تاريخ الإضافة : 25.01.2011 12:59

ثورة تونس ما ذا بعد لحظة الانتصار؟

د. سيد محمد ولد عبد الله
التاريخ الإنساني يشهد بأن الإنسان يطمح دائما إلى التغيير,التغيير في السلوك وفي وسائل العيش والاتصال كما في القوانين والنظم...إلى أن يصل إلى مرحلة النضج أو الحضارة.

وتتعدد مسالك التغيير وتختلف وسائله,كما تتنوع طرقه , فتارة يكون عن طريق فرد واحد وتارة عن طريق نخبة وتارة أخرى يكون من طرف الشعب, وشاءت سنة التغيير أنه كلما اتسعت دائرته وتعددت وسائله كلما كان أثبت أساس في المجتمع وأعمق تأثيرا في النفوس والأشياء, ويكون أقدر على بلوغ أهدافه المرسومة. وآماله المنشودة من ورائه. والعكس بالعكس.وبقدر اتساع رقعة التغيير وكثرة الداعمين له كلما كان أكثر أمنا وأكثر تحصنا من المخاوف التي تهدد كل تغيير يحصل في أي مجال كان,ذلك أن النفوس ـ إلا النفوس المناضلة ـ تألف ما تعودت عليه وتجد صعوبة في تغيير ما دأبت عليه.

وإذا تأكد لنا بأن لكل تغيير آمال ومخاوف فما هو الموقف المطلوب منا نخبة وعامة في تونس ـ موضع الثورة ـ وفي باقي الوطن العربي الكبير بشعوبه؟ بعد أن تجاوز الجميع لحظة الانتصار وصدمة المفاجأة.

أولا: دور التونسيين لأنهم أهل الأرض وأصحاب الشهامة وندائي لكم أن قفوا ـ بقواكم الوطنية والمناضلة ـ يدا واحدة بكل أطياف لونكم النقابي والسياسي وراء هذا الشعب العظيم حتى يحقق هدف ثورته المجيدة, لا تتركوه يتراجع بسبب ما عانى من فقدان الأمن في الأيام الماضية, فتلك فزاعة المستبدين التي طالما خوفوا بها الشعب كلما تاق إلى التغيير, يمنَون عليه بالأمن والاستقرار , ولسان حالهم أن اختاروا بين الوضع الحالي وبين عدم الأمن والاستقرار, وكأنه لا حل ثالث ورابع..غير هذين المتلازمين أصلا فلا يوجد في الدنيا مكان يفقد فيه الأمن والاستقرار إلا وسبب ذلك استبداد كان هناك.

ونحن حين نقول هذا فإننا نشيد بما قام به الشعب التونسي من مجهود ذاتي للمحافظة على أمنه واستقراره , وهو الدور الذي حسب تقديري جعل أولئك الذين حاولوا زعزعة الأمن يفشلون ويعودون ليقولوا نحن نسعى من أجل تأمين الوطن والمواطن, والسؤال المطروح هو: أين كنتم حين فقد الأمن؟.ونقترح على الشعب التونسي اليقظة حتى تنتهي المرحلة الانتقالية ويسلم زمام الأمر لحكومة تمثله.

ونداء آخر لتلك للنخبة التونسية التي اعتقدت بان التغيير حصل والثورة نجحت , ونحن مازلنا نرى على رأس السلطة في تونس رجال خدموا النظام السابق أكثر من عقد من الزمان , وكأن هذه النخبة لا تعلم أو تجاهلت بأن وسائل الاستبداد وأجهزته ,لا يمكن أن تتحول إلى وسائل نهضة وتغيير.

ولكم في الماضي والجوار القريبين درس. لعله غائب عن أعينكم, ذلك البلد هو موريتانيا في سنة 2005م عندما كاد شعبها أن يثور على النظام القائم, حينها جاء من سرق ثورة الشعب حتى قبل أن تقوم وقاموا بانقلاب وأسقطوا الرئيس وحلوا الحكومة والحزب الحاكم. حينها هلل لهم الشعب وجل النخبة التي انخدعت كما انخدع الشعب, ظنا من الجميع أن التغيير حصل ولكنه على أيدي العسكر ـ وما الضير في ذلك ما ادم المنشود هو التغيير وقد حصل ـ و حتى العسكر أنفسهم باتوا يلعنون الماضي البائد على حد تعبيرهم, بل إن بعضهم كان فعلا يريد التغيير ولكنه انخدع أيضا.

