تاريخ الإضافة : 15.01.2011 13:44

موريتانيا: وضع يتدهور ومعارضة تتقهقر

بقلم: محمد محمود أحمد بابو

بقلم: محمد محمود أحمد بابو

عاشت موريتانيا وتعيش منذ ردح من الزمن في أتون ثلاثيات سالبة عمت جميع المجالات:
اجتماعيا تعيش بين ثلاثيات الفقر.. والجهل.. والمرض.. وسياسيا تعيش بين ثلاثيات: الانقلاب ..والانتقال.. والانتخاب...

ثلاثيات رسم بمداد قلمها الداكن أهم مفردات مشهدنا السياسي الشاحب.. مشهد تتداخل فيه الصلاحيات المؤسسية والدستورية وتتلاشي خلاله الحدود القيمية وتأخذ فيه النزعات القبلية مجريها إلي أبعد مدى وتملأ الدعوات العرقية والفئوية سمع الزمان وآفاق الكون المتراحب.

مشهد اتسع فيه خرق الهوة الطبقية السحيقة على الراقع - إن وجد أصلا - وأصبح المجتمع الموريتاني يعيش وضعا لا يحسد عليه وقد كان الأمل معلقا بعد الله علي معارضة ديمقراطية نالت يوما ما أصوات بعض الفئات المسحوقة ونصبت نفسها ناطقا رسميا بشؤونها وشجونها لكنه يوم جد الجد وعم الظلام لم يصدق عليها قول القائل :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد هزلت الأجور حتى بدا من هزالها كلاها .....إلخ وغابت العدالة الاجتماعية وارتفعت أسعار المواد الغذائية واشتاحت موجات الجوع والمرض أرجاء الوطن المسكين حينها نادي الشعب ملأ الأوردة والأفواه ولكن بصوت مبحوح.. نادي وأسمع ..ولكن لا حياة لمن تناد
ونارا لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

فقد كانت المعارضة موجودة لكنها خارج السياق غارقة حتى الصدغين في خلافات قاتلة حول تقسيم كعكة مؤسستها الحلوب (زعامة المعارضة) منقسمة داخلها إلي أغلبية تحكم وأقلية تعارض ولكن في ذات السياق لتقدم المعارضة بذلك إقالة جماعية من شان المجتمع العام وترسم لنفسها بنفسها خطا سياسيا غريب الأطوار كثير المنعرجات عديم الإنجاز فانقطعت بذلك جعاجعها عن الأسماع وتلاشي سرابها مع الزمن وأصبحت تعاني من أمراض عضوية خطيرة تحتاج إلى تشخيص أولا والبحث عن وصفة علاج ثانيا ولست قطعا خير من يسهر على هذا التشخيص لكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رعي الهشيم.
فسأعمل علي تشخيص خاطف لهذه الوضعية الراهنة لعلي أرمي بذلك حجرا في راكد ساحتنا السياسية المتعفنة وذلك من خلال وقفات قصيرة عند محطات مهمة..


ضبابية الخط التحريري

فقد درجت العادات السياسية في الدول الديمقراطية أنه بعد كل انتخابات عامة يتمايز الفرقاء السياسيون إلي فريقين يمثلان بالنسبة للدولة جناحي الطائر هما: أغلبية تحكم وتسير الشأن العام.. وأقلية تعارض و تقيم وتقوم وترشد وتوجه، لكنه في موريتانيا اختلط الحابل بالنابل وأصبحت المعارضة منقسمة علي نفسها: للسلطة والحكم منها الروح والعاطفة والوجدان وللمعارضة منها الشخوص والمواقع والمكان فلم تعد تميز المعارضة إلا من خلال شخوصها أما معالم الخط التحريري فقد عفا عليها الزمن وتلاشت بعد الشقة وطول الأمد... فلم يعد لها خطاب سياسي ينحاز إلي مصالح الطبقات والفئات المحرومة ولم تتبني قضايا الشغيلة ولا قضية التشغيل أما طرح الاستراتيجيات التربوية والصحية فلا زال مؤجلا إلى اجل غير مسمي وهذا ما عمم وميع خط المعارضة السياسي فلا خطاب مغاير يميز ولا مواقف مبدئية تبرز أما تواجدها خارج السلطة فمكره أخاك لا بطل.


