تاريخ الإضافة : 03.02.2011 12:09

إرادة الشعوب

د / محمد الأمين ولد أحمد عبد الله

مرت علي الشعوب العربية منذ نيلها لاستقلال , عقود من القهر والظلم والإذلال , فقدت معها الأمل و النهوض والانتصار علي الاستعمار ؟ استعمار من؟ أبناء جلدتها من أذناب الاستعمار , الذين شبوا وترعرعوا في أحضان الاستعمار , وعاشوا علي فتات ثقافته الاستبدادية البغيضة , ظنا منه ومنهم , أن سياسة فرق تسد وجوع تتحكم , ستظل ناجعة في السيطرة علي أبناء , دون فكاك من إسارها الدكتاتور العسكري المتمسح بمكياج الديمقراطية المزيفة التي تختفي تحت لافتاتها النجوم والنياشين وتظهر تحت مسمي الحاكم العسكري ـ مثلا ـ إذ انطلقت شرارة التغيير أو الانفجار الجماهير الغاضب والمزلزل في كل تجلياته .

وهو انفجار يطرح الكثير من التساؤلات والاستفهامات حول واقع الأنظمة البوليسية والأحزاب السياسية التي تتسما بسم المعارضة بمختلف ألوانها ديمقراطية أوردكالية أو المتذبذب بين هذه وتلك .

فنتساءل أحيانا كيف تلاشت جبروت الدولة البوليسية في تونس ؟ وقد كانت نموذجا ليس في العالم العربي فقط بل تبا بها الأوربيون ونوهوا بسياساتها التنموية من خلال التطبيق سياسة العصي الغليظ منذ 50 سنة حيث لا فرق عندي بين بورقيبة وزين العابدين , وكل منهما مثل حقبة استعمارية بغيضة ديست فيها كرامة الإنسان , بشكل تجاوز كل التصورات , و رغم ذلك لن يستطع قتل إرادة الحياة التغيير في نفوس أبناء الأمة مؤكدين بذلك تحقق رؤية الشابي في مستقبل أمته وهو مارددوه علي السينتهم وصدحت به حناجرهم وأكدته أفعالهم حلال أربعة أسابيع من التضحيات الباسلة وكان الشابي بينهم وهم يرددون :

إذا الشعب يوما أرادة الحياة فلابد أن يستجيب القدر
وهي استجابة أحرجت كل النخب السياسية ليست في تونس فحسب بل في كل العالم العربي , إذ تأكد أن كل هذه النخب لن تواكب تطلعات الجماهير وكان من الحري بها أن تستشرف له المستقبل بعد أن تقرأ الواقع قراءة متأنية فاحصة , فتعرف مكمن وتقدم له الدواء الشافي , وليس المهدءات التي لم يعد مفعول علي جسد واقعهم السقيم وزمنهم الرديء مما أعطي رسالة واضحة وصريحة لهذه النخب .
كما للنظام أن يستقيل وتختفي عن الأنظار الم ترحل لأنها مدانة علي الأقل بإدارة الأحداث السياسية بشكل سيء أقل ما يقال عنه أنه أطال فترة بقاء النظام , بامتصاصهم طاقات الجماهير بالخنوق مع أو ضد المصالح الضيفة لهذه النخب أو الأنظمة , حيث يطلق كل منهما وعودا خلبا ويرمي سرابا ليلحقه المواطن , ولا يكاد يكتشف أنه يجري وراء سراب , حتى يبدأ الطرفان في عزف سنفونية الوعود الكاذبة والدعوة إلي التخندق هنا وهناك ويذهب جهود المواطن سدي بفعل كل من النظام والمعارضة والمصالحة الضيقة الأنانية التي لا حدود لها .

وقد فهم هذه الرؤية شباب تونس الذين لم يكونوا ـ علي ما يبدوا ـ علي احتكاك علي مع ما يجري بين النظام والمعارضة بل علي قطيعة حقيقية مع الطرفين بشكل كبيرا جد , مما مكنهم من قراءة الواقع قراءة صحيحة وتصنيف المشهد تصنيفا يسمح لهم بالدخول إليه مدخلا صحيحا الذي يمكنهم من التغير المنشود وهو تغيير لم يكن متعصيا لكن بم تسلك له السبل الكفيلة بحصوله وعذا منطقي جدا فالأنظمة متهالكة القوا تفق علي شفا جرف هار , وأي هزة حقيقية مؤمنة تجعله ينهار بها وهو ما حصل فعلا بتونس , التي كانت لهيبا تحت الرماد وأطلقت شرارته والتهبت بفعل فاعل ليس له عمل فهو معطل منذ أن ولد فتحرك لينته ويحرك ويعمل عملا ما كان له أن يشارك في تفاصيله , لكنه عمل سيجعله حاضرا بغيابه , متحدثا بصمته , ومحركا وهو لا يتحرك فتلك إرادة الله تتحدا طغاة وفراعنة العصر الذين ساموا الناس أبشع أنواع الظلم والقهر, فتقهرهم علي يد أضعف من قهروا وسلبوا , فتتهاوى عروشهم ويسقط جبروتهم بشكل أدرامي هستيري لم يسبق له مثيل في العصر الحديث عند العرب .