نسي الجميع, بما فيهم العسكر أنهم سلموا السلطة لرجل خدم النظام المطاح به أكثر من 20 سنة تما كما سلم التونسيون السلطة الآن لأحد رموز النظام السابق. طبعا العوامل التي جعلت القائمين على التغيير هنا وهناك يقبلون بأحد رموز النظام المخلوع, هي العوامل والدوافع ذاتها, وهي أن البلاد تحتاج ـ في هذه اللحظة الحرجة ـ من يحفظ لها الأمن والاستقرار في الداخل, وفي نفس الوقت يقلل من مخاوف الخارج وخاصة أوربا والدول المجاورة, بعد أشهر من التغيير الموريتاني فوجئ الجميع بأنهم أخطأوا التقدير والاختيار,فذلك الرجل الذي سلموه السلطة حاول أكثر من مرة أن يمدد المرحلة الانتقالية , حتى قيل بأنه في إحدى المحاولات لم يثنه عن ذلك إلا نزول الدبابات إلى الشارع بأمر من بعض رفاقه.

ـ ثم لا تنسوا أيها التونسيون بأن من يقود المرحلة الانتقالية هو من يحدد وجهة الدولة في المرحلة القادمة فبيده سن القوانين والتشريعات التي تكفل له البقاء في أي شكل من أشكاله. وقد عانى الموريتانيون من بعض القوانين التي شرعت في تلك المرحلة.
ـ ثم لا يغرنكم وجود هيئة مستقلة ـ يرضى عنها الجميع ـ تشرف على الانتخابات. تلك الهيأة المستقلة إن قبلتم بها وكانت محل توافق فمن الأفضل والأنسب أن تتولى قيادة المرحلة الانتقالية بكل تفاصيلها. وإن كان لابد من الإشراف على الانتخابات من فليسند ذلك للقضاء.

ثانيا: واجبنا نحن في باقي الدول العربية نخبة وعامة وأوجزه في خطوات عملية يلزم القيام بها:

ـ أن نأيد هذه الثورة ونرعاها من بعيد ونعطيها ما تستحقه من الدراسة والتحليل.
ـ القيام بمظاهرات التأييد في جميع الدول ومن جميع أطياف الشعب.و لا ينبغي التراخي في ذلك بحجة أن الوقت المناسب لذلك قد مضى , لا لم يمضي الوقت, فهذه الثورة عظيمة وزمنها عظيم لا يقاس بمقياس الزمن العادي وذلك ما شاهدناه وتابعناه من خلال الفترة القصيرة والقصيرة جدا التي أسقطت فيها نظاما ما كان أحد يظنه أول أنظمة الاستبداد سقوطا.

ـ الاحتفاء بالثورة التونسية وبأسماء شهدائها, والتعريف بهم جميعا,وتسمية الأبناء عليهم, وأن يكون في كل قطر عربي ساحة عمومية تسمى بثورة الكرامة التونسية
ـ وعلى النخبة على وجه الخصوص الكتابة حول ثورة تونس الخالدة, وجمع ما كتب عنها في كل بلد وإعادة قراءته ودراسته دراسة تحليلية, فهي ليست حدثا فجائيا كما يتصور البعض.ولا حدثا منعزلا عن السياق التاريخي والاجتماعي.

هذه الثورة مقدمة وعلامة فارقة بين أمس العرب وغدهم, فنحن جميعا شعوبا وحكاما ننظر إليها وننتظر ما بعدها .طبعا تختلف نظرة الحكام عن نظرة الشعوب إليها .كما هي مختلفة نظرة الحكام إليها بعضهم عن بعض. فمنهم من نظر إليها مناوئا لها وقد أظهر ذلك, ومنهم من المناوئ لها المتشائم بها ولكنه حبس لفظه,أما الفريق الثالث من الحكام فينظر إلى هذه الثورة وكأن الوضع لا يعنيه ظنا منه أن هناك فرق بين وطنه وبين تونس. نقول كلا كلا ليس هناك فرق.فنحن جميعا في الهم سواء.

الثورة في تونس ثورتنا جميعا هكذا ينبغي أن نتعامل معها إن نجحت فتلك مصلحتنا شعوبا وحكاما ولقائل أن يقول نعم في مصلحة الشعوب ولكن كيف تكون في مصلحة الحكام؟ أجيبه بأنها في مصلحة الحكام لأنها أنارت لهم الطريق فهم مخيرون بين : أن يختاروا هم نهايتهم وطبعا سيختارون مخرجا يشرفهم ويشرف أوطانهم وبين أن يحدد الشعب نهايتهم , ولا أظنها تسرهم.

وأقول للشعوب العربية ما قاله الرافعي، في إحدى وصاياه:
الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم.. وعلى الحق وإن لم يتحقق.. والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس.. واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط.. ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب.. وحمل الناس على محض الخير وإن ردوا بالشر.. والعمل وإن لم يأتي بشئ.. والواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة.. وبقاء الرجل رجلا وإن حطمه كل من حوله.

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026