تاريخ الإضافة : 25.01.2011 11:13

حوانيت "التضامن حتى السادسة"!!

الدو ولد سلمان

لا شيء يثلج صدور الفقراء أكثر من الإعلان -ولو كذبا- عن تخفيض أسعار المواد الاستهلاكية التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية، وهم في طريق البحث عن فارق بسيط في السعر مستعدون لمكابدة البرد القارس و الشمس اللافحة و الجلوس في الطوابير الطويلة حتى يأتي دور –قد لا يجيء- ..، إلى هنا لاشيء في "التضامن" يشد الانتباه.

مساء أمس كنت في زيارة لصديق في أحد أحياء مقاطعة عرفات جنوب العاصمة، يعيش صديقي في أسرة متواضعة يسعدها أن تشتري السكر بمائتي أوقية بدل الثلاث مائة، ما إن دخلت عليه و تبادلنا السلام و طلب من أخته تحضير الشراب حتى نادى أخاه الصغير و أرسله للحانوت يريد كيلوغراما من السكر..، بعد قليل عاد الصغير ليخبرنا أن صاحب الحانوت رفض أن يبيع له متعذرا بعدم وجود "السكر" لديه- و هو أمر يقول صديقي إنه متعود عليه-، فالرجل الذي تجاوز الخمسين من العمر والذي يتراءى من بعيد للقادم لحانوته بقامة سامقة و شعر خفيف غزاه الصلع يُعرّف بالفعل –لدى الأهالي المجاورين - بأنه "ما فيه السكر".

تجاذبتني حينها نزعتان، نزعة الصحفي الكامن بين جوانحي و التي تجرني في اللاوعي لمعرفة تفاصيل رفض من يضع أمام حانوته طنا كاملا من السكر لبيعه و نزعة أخرى لا أجيد التعبير عنها لكن بها من المرارة ما يسعف القارئ لتحديد ملامحها، ذهلت قليل ثم صحت في صديقي أن هيا بنا إليه.

كانت الساعة قد تجاوزت السادسة مساء بنصف الساعة، حين ولجنا باب الحانوت بادرنا الرجل بالتحية و كأنه استشرف من قراءة "غير متأنية" لملامحنا غضبا قادنا إليه و حتى قبل أن نسأله بادر الرجل صديقي بالقول يا فلان إن الموردين الذين يوردون لنا "المواد المدعومة" يشترطون علينا عدم بيعها بعد إنها المعاملات الحسابية في السادسة مساء و حين قلت للصغير إن السكر ليس لدي قصدت السكر المدعوم أما الآخر فموجود..، لم أجد و صديقي بدا من الصمت فخرجنا و لم ننبس ببنت شفة.

تزاحمت في عقلي العديد من الصور، صورة لرئيس الجمهورية يزور أحد الدكاكين "التضامنية حتى السادسة مساء- و تقول الوكالة الرسمية للأنباء إنه أمر القائمين على الدكاكين بالعدل بين المواطنين، و صورة للوزير الأول و هو في زيارة "تفقدية" لعملية التضامن و لا أتذكر التصريحات التي نسبت إليه و صورة ثالثة لشيخ لا يقوى على الوقوف في الطابور و انتظار دوره يأتي لأحد الدكاكين غير "المتضامنة" لتخبره أن الأرز الجيد حجز عليه من لدن مستورديه و في الأفق المنظور جدا لا بد من شراء الأرز الموريتاني "الرديء" تضامنا مع الدولة التي لا تريد أن تبور تجارتها و هي التي اشترته من المزارعين، و صورة رابعة لفقير معوز في أحد الأحياء الشعبية يأتيه ضيف بعد الساعة السادسة مساء فيجد نفسها مرغما على شراء ضيافته من حوانيت غير متضامنة و هو الذي تتملكه رغبة توفير خمس أواق إن وجدت.

فجأة بادرني صديقي ليخرجنا من دوامة الصمت التي دخلت في بياتها الشتوي ليقول لي بلهجته الساخرة "إن الحكومة الموريتانية من أذكى حكومات العالم فبعد أن رأت ما حدث في تونس من ثورة على النظام، قررت أن تلهي فقراء الشعب من السادسة صباحا و حتى السادسة مساء عن الاحتجاج على أوضاعهم المعيشية بحوانيت التضامن التي تبيع بأسعار مخفضة، أما بعد السادسة فالحكومة متأكدة أن لا أحد من الذين ظلوا في الطوابير يملك من القوة ما يسمح له بأن يصيح بأعلى صوته أحرى أن يخرج للشارع محتجا و حينها تكون الحكومة قد وجدت الترياق الفعلي لقتل ثقافة الاحتجاج في عقول المواطنين".

أعجبتني فكرة صديقي و أنكرتها -رغم ذلك- عليه لكنني دخلت و إياه في جو من الروحانية البريئة و تبتلنا على لسان أكثر من ثلثي موريتانيا قائلين:" اللهم إن الحكومة تتضامن معنا حتى السادسة مساء و أنت ربنا الذي لا يخفى عليك من أمرنا شيء، نسألك اللهم أن تجنب بيوتنا ضيوف ما بعد السادسة و أن لا تجزي خيرا من يتضامن معنا فقط حتى السادسة".

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026