذلك عند تلاوته (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكــر الله). وهو أيضا إذا تليت آياته على المؤمنين (زادتهم إيمانا) وبعض المستمعين إليـه (يخرون إلى الأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا).
وكل هذه الخصوصيات يبينها ويجسدها حسن الصوت بالقرآن أنغاما وايقاعا وترديدا، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبحث عن من يسمعه القرآن بهذا النوع من الصوت الحسن؛ فقد طلب من أبي بن كعب أن يسمعه بعضا من الآيات فقال أبي: كيف أقرؤه عليك وعليك أُنزل؟ قال: أريد أن أسمعه من غيري. أي أسمع نغماته و مويسقاه، وعندما أسمعه تلك النغمات تأثر من قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا بكل أمة بشهيد) الآية، أي دخل صوت معني الآية في قلبه حتى بكى صلى الله عليه وسلم.
وأيضا فالرسول صلى الله عليه وسلم أورد أحاديث كلها تحث على تحسين الصوت بالقرآن كما جاء في الحديث "ما أذن الله لنبي حسن الصوت مثل ما أذن لنبي أن يتغني بالقرآن" وقوله صلى الله عليه وسلم "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". والرسول صلى الله عليه وسلم عندما سمع رجلا يقرأ القرآن وقف يستمع لصوته القرآني وعندما أخبره باستماعه إليه قال: لو كنت أعلم باستماعك لي لحبرته لك تحبيرا.
هذه النتيجة المفهومة من خصوصية القرآن وهذه الأحاديث لم تنتبه إليها إدارة إذاعة القرآن حيث اقتصرت في إذاعتها على القراء الموريتانيين وطريقتهم في التجويد.
ومن المعلوم أن القرآن هو رسالة عالمية وكل من قام بها عليه أن يستوعب هذه العالمية ويعمل بمقتضاها علما بأن الأثير أصبح آلة مشتركة تحمل الصوت إلى كل أصقاع العالم ويسمعه جميع المسلمين. فالقرآن وإسماعه للغير للبشارة والإنذار ليست سلعة محلية تحتاج أشرطتها إلى إدارة جمارك توصي بعدم اجتماعها مع أي أشرطة أخرى ولو كانت أحسن أداء وأوضح استقبالا وأشد تأثيرا.
فنحن نعرف أن الطريقة الموريتانية في الأداء والتجويد هي طريقة بدائية تشبه إلى حد بعيد أزياءنا التقليدية التي لا تستعمل إلا محليا، فهي غير موضوعة أصلا للتأثر والتأثير بل للحفظ فقط. والعجب كل العجب كما قيل لنا أن إدارة إذاعة القرآن لم تستقبل أي قارئ موريتاني مهما كان حسن صوته وأدائه إذا كان صوته وأداؤه اكتسبه من تقليد القراء الأجانب أصحاب الأداء الجيد المحكم المتأثر والمؤثر بل الكامل من كل الجوانب.
وبناءا على أن موضوع الإذاعة هو القرآن والهدف هو إبلاغه والتأثر والتأثير فإني اقترح على الإدارة فتح باب هذا الهدف على مصراعيه، وأن تخلي بين أشرطة القراء المسلمين سواء كانوا محليين أو أجانب وبين الأثير ليستمع إليها المسلم في موريتانيا وغيرها حتى يؤدي تجويد القرآن وتلحينه وتحبيره في قلب المسلم أيا كان ما كان يؤديه للمسلم في تاريخ الإسلام .
الملاحظة الثانية: هي أن بعضا من قراء الإذاعة يتجاوزون في أدائهم الأداء المحدد أصلا في روايات القراء. فهناك قراء يزعمون أنهم يتبعون أداء ورش في القراءة ويقومون بإمدادات تتجاوز بكثير ما اصطلح عليه في الأداء ولا سيما عند السامع. فالمد الإشباعي سواء كان منفصلا أو متصلا يمدونه إلى آخر نفس القارئ بحيث يكون عند السامع أشبه بالصياح.
