تاريخ الإضافة : 02.05.2008 09:09
الطريق الثالث: عندما ترغم النخب الحاكمة على التقاعد!
واجهت موريتانيا منذ ولادتها وحتى اليوم مجموعة من الأزمات السياسية والإقتصادية وحتى الإجتماعية شكلت فيما بينها فواصل سمفونية غير متجانسة(كي لا نقول مزعجة) لقصة واجهت تجاهلا من الزمن ولعنة من الجغرافيا ومزيجا محبطا بل مهلكا من التآمر والسخرية من لدن الجمهور..فواصل كانت قدرا لقصة إمتلك كتابها خليطا عجيبا من سعة الأفق وجنون الأحلام ووقاحة الأمل من جهة، وعجزا مخلا عن إستشراف المشاكل المستقبلية و كسلا كارثيا عن السعي لتحقيق هذه الدولة-الحلم من جهة أخرى.
ومع هذا كانت "النخبة" المتحكمة في الأمور دوما قادرة ومن خلال القليل من المناورة السياسية المنبثقة إما عن علم دفين بطبيعة العقل الجمعي للشعب المسكون بفكرة الرحيل وتجديد الأرضية (تبدال لمراح) أو بواقع من الصدفة أن تخلق شعورا لدى هؤلاء --حتى وإن كان زائفا-- بأنه قد تم تجاوز العقبات التي كانت تقف في وجه العربة وأن الرحلة قد بدأت مجددا.
ولهذا ورغم أن العربة من الناحية العملية لم تراوح مكانها وأن العقبات لم يتم تذليلها إطلاقا، وإنما تم تحاشيها و خلق المزيد من جنسها، فإن تحولا طفيفا في الوجهة صنع في مخيلة الأمة الرحالة هذه مع مرور الوقت وهما بحدوث حراك بسبب التغير اللحظي في نوعية التضاريس الماثلة أمامها عينيها.
ومع أنه من الصعب أحيانا التكهن بمدى قدرة البشر على خداع ذواتهم من خلال نسج الأساطير حول ماهيتهم وكيانهم، ولا نهائية الإتجاهات والمسارات داخل الخيال البشري ذاته، فإنه كان جليا منذ البدأ أن محدودية الجهات (أربع، أو ثمانية بإعتبار خلق جهات بينية) في رحلة أفقية على سطح الارض تجعل من حراك هذه العربة عملا سيزفيا محكوما عليه ليس فقطا بعدم الجدوائية بل بالفناء أيضا ما لم يحصل أحد أمور ثلاث:
1-المسح الجماعي لذاكرة راكبي العربة بحيث يمكن إعادة توجيههم نحو المعالم التضاريسية التي مروا بها سابقا دون التعرف عليها،
2-إستبدال هؤلاء بجيل جديد من الركاب وتكرار نفس السناريو لعقود من الزمن حتى تكمل العربة نوح الجهات كلها.
3-الإتفاق الجماعي الحاصل بالإكراه الفكري أو المادي على التحرك في إتجاه معين مهما تكن المطبات والصعاب والصبر في مواجهتها.
وهكذا و على طيلة العقود الأربعة الماضية من تاريخ البلد كانت الظروف بإستمرار مهيئة لإستخدام الإحتمالين الأول والثاني فقط، في حين ظل الإحتمال الثالث مغيبا لسهولة تبني أحد الأولين وللمشقة والعنة المترتبين لا محالة على الأخير.
فالقصر النسبي للأعمار في البلد تكفل بخلق الجيل الناشئ الغض الذي لم يملك أكثر من مزيج من الوعي الضبابي الأركان الأسطورة وعدم المبالات بتفاصيلها على أي حال، كما أن التخلف على مستوى الخدمات الصحية كان قمينا بأن يخلق من أوائل الركاب جيلا ضعيفا إلا من قدرته على الإيمان بالرحلة وتحركها حتى وإن كان لا يكترث على أي إتجاه تحصل فكل المومنين على يقين أنه : أينما تولوا فثم وجه الله... وبهذا تم الإستغناء عن تقنية مسح الدماغ المكلفة وغير المتوفرة أصلا!
وقد عمدت النخب المتحكمة إلى إستخدام كلا الاسلوبين في الماضي بشكل إنفرادي أو تركيبي وبمستوى لا بأس به من النجاح..غير أنه في السنوات القليلة الماضية أصبح ثمة نوعا من التململ وعدم الرضا عن هذا النوع من الأسالبيب...فكثرة تكرار تغير وجهة الرحلة خلق نوعا من السآمة لركاب العربة الذين لم يعدوا مقتنعين بجدوائية الرحلة-الأسطورة لغلبة الرتابة وغياب عناصر التشويق عليها. ثم زاد الطين بلة أن الأجيال الجديدة من ركاب العربة أفتقدت عنصرين أساسين تحلى بهما الجيل القديم ساهما بشكل أو بآخر في إستمرارية الجانب الروحي (على الرغم من غياب الجانب الفيزيائي أصلا) من الرحلة:
-أول هذين هو أن الأجيال الجديدة لم تمتلك أو تكن قادرة على خلق رحلة موازية كما هو شأن الجيل القديم وبالتالي كانت متعطشة لحصول تقدم ما كي تبرهن لذاتها