تاريخ الإضافة : 21.01.2011 16:05
ابن علي برّ.... فهلم جرّ
محمد ولد سيدي محمد
من جديد تتصل حلقات التاريخ ليسجل في صفحاته نهاية طاغية ينضاف إلى سجل سابقيه من الطغاة، جثم وكتم أنفاس التونسيين لأكثر من عقدين دعم خلالها كرسيه بدماء وأهات الأحرار.
اضطهد وسجن عذب وسلب فصار الشامة البارزة والهامة المرفوعة الذي يغبطه غيره من طغاة وجبابرة العرب فأخذوا منه يستلهمون التجربة وأشاد الغرب ووصفها بالمعجزة، فازداد غرورا ومن الشعب ازداد نفورا أخذ يرسم صورة ظاهرها براق وحقيقتها هي صورة قاتمة حولت الناس من أشخاص يشدون الحرية والكرامة إلى أناس همهم الوحيد تمجيد الطاغية وان ساقهم إلى حبل المشتقة فردا فرد، اغتر واغتر إلى أن قال بلسان حاله "ما علمت لكم من إله غيري وما أريكم إلا ما أرى" ذاك هو الجنرال بن علي.. وصل إلى هرم سلطة تونس قبل ثلاث وعشرون سنة إثر انقلاب قاده على الرئيس المؤسس بورقيبه، اعتبر حينها رجل المرحلة في النخبة العلمانية وكذلك في أوساط الدوائر الغربية، ذلك أن تجربة الرجل وخبرته في ونجاحه في ترويض وإنهاء مظاهر الاحتجاجات في بداية الثمانينات تحتاجها النخبة والغرب في مواجهة خصم كبير له حضور شعبي ونخبوي.
لم يخيب الرجل تلك التطلعات والأماني، فلم تمض إلا سنتين أو ثلاث حتى أصبت الخطة قيد الإنجاز، دخل بن علي حربه مع النهضة حرب ترعاها وتباركها فرنسا، وقف الإسلاميون في الخندق لوحدهم، صحيح أن الإسلاميين وقعوا في بعض التجاوزات التي دفعهم إليها الأمن حتى يقنع الشعب أن هذه المجموعة هي مجموعة إرهابية متطرفة ورجعية، ليسهل عزلهم وفك ارتباطهم مع مختلف مكونات الشعب، فزج بن علي بعشرات الآلاف منهم داخل السجون، أذاقهم فيها صنوفا من العذاب لا يكاد يصدقها العقل، وسط تعتيم إعلامي كبير وأضطر البقية الباقية إلى مغادرة تونس واللجوء السياسي إلى المنفى.
أحكم بن علي قبضته الأمنية وضرب بيد من حديد على عناصر النهضة وغيرها من القوى الحية وواصل مشواره التغريبي وجفف منابع التدين في المجتمع.
كان بن علي تلميذا نجيبا لفرنسا - وليسمح لي القارئ هنا فقد تعمدت استخدام الفعل كان في أكثر من مرة لأؤكد لنفسي قبل غيري أنه أصبح أثرا بعد عين - فرنسا التي كانت تمم أفواه الحكومات الغربية وتضفي الشرعية على ممارسات بن علي القمعية ومن حيث لا يدري ذهب بن علي إلى حتفه بنفسه، كان يظن أن الطعنة لن تأتيه إلا من طرف الإسلاميين وأنه مادام يمسك بالقبضة الحديدية وينشر التميع ويشجعه فإنه لن تقوم لهم قائمة.
وحتى يستتب الأمر وتتم المعالجة الأمنية القاسية لملف الإسلاميين كان لا بد أن يكون جزءا من تلك الحرب إنجازات تعليمة واقتصادية تلمع صورة النظام وتكون مبررا كافيا -داخليا على الأقل- لإضفاء الشرعية على ذلك النظام الواغل في دماء الأبرياء الأحرار، ذنبهم الوحيد أنهم أرادوا التصالح مع الذات والإصلاح الحق لشعب ينشد الحرية والتغيير والمساواة في الفرص، أراد نظام بن على أن يكون ذلك القهر والاضطهاد درسا لغيرهم، وبالفعل كان درسا كبيرا قرأه التونسيون واستوعبوه فصار ذلك الشبح المخيف يتراءى لكل متحرك يحسب أن كل ساكن حوله هو عين من عيون بن علي التي بها ينظر وأن أذنه قبل أذن غيره هي أذن من آذان بن علي التي بها يسمع، فلا يسمع إلا تمجيده ولا يرى إلا رأيه وتصويبه، تحطمت النفوس أمام جبروته وطغيانه، فما عادت تبحث عن كرامة ولا هي تطلب الشهامة وصار كل همها هو السلامة.