لكن هل يستوعب الباقون الدرس أم أن الظلم أعمي بصائرهم واستولي علي عقولهم , ولن يفهم إلا كما فهم زينهم الذي لم يفهم إلا بعد أن وضع أقدامه واهتز علي أدراج الطائرة وتبرأ منه أسياده وأصدقاؤه ومقلدوه ل{إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا....} فهذه صورة دنيوية مصغرة لمشهد أكبر وأعظم يوم القيامة فهلا رعويتهم يا فراعنة العصر , واتعظتم بما جري لسفيركم أم أن طول المكث علي الكراسي , ودعوات الشعوب ستغريكم حتى تفروا مذعورين كالفئران , تاركين كلما نهبتم وسرقتم من مقدرات الشعوب حتى تتحقق فيكم الآية {من تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم...} فها هو ذا قد تحقق في زينكم الذي أصبح عبرة لأول الألباب الذين لا تعرفون إليهم سبيلا .

وهاهو عميدكم في الدكتاتورية والعمالة للغرب يتهاوي ملكه وتتساقط قلاعه نظامه تباعا , بسبب هبت الشعب المصري الأبي الصامد والمناضل , لكن الطغيان والظلم وطول الأمل تعمي بصرهم أما البصيرة فلم تكن له أصلا .

لذلك فقد خرج علي الجمهور شاحب الوجه خائرة القوي يتكلم بصوت ضعيف علي غير عادته حيث كانت العزة بالوهن تملأ وجدانه فيقول ـ طلبت من الحكومة أن تقدمة استقالتها وسأقوم بكل الإصلاحات ...لكن هيهات ثم هيهات هو يعرف ما يريد , ويعرف كيف يصل إلي ما يريد فلا هذه المعارضة المشرعة التي تآمرت معك قصدا أوقباء علي حياتنا ومقدراتنا , بل نحن صوت الشعب , ضمير الأمة جذوتها التي لا تنطفئ فلترحل إلى غير رجعة فلم تعد طلاسمك تسحر عقولنا , ولا تهدئ من غليان نفوسنا وإرادتنا للحياة فسترى منا العجب العجاب ,عجب المعجزات التي لا تقهر كما أكدها شاعر و لم يروه ولم يسمعوا عنه , حين قال في {الجماهير تكمن المعجزات.....} .
كما لم يسمع عنه الطغاة الجبابرة حين قال في عجز البيت {ومن الظلم تولد الحريات }.
ليكون الشعر بذلك نبوءة رؤية ـ استشرافا ـ حكمة ليكن كما يكن فهو كل هذا وغيره , ليتناغم مع مطالب الجماهير دون أن يفتح مقرا رسميا ليعلن معارضته أوموالاته ًٌَُإإ فإذا كانت هذا بعض مآلات الطغيان } تحقق في نموذجين بارزين من فراعنة العصر , الذين جرعوا شعوبهم أمر أنواع الذل والهوان , فإن البقية تجأر وتصيح مذعورة مهزوزة , تمرق المشهد وتفمض أعينها لا تريد أن تراه , فالعدو قد يكوم بالظر أو الاستماع , وهو ماجعل أحدهم يشكو فعل قناة الجزيرة , محملا اياها السبب , وهو في ذلك يقول الرؤية الهيونية , التي تري في الجزيرة الخطر الداهم , والذي ينبغي أن يستأصل , قبل أن ينتشر .

لكن ألا يعلم هذا المغلوب علي أمره أن الشعوب كسرت حاجز الخوف , وأن شرارة بوعزيز لم تكن ذاتية ولا منفردة بل نتيجة طبيعية لما يحدث من المحيط إلي الخليج فالأدوار تتوالي , والمشاهد تتسارع تتسارع , وقلاع الظلم هشت متهاوية وضعيفة , وسيد البيت الأبيض ضعيف , ولا عهد له , فجأروا أو لا تجأروا مالكم من مغيث , حتي ولو نفد وقود الطائرة في أجواء باريس أوسردينيا. فأولئك لا عهد لهم , ولا يحبون الضعفاء وزينكم كان زينهم , فماذا أغنوا عنه بعد أن ضاقت به الأرض وتقطعت به الأسباب .
فالتعلموا ياطغات العالم أن للباطل صولة فيضمحل والتعلمو أن الله يمهل ولا يهمل .
وما جاز علي المثل يجوز علي مماثله .
{وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026