ومن المعلوم أن تقدير المد بالحركات هو محض اجتهاد مع أن هذه الحركات الستة في الإشباع وأربعة في المتوسط واثنتان في الطبيعي لا يتحكم جميع القراء في عدم مجاوزتها، بل المتفق عليه هو أن المد ذوق طبيعي، واللغة العربية التي نزل بها القرآن لغة بليغة فصيحة، فيجب أن تكون قراءتها كذلك، والذوق الطبيعي عند استماع القراءة هو أقرب شيء للأداء الجيد. وعندكم ثلاثة أو أربعة من بعض قرائكم لا أريد التصريح بأسمائهم ولكن المستمع إلى أشرطتهم سيميزهم بطول أمدادهم التي يتجاوزون فيها الذوق الطبيعي مع أن نغمات بعضهم قد تكون مقبولة بل لا بأس بها من قراءة الموريتانيين إلا أن الأمداد فيها تجرح قلب المستمع إليها.
وأكبر استغرابنا هو عندما نستمع إلى بعض أساتذة التجويد يعيد بعض المصححين لقراءتهم من مد أتى فيه بما يكفي في الأداء فيعيده إلى الإفراط في المد وكأنه جاء بخطإ فادح في تجويده ولو رد عليه المصحح بفتح الحاء بالمثل لكان أصوب.
وبناء على هذه الملاحظة فإني أرى أن على الجميع أن يترك قراءة ورش نهائيا وتكون قراءة قالون الذي لا يمد إلا المد المتصل هي الموحدة لقراءة الجميع مع أنها أقرب في التفسير لنطقها بالكلمات كما هي من غير كثرة النقل ـ مع إعجابي وتقديري لقراءة ورش ولكن هو نفسه غير موجود حتى نـنـقل عنه شفهيا ونسمع منه كيف يأتي بالأمداد.
وآخر الملاحظات هو أن الإدارة حصرت القراءة في قراءة نافع مع أن بعض الموريتانيين أصبحوا يقرؤون بقراءة حفص وأكثر المصاحف التي كانت موجودة في كل بيت تقريبا هي المصاحف بقراءة حفص، وأكثر المجودين في العالم الإسلامي المنتشرة أشرطتهم عندنا يقرؤون بقراءة حفص، والقرآن كما أسلفت معجزة عالمية ومرسلة للعالم كله فلا ينبغي لشعب ولا لدولة اقتصارها على مبلغ علمها هي من قراءة أحد القراء السبعة من العالم الإسلامي.
وأخيرا فإني أثـني خيرا على القائمين عليها لعلمي بحسن نيتهم وأتمني لهم كل التوفيق.
وقبل إيراد تلك الملاحظات أود أن أسبقها بمقدمة تتعلق بموضوع هذه الإذاعة والإشادة بإنشائها. فبما أننا ولله الحمد نحن الموريتانيين مسلمين كلنا، ونظرا إلى أن المنتسبين إلى الإسلام تفضل الله عليهم بترك هذه المعجزة الكبرى بين أيديهم محفوظة بمعنى الكلمة أي لم يطرأ عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تغييرا ولا تحريفا ولا حذفا ولا زيادة، إلا أن هذه المعجزة الكبرى عندها خصوصيات لم يفهمها جميع المسلمين، وهذه الخصوصية لا أقول تقرأ من بين سطورها كما هو التعبير الحديث ولكن أقول أنها تقرأ من ألفاظها الفصيحة والواضحة والمحكمة والمفصلة آياتها من لدن حكيم خبير.
وأول هذه الخصوصية التي تفهم من هذه المعجزة الكبرى هي أن المولى عز وجل عندما أراد خلق آدم عليه السلام وأهبطه إلى الأرض ومعه عدوه اللدود المعروف، وبث من آدم على الأرض رجالا كثيرا و نساء كان في علمه أيضا أن 99% من هذه البشرية خلقها لتكون هي بعث النار أي هم أهل النار الخالدين فيها أبدا، أما البقية الأخرى فقد اصطفاها الله لنفسه وجعلها هي بعث الجنة أي أهل الجنة الخالدين فيها أبدا، قال الله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )، ولكن هذه الإرادة الأزلية لم تجبر هذه لبشرية على سلوك إحدى هذين الطريقين المؤديتين إلى هذا المصير المحتوم.
بل إن المولى عز وجل أرسل رسله الأمناء إلى هذه البشرية كلها بكتبه تحمل النور والهدى والآيات البـينات، ليكون هؤلاء الرسل بهذه الكتب وتلك الآيات مبشرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجة بعد الرسل الحاملين لتلك الآيات البـينات.