هوس بالأشكال ولو كانت فارغة

فنظرا لإفلاس المعارضة:خطابا.. ورؤية... وبرنامجا... فقد أصبحت تعاني مما يسميه مالك بن نبي بتشيئة الأشياء أي أنها تكتفي من الأشياء بأشيائيتها دون أن تبحث عما تحمله هذه الأشياء من قيم ثقافية.. واجتماعية.. وسياسية.. لذالك يريدون انتخابات ولو كانت مزورة و برلمانا ولو كان معطلا فبعد أن كانت هذه آليات يعبر من خلالها إلي غايات هي المطلب والمقصد أصبحت هذه الآليات بالنسبة لهم غاية الغايات ومنتهي الأمل وحين ما يقع خرق لقيمة من هذه القيم المهمة طبعا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لكنه حينما تنتهب ثروات البلد وينخر جسمه الفساد تجد أمثلهم طريقة يكتفي في أحسنى الأحوال بالتعليقات الخاطفة والبيانات العابرة ثم سرعان ما تعود حليمة إلي سابق نومها العميق وكأن ثروة لم تنهب وشعبا لم يهان
فيا شعب قم إن الحياة مريرة ويا نفس جدي إن دهرك هازل


أبراج عامرة ..وساحات فارغة

لقد استمرأت معارضتنا "الديمقراطية"فضاآت الأبراج العاجية وساحات الصالونات المرفهة بعيدا عن صراخ الجياع وأنات المكلومين وصاروا بذالك في واد والشعب وشؤونه وشجونه في واد آخر وأصبح دورهم منحصرا علي التعليق علي الوقائع والردود علي الأسئلة والإطلالة حينا بعد حين من خلال الشاشات الصغيرة والمواقع الالكترونية إذا ما وجهت لهم الدعوة وتهيأت الظروف
أما المبادرة بدل المسايرة.. والإقدام بدل الإحجام.. وطرح الأسئلة بدل الرد عليها.. وصياغة الحدث بدل التعليق عليه.. فهي مفردات لما تجد بعد طريقها إلي التموقع داخل الخرائط الذهنية لزعمائنا المعارضين
وإلي أن تأخذ الجماهير زمام المبادرة فتقدر وتقرر سيبقي الوضع راكدا إلي أن يهب الشعب و:
إذا الشعب يوما أرد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر


نواب يغرد ون ولكن خارج السرب

أعتقد أن سبب تراجع أداء معارضتنا هو أنها اختزلت نشاطاتها السياسية في أداء برلمانييها تحت القبة المختزل أصلا في الكم والكيف والعدد فعدد الدورات العادية محدود ة ومحدود كذلك عدد الأصوات المعارضة خلال الدورة ثم إن مقص الرقيب لا يزال يلاحق كل من لا يسبح بحمد النظام و لا يقدس
هذه المنظومة الاختزالية ربما كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير فجعلت النواب يغردون خارج السرب وكثرت بينهم الملاسنات الكلامية وأحيانا"المطارشات" والتحرشات بين بعضهم البعض فثقل العبء المطروح علي كواهلهم من جهة وهشاشة بناهم الفكرية والديمقراطية والسياسية من جهة أخري جعلت أكثر النواب لا يحضر وإن حضر لا يوجه وإن وجه لا يحسن وإن أحسن لا يستمر
فيا رب عونا فالمعان مؤيد وما لامرئ إلم تعنه كفاؤوا


أغلبية تسحب البساط

وقد زاد الطين بلة والجرح إيلاما أن الأغلبية الحاكمة قد انتبهت إلي أن المعارضة تنحصر معارضتها بشكل كامل في قضايا تشكل مواد إعلامية دسمة مثل :قطع العلاقات مع إسرئيل وملف الإرث الإنساني ومخلفات الرق في موريتانيا ومساءلة الوزراء وتصويب سهام النقد صوب الحكومة ...فالتحمت الأغلبية معها في ذات السياق وتبنت ذات المواقف وقام النواب بفك (ولو صوريا) لرابط التبعية العمياء للحكومة الباعث علي التطبيل والتزمير في المناسبات وغير المناسبات فتلاشت الفوارق وميعت الوسائل وسحبت الأغلبية بذلك بساطا كانت بعض القوي الحية تفرشه لكل من يتبني مواقف كهذه ولو مرة في العمر


فوضي شعبية خلاقة

لا يصلح الناس فوضي لا سراة لهم و لا سراة إذا جهالهم ساد
لكنه في بعض الأحايين تمر الشعوب بفترات انتقالية تمارس فيها نوعا من الفوضى الخلاقة التي تنعش الأعضاء وتشفي المرضي
فحينما يترجل الفرسان ويفقد الشعب قيادة تلبي الطموح وتقهر الواقع المرير فإن الساحات النضالية هي محك الرجال ومصنع القادة وليست مجريات الأحداث التونسية والجزائرية عنا ببعيد
وقد بدأت المدارس والجامعة هنا بالتحرك إلي الأمام وحمل راية النضال خفاقة ..تلك الراية التي سيتداعي نحوها كل الغيورون علي الوطن والمواطن
لتقيل الساحة كل من استقال طوعا أوكرها رغبة أ ورهبة من شانها العام وتجريده من كل الامتيازات المعنوية والتاريخية والأدبية ويمها:
لتبكي علي الفضل ابن مروان نفسه فليس له باك من الناس يعرف
أقام علي الدنيا منوعا لخيرها ومات عنها وهو الذميم المعنف

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026