تاريخ الإضافة : 06.02.2011 18:37

المواجهة مع القاعدة في موريتانيا

سؤال من أفغانستان......
محمد ولد حمدو
صحافي موريتاني مقيم بطهران


صبيحة ذلك اليوم البارد، كنت أتهيأ للذهاب الى العمل، مع ساعات الفجر، وبينما أنا أغالب النعاس، إذا بخبر عاجل باللون الأحمر القاني ببنط عريض، يظهر على شاشة التلفزيون، ويكاد يحجب " العواجل" التي كانت تتالى عن انتفاضة مصر الكنانة.....
" سماع دوي انفجار قوي بالعاصمة الموريتاينة نواكشوط "
هرعت لإستبيان الكلمات، لأتأكد من الخبر أكثر، قبل أن تعاجلني التفاصيل تترى، مؤكدة مرة أخرى، أن عمليات تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي، باتت يوما بعد يوم تطرق أبوابنا، وتكاد هذه المرة، كما أعلن لاحقا، أن تصل إلى التخطيط لعمليات مركزة وغير مسبوقة في البلاد.

بدات أستعيد المحطات البارزة في مسلسل المواجهة، بين جيشنا والتنظيم .... لمغيطي ... تورين، الغلاوية ، صانتر امتير، ....
ولسبب ما وجدتني أعود بالذاكرة الى حديث عابر، جمعني بشاب أفغاني على متن طائرة، قبل نحو شهر بين طهران ودمشق.
صعدت الطائرة عائدا من سوريا إلى إيران، تقدمت نحو مقعدي، فوجدته يتوسط إثنين، أحدهما سأعرف لاحقا أن من يحتله، رجل أعمال فلبيني، ويبدو أنه انتهى من صفقات مربحة، ويحضر لأخرى، وبالتالي فلاوقت يضيعه في الأحاديث، التي تستهوي أمثالي، من أبناء الشعوب المعتادة على الكلام، أكثر من المعاملات اللاهثة، ولذلك فمالبث أن استغرق في النوم، بمجرد أن اكتملت عملية الإقلاع.

أما المقعد الذي عن يميني، فكان فيه واحد من أبناء البلدان المشابهة لنا، أفغاني، اسمه جواد، دون العشرين من العمر،يلبس بدلة للمرة الأولى على مايبدو، لذلك يحرص بعد كل كلمتين على النظر إليها، ونفض أي وسخ قد يكون علق بها، نظراته أكبر منه.

ودون ترتيب مسبق، وجدتني أغوص معه في حديث طال وامتد، حتى نزلنا في مطار الإمام الخميني بطهران، بعد ذلك بنحو ثلاث ساعات.

كان التواصل بيننا خلال تلك الساعات، نموذجا يمكن أن "يحتذى" في مجال التعاون الثنائي بين سكان الجنوب، فقد "خلطنا" ما لدينا من رصيد لغوي، أتيت أنا برصيدي المتواضع من الفارسية، وجاء هو برصيد ليس أفضل من ذلك من العربية، تعلمه في سوريا التي تستضيفه منذ نحو سنة، بعد لجوئه اليها هربا من حرب، تديرها قوى كبرى على أرض بلاده، من أجل تحقيق الاستقرار في هذا البلد، كما تقول هذه القوى.

وتكفلت لغة الإشارة والتلويح بالأيدي في الهواء بالبقية.

قال محدثي إنه خرج ذات يوم مشهود، بعد ليلة ليلاء، لم يتوقف فيها أزيز الطائرات، فوق رؤوس سكان قريته الفقيرة، في ضواحي قندهار ...

خرج بعد أن كان الوحيد الناجي من أفراد أسرته الموجودين في القرية، فقد قضى والده وأمه وأغلب إخوته جراء غارة، كتلك التي نسمع عنها يوميا، وهي تضيف في كل مرة رقما جديدا، إلى قائمة قتلى الحرب.
نحن نفعل ذلك بحياد بارد وعدم إهتمام، أما أفراد أسرته فقد أصبحوا مجرد أرقام في تلك القائمة التي تتناقلها وسائل الإعلام دون اكتراث..... مجرد أرقام لا تبث أن تتجاوزها السلسلة!!
أنهى الشاب مع سكان قريته، دفن ما تبقى من أشلاء أهله، وانضم بجدارة إلى قائمة طويلة لا تفتأ تزداد تضم الأيتام والأرامل والمشردين، جراء طاحونة الحرب المستعرة.
من حسن حظ صاحبي أن أخاه الأكبر، وهو في الرابعة والعشرين من العمر، كان سبقه الى المهجر، فسلك الطريق نحوه، وهناك في سوريا، عمل معه في المحل التجاري الضغير، الذي يملكه قرب أحد المزارات الدينية في دمشق.

بدأ يتدبر أمره، جمع بعض المال نسبيا، بعد أن أجبرته الظروف على أن يكبر قبل سنه، وهاهو عائد الآن إلى بلدته، سالكا الطريق البرية عبر إيران الى أفغانستان، التي خرج منها لايلوي على شيئ، يعود بحسب ماقال لي للزيارة فقط، وسيعود إلى سوريا، لأن البلد في الظروف الحالية، لايأمن أي كان على نفسه فيه.والسببب - والكلام له - هو أن الحرب ما لم تنته، لا يمكن أن يعيد سكان القرى حياتهم الطبيعية.

بدأت أستفزه عن قصد حتى أفهم ما خلف ملامحه البريئة، فقلت له أنتم في أفغانستان، تهددون السلام العالمي، لأنكم تشجعون القاعدة وطالبان، على التمدد والنمو، وضرب كل أنحاء العالم.

ولا تسألوني كيف أوصلت له فكرة من هذا القبيل، فقد استجمعت كل مخزوني التربوي حتى يفهم ماأريد، وأعتقد أنه فهم، وبذل بدوره جهدا خارقا لإفهامي وجهة نظره.
فقد قال لي: الموجودون عندنا أوربيون وأمريكيون ( يقصد قوات حلف شمال الأطلسي) وهؤلاء ليسوا قريبن منا جغرافيا، حتى يتضرروا من وجود من قلت إنهم يقيمون عندنا.

فحاولت أن أعرف ما خلف تلك الإجابة، التي بدت لي أنضج وأعمق من سنه، فاستزدته من الشرح، فأطرق يستجمع مكنوناته اللغوية، ومسح عينيه بيديه، واشعت منهما مسحة حزن، ثم قال لي::

قبل أن يموت أبي، سألته مرة عن سبب مجيئ كل هؤلاء الخارجيين ( الأجانب بالفارسية ) إلى أرضنا ولماذا لايتركونا نعيش بسلام؟!

قال لي بمرارة: عندما تكبر ستعرف!

فجأة في ذلك الصباح البارد، طار سؤال ذلك الأفغاني الذي لم يسمع من قبل باسم بلدي، إلى رأسي، وألح علي، فقلت: لوكنت في سنه لأسألت من هو أكبر مني من أتانا، بهذا التهديد الذي لايفتأ يتصاعد؟

لماذا لايتركونا نعيش بسلام؟
بالله عليكم لماذا أتوا إلينا؟
ومن أتى بهم؟
medhamdou@yahoo.fr

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026