لا حقها في حرية التعبير فلا رأي إلا رأيه ونهب ثوراتها ومن لها بفضول نهبه وسلبه، مبتزا لهم، ممتنا عليهم، لكن المفارقة العجيبة التي خبأها القدر وشاءها الله أن يخرج بن علي من تونس ذليلا حقيرا يتبعه خزيه ويسابقه عاره، ويرى بعينيه صنوفه المذلة وتقلب أحوال الدهر وأن لا مهرب من الله إلا إليه، فلا سماء تظله ولا أرضه تقله، يخرج من تونس التي طالما أرغم أحرارها على الخروج أو السجن، ولكن شتان بين الخروجين، خروج ترافقه العزة والشموخ وحنين إلى العودة، وخروج الذلة والهوان، خرج بن علي مؤذنا لغيره من الطغاة أن لملموا أمتعتكم وأموال نهبتموها وهيئوا لأنفسكم مواطن منفى قبل البقاء معلقين بالسماء فقد لا يتكرر الحظ الذي به حظيت بعد ساعات من الطيران، رسالة يبعثها إلى النخبة التي تربط مواقفها ومواقعها وأفكارها برؤى الغرب، الغرب غرب مادي متقلب الألوان لا يرى ولا يحتضن إلا مصالحه.
أما الرسالة الواضحة هي تلك التي يبعث بها الشعب التونسي والتي خطها بمداد دماء الشهداء:
في الجماهير تكمن المعجزات ** ومن الظلم تولد الحريات
رسالة يبعث بها الشعب التونسي إلى غيره من الشعوب العربية "لا سبيل إلى أخذ الحقوق إلا بانتزاعها، وهذه الأنظمة هي أنظمة عفنة هشة إذا تحركت الشعوب تحركا مدروسا واعيا فلا أحد أيا كان له أن يصادر رأيها أو يقف في وجهها".
و أخرى تبعث بها هذه الثورة إلى النخب وإلى مختلف التيارات الجادة مفادها "لدفع تكلفة النضال لابد من النزول من البروج العالية والالتحام مع الشعوب من أجل الخلاص وبناء غد أفضل" قبل أن تبقى هذه النخب تريد اللحاق دون جدوى.
رسالة أخرى وأخيرة أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت >>وكذلك أخذ ربك<< و >>ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون << >>ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله<< تلك هي إرادة الله التي لاراد لها، فهل سنعي الدرس؟!.
من جديد تتصل حلقات التاريخ ليسجل في صفحاته نهاية طاغية ينضاف إلى سجل سابقيه من الطغاة، جثم وكتم أنفاس التونسيين لأكثر من عقدين دعم خلالها كرسيه بدماء وأهات الأحرار.
اضطهد وسجن عذب وسلب فصار الشامة البارزة والهامة المرفوعة الذي يغبطه غيره من طغاة وجبابرة العرب فأخذوا منه يستلهمون التجربة وأشاد الغرب ووصفها بالمعجزة، فازداد غرورا ومن الشعب ازداد نفورا أخذ يرسم صورة ظاهرها براق وحقيقتها هي صورة قاتمة حولت الناس من أشخاص يشدون الحرية والكرامة إلى أناس همهم الوحيد تمجيد الطاغية وان ساقهم إلى حبل المشتقة فردا فرد، اغتر واغتر إلى أن قال بلسان حاله "ما علمت لكم من إله غيري وما أريكم إلا ما أرى" ذاك هو الجنرال بن علي.. وصل إلى هرم سلطة تونس قبل ثلاث وعشرون سنة إثر انقلاب قاده على الرئيس المؤسس بورقيبه، اعتبر حينها رجل المرحلة في النخبة العلمانية وكذلك في أوساط الدوائر الغربية، ذلك أن تجربة الرجل وخبرته في ونجاحه في ترويض وإنهاء مظاهر الاحتجاجات في بداية الثمانينات تحتاجها النخبة والغرب في مواجهة خصم كبير له حضور شعبي ونخبوي.
لم يخيب الرجل تلك التطلعات والأماني، فلم تمض إلا سنتين أو ثلاث حتى أصبت الخطة قيد الإنجاز، دخل بن علي حربه مع النهضة حرب ترعاها وتباركها فرنسا، وقف الإسلاميون في الخندق لوحدهم، صحيح أن الإسلاميين وقعوا في بعض التجاوزات التي دفعهم إليها الأمن حتى يقنع الشعب أن هذه المجموعة هي مجموعة إرهابية متطرفة ورجعية، ليسهل عزلهم وفك ارتباطهم مع مختلف مكونات الشعب، فزج بن علي بعشرات الآلاف منهم داخل السجون، أذاقهم فيها صنوفا من العذاب لا يكاد يصدقها العقل، وسط تعتيم إعلامي كبير وأضطر البقية الباقية إلى مغادرة تونس واللجوء السياسي إلى المنفى.
أحكم بن علي قبضته الأمنية وضرب بيد من حديد على عناصر النهضة وغيرها من القوى الحية وواصل مشواره التغريبي وجفف منابع التدين في المجتمع.
كان بن علي تلميذا نجيبا لفرنسا - وليسمح لي القارئ هنا فقد تعمدت استخدام الفعل كان في أكثر من مرة لأؤكد لنفسي قبل غيري أنه أصبح أثرا بعد عين - فرنسا التي كانت تمم أفواه الحكومات الغربية وتضفي الشرعية على ممارسات بن علي القمعية ومن حيث لا يدري ذهب بن علي إلى حتفه بنفسه، كان يظن أن الطعنة لن تأتيه إلا من طرف الإسلاميين وأنه مادام يمسك بالقبضة الحديدية وينشر التميع ويشجعه فإنه لن تقوم لهم قائمة.
وحتى يستتب الأمر وتتم المعالجة الأمنية القاسية لملف الإسلاميين كان لا بد أن يكون جزءا من تلك الحرب إنجازات تعليمة واقتصادية تلمع صورة النظام وتكون مبررا كافيا -داخليا على الأقل- لإضفاء الشرعية على ذلك النظام الواغل في دماء الأبرياء الأحرار، ذنبهم الوحيد أنهم أرادوا التصالح مع الذات والإصلاح الحق لشعب ينشد الحرية والتغيير والمساواة في الفرص، أراد نظام بن على أن يكون ذلك القهر والاضطهاد درسا لغيرهم، وبالفعل كان درسا كبيرا قرأه التونسيون واستوعبوه فصار ذلك الشبح المخيف يتراءى لكل متحرك يحسب أن كل ساكن حوله هو عين من عيون بن علي التي بها ينظر وأن أذنه قبل أذن غيره هي أذن من آذان بن علي التي بها يسمع، فلا يسمع إلا تمجيده ولا يرى إلا رأيه وتصويبه، تحطمت النفوس أمام جبروته وطغيانه، فما عادت تبحث عن كرامة ولا هي تطلب الشهامة وصار كل همها هو السلامة.
لا حقها في حرية التعبير فلا رأي إلا رأيه ونهب ثوراتها ومن لها بفضول نهبه وسلبه، مبتزا لهم، ممتنا عليهم، لكن المفارقة العجيبة التي خبأها القدر وشاءها الله أن يخرج بن علي من تونس ذليلا حقيرا يتبعه خزيه ويسابقه عاره، ويرى بعينيه صنوفه المذلة وتقلب أحوال الدهر وأن لا مهرب من الله إلا إليه، فلا سماء تظله ولا أرضه تقله، يخرج من تونس التي طالما أرغم أحرارها على الخروج أو السجن، ولكن شتان بين الخروجين، خروج ترافقه العزة والشموخ وحنين إلى العودة، وخروج الذلة والهوان، خرج بن علي مؤذنا لغيره من الطغاة أن لملموا أمتعتكم وأموال نهبتموها وهيئوا لأنفسكم مواطن منفى قبل البقاء معلقين بالسماء فقد لا يتكرر الحظ الذي به حظيت بعد ساعات من الطيران، رسالة يبعثها إلى النخبة التي تربط مواقفها ومواقعها وأفكارها برؤى الغرب، الغرب غرب مادي متقلب الألوان لا يرى ولا يحتضن إلا مصالحه.
أما الرسالة الواضحة هي تلك التي يبعث بها الشعب التونسي والتي خطها بمداد دماء الشهداء:
في الجماهير تكمن المعجزات ** ومن الظلم تولد الحريات
رسالة يبعث بها الشعب التونسي إلى غيره من الشعوب العربية "لا سبيل إلى أخذ الحقوق إلا بانتزاعها، وهذه الأنظمة هي أنظمة عفنة هشة إذا تحركت الشعوب تحركا مدروسا واعيا فلا أحد أيا كان له أن يصادر رأيها أو يقف في وجهها".
و أخرى تبعث بها هذه الثورة إلى النخب وإلى مختلف التيارات الجادة مفادها "لدفع تكلفة النضال لابد من النزول من البروج العالية والالتحام مع الشعوب من أجل الخلاص وبناء غد أفضل" قبل أن تبقى هذه النخب تريد اللحاق دون جدوى.
رسالة أخرى وأخيرة أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت >>وكذلك أخذ ربك<< و >>ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون << >>ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله<< تلك هي إرادة الله التي لاراد لها، فهل سنعي الدرس؟!.