ولوضوح هذه الآيات البينات ودلالتها وتصريف المولى عز وجل لتلك الآيات وتبيـينه فيها لهذين الطريقين ومصير السالكين لأي واحدة منهما ـ فقد أمر الله أمْر غضب وتبكيت لعدو هذه البشرية الهابط معها من السماء إلى الأرض أن يعمل ما في وسعه لإغواء وصد كل من استمع إليه استماع قبول وإيجاب بعد أن بلغ رسله ما أنزل إليهم من تلك الآيات لهذه البشرية مبشرة لها ومحذرة من الاستماع أو إتباع ذلك العدو الملعون من عند ربه والملائكة والناس أجمعين. فقد قال المولى عز وجل لهذا العدو (أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم).
فهذه الصورة الهجومية المتحركة هي أعلى قمة يعرفها العرب آنذاك عند نزول هذه المعجزة للاستيلاء على المهاجم ولا سيما إذا كان أعزل لا سلاح له.
فلو كان القرآن ينزل الآن لأمر هذا الشيطان الرجيم أن يجلب على البشرية بعد استماعها إلى هذه المعجزة وتفصيل آياتها البينات في كل مجال ـ اجتماعيا ـ وثقافيا ـ وسياسيا أو بعبارة أخرى بما هو في صالح البشرية كلها دنيا وأخرى ـ بأن يجلب عليها بنفاثاته وقنابله النووية ـ وذلك لوضوح هذه الآيات وإحكامها وتفصيلها ممن يعلم السر وأخفي.
فلم يبق لأي إنسان يعقل أو يسمع أي عذر يتقدم به فيما بعد، بعد أن يسقط في يد العدو ويأسره عنده. والمولى عز وجل عندما أمر هذا العدو بالهجوم على الإنسانية إذا استطاع أن ينال منها بعد استيعابها لهذه المعجزة الكبرى لم يتركه أعزل من السلاح، فقد تجسد أمره هذا وهو الجلب بالخيل والرجل على البشرية ويشاركها في أموالها وأولادها ـ بأن أعطاه المقدرة على التشكل بأي نوع يختاره من البشرية والحيوانات، كما أعطاه المقدرة على الولوج إلى داخل ابن آدم حتى يضع خرطومه على قلبه جنبا إلى جنب مع الملك الذي يأمر الإنسان بالخير، وذلك ليقدم وحيه مباشرة للإنسان ليصده عن الصراط المستقيم ـ تارة بالإيحاء بعبادة إله لا يضر ولا ينفع بل قد يكون هذا الإله من جماد لا يسمع ولا يبصر، وقد يكون من جنس البشرية وهو أمام بصرها لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل قد يكون يسأل خالقه ليكشف الضر عنه، والبشرية تسأله هو كشف الضر عنها، يقول تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه).
وتارة تكون بتتبع آثار الآباء أو التقاليد الممزوجة بتدين غير منطلق من الكتاب والسنة إلى آخر ما نقرأه في هذا القرآن من استيلاء هذا العدو على ضحاياه من البشرية بعد سماعهم واستيعابهم لما جاء في هذه المعجزة الكبرى من التحذير والإنذار من هذا العدو الغرور ومع ذلك هم (يحسبون أنهم مهتدون).
هذه الصورة العامة التي قرأناها وفهمناها من هذه المعجزة الكبرى المحفوظة عندنا لنقوم بعد أن بلغها الرسل لأممهم وبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا ـ لنقوم نحن بعده بتبليغها إلى عالم البشرية فوق الأرض كلها، علينا إذن أن نحسن القيام بهذه المهمة وذلك بإسماعها للعالم في أحسن شكل يتم به التبليغ. فالله تبارك وتعالى يقول على لسان نبيه: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) كما يقول أيضا: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا). فكينونة الإنذار للعالم هنا تجمع بين الرسول المنذر للعالم والقرآن المنذر به إلى آخر الدنيا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليه والإنذار حفظه الله إلى آخر أمته بهذا القرآن لتبلغه وتنذر به فيما بعد فالقرآن حتى الآن للعالمين نذير.
ومن هنا نصل إلى ما نريده من الإشادة بهذه الإذاعة القرآنية الجليلة في بلادنا، ونثمن هذه المساهمة في إسماع هذا القرآن لهذه البشرية بأي مساهمة وفي أي ساعة لنقول أنه ساهم في التبليغ عن الله، وكان نائبا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الإنذار و التبليغ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"، فإحداث هذه الإذاعة القرآنية لا شك أنه توفيق من الله، وأرجو منه أن يكون مغفرة ورحمة لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إحداثها.
ولكن أقول هنا أن الإسلام عنده أوامر ونواهي متكاملة لا تقبل النيابة ولا يغني منها شيء عن شيء، وملخصها أنها تشمل عقيدة صحيحة خالية من الشرك الأكبر والأصغر، ومن تقليد الآباء والعادات في الدين، بل تكون ـ طبقا لما جاء في هذا القرآن وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ـ فكر ا بفكر وحرفا بحرف لما بينته هذه المعجزة الكبرى المتلوة على أسماعنا ليلا ونهارا، وعمل جوارح طبقا لما جاء في هذا القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم من امتثال أوامره واجتناب نواهيه حتى يأتي المرء يوم القيامة إلى ربه بقلب سليم يشبه قلب إبراهيم عليه السلام، وبعد ذلك تأتي نتيجة قوله تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا).
وهذا التذيـيل الأخير للإشادة بفتح هذه الإذاعة سببه رؤيتنا للمقتدرين على فعل الأعمال الخيرية مقتصرين على فعلها دون مراعاة فعل الأوامر وترك النواهي كما أمرهم الله بها إسلاميا. فمثلا من اقتدر على فتح مؤسسة خيرية ولم يقم بجانبها بفعل الأوامر وترك النواهي كما هي فإن عليه أن يفهم أن أوامر الله ونواهيه شخصية لا نيابة فيها.
أما الملاحظة التي وعدت بإبدائها إزاء تسيير هذه الإذاعة تجويدا وتحبيرا، فأقول لأولئك المسيرين: إن المعجزة القرآنية ليست سلعة محلية يقتصر فيها على أداء القراء المحليين.
فالله تبارك وتعالى يقول: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)، والقرآن عنده خصوصيات إن لم توجد فيه فالعلة من القارئ وليست من ألفاظ القرآن ولا إعجازه ولا من عدم وضوح كلماته. فالقرآن من ميزته أنه: آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وهو كذلك عند تلاوته (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكــر الله). وهو أيضا إذا تليت آياته على المؤمنين (زادتهم إيمانا) وبعض المستمعين إليـه (يخرون إلى الأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا).
وكل هذه الخصوصيات يبينها ويجسدها حسن الصوت بالقرآن أنغاما وايقاعا وترديدا، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبحث عن من يسمعه القرآن بهذا النوع من الصوت الحسن؛ فقد طلب من أبي بن كعب أن يسمعه بعضا من الآيات فقال أبي: كيف أقرؤه عليك وعليك أُنزل؟ قال: أريد أن أسمعه من غيري. أي أسمع نغماته و مويسقاه، وعندما أسمعه تلك النغمات تأثر من قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا بكل أمة بشهيد) الآية، أي دخل صوت معني الآية في قلبه حتى بكى صلى الله عليه وسلم.
وأيضا فالرسول صلى الله عليه وسلم أورد أحاديث كلها تحث على تحسين الصوت بالقرآن كما جاء في الحديث "ما أذن الله لنبي حسن الصوت مثل ما أذن لنبي أن يتغني بالقرآن" وقوله صلى الله عليه وسلم "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". والرسول صلى الله عليه وسلم عندما سمع رجلا يقرأ القرآن وقف يستمع لصوته القرآني وعندما أخبره باستماعه إليه قال: لو كنت أعلم باستماعك لي لحبرته لك تحبيرا.
هذه النتيجة المفهومة من خصوصية القرآن وهذه الأحاديث لم تنتبه إليها إدارة إذاعة القرآن حيث اقتصرت في إذاعتها على القراء الموريتانيين وطريقتهم في التجويد.
ومن المعلوم أن القرآن هو رسالة عالمية وكل من قام بها عليه أن يستوعب هذه العالمية ويعمل بمقتضاها علما بأن الأثير أصبح آلة مشتركة تحمل الصوت إلى كل أصقاع العالم ويسمعه جميع المسلمين. فالقرآن وإسماعه للغير للبشارة والإنذار ليست سلعة محلية تحتاج أشرطتها إلى إدارة جمارك توصي بعدم اجتماعها مع أي أشرطة أخرى ولو كانت أحسن أداء وأوضح استقبالا وأشد تأثيرا.
فنحن نعرف أن الطريقة الموريتانية في الأداء والتجويد هي طريقة بدائية تشبه إلى حد بعيد أزياءنا التقليدية التي لا تستعمل إلا محليا، فهي غير موضوعة أصلا للتأثر والتأثير بل للحفظ فقط. والعجب كل العجب كما قيل لنا أن إدارة إذاعة القرآن لم تستقبل أي قارئ موريتاني مهما كان حسن صوته وأدائه إذا كان صوته وأداؤه اكتسبه من تقليد القراء الأجانب أصحاب الأداء الجيد المحكم المتأثر والمؤثر بل الكامل من كل الجوانب.
وبناءا على أن موضوع الإذاعة هو القرآن والهدف هو إبلاغه والتأثر والتأثير فإني اقترح على الإدارة فتح باب هذا الهدف على مصراعيه، وأن تخلي بين أشرطة القراء المسلمين سواء كانوا محليين أو أجانب وبين الأثير ليستمع إليها المسلم في موريتانيا وغيرها حتى يؤدي تجويد القرآن وتلحينه وتحبيره في قلب المسلم أيا كان ما كان يؤديه للمسلم في تاريخ الإسلام .
الملاحظة الثانية: هي أن بعضا من قراء الإذاعة يتجاوزون في أدائهم الأداء المحدد أصلا في روايات القراء. فهناك قراء يزعمون أنهم يتبعون أداء ورش في القراءة ويقومون بإمدادات تتجاوز بكثير ما اصطلح عليه في الأداء ولا سيما عند السامع. فالمد الإشباعي سواء كان منفصلا أو متصلا يمدونه إلى آخر نفس القارئ بحيث يكون عند السامع أشبه بالصياح.
ومن المعلوم أن تقدير المد بالحركات هو محض اجتهاد مع أن هذه الحركات الستة في الإشباع وأربعة في المتوسط واثنتان في الطبيعي لا يتحكم جميع القراء في عدم مجاوزتها، بل المتفق عليه هو أن المد ذوق طبيعي، واللغة العربية التي نزل بها القرآن لغة بليغة فصيحة، فيجب أن تكون قراءتها كذلك، والذوق الطبيعي عند استماع القراءة هو أقرب شيء للأداء الجيد. وعندكم ثلاثة أو أربعة من بعض قرائكم لا أريد التصريح بأسمائهم ولكن المستمع إلى أشرطتهم سيميزهم بطول أمدادهم التي يتجاوزون فيها الذوق الطبيعي مع أن نغمات بعضهم قد تكون مقبولة بل لا بأس بها من قراءة الموريتانيين إلا أن الأمداد فيها تجرح قلب المستمع إليها.
وأكبر استغرابنا هو عندما نستمع إلى بعض أساتذة التجويد يعيد بعض المصححين لقراءتهم من مد أتى فيه بما يكفي في الأداء فيعيده إلى الإفراط في المد وكأنه جاء بخطإ فادح في تجويده ولو رد عليه المصحح بفتح الحاء بالمثل لكان أصوب.
وبناء على هذه الملاحظة فإني أرى أن على الجميع أن يترك قراءة ورش نهائيا وتكون قراءة قالون الذي لا يمد إلا المد المتصل هي الموحدة لقراءة الجميع مع أنها أقرب في التفسير لنطقها بالكلمات كما هي من غير كثرة النقل ـ مع إعجابي وتقديري لقراءة ورش ولكن هو نفسه غير موجود حتى نـنـقل عنه شفهيا ونسمع منه كيف يأتي بالأمداد.
وآخر الملاحظات هو أن الإدارة حصرت القراءة في قراءة نافع مع أن بعض الموريتانيين أصبحوا يقرؤون بقراءة حفص وأكثر المصاحف التي كانت موجودة في كل بيت تقريبا هي المصاحف بقراءة حفص، وأكثر المجودين في العالم الإسلامي المنتشرة أشرطتهم عندنا يقرؤون بقراءة حفص، والقرآن كما أسلفت معجزة عالمية ومرسلة للعالم كله فلا ينبغي لشعب ولا لدولة اقتصارها على مبلغ علمها هي من قراءة أحد القراء السبعة من العالم الإسلامي.
وأخيرا فإني أثـني خيرا على القائمين عليها لعلمي بحسن نيتهم وأتمني لهم كل التوفيق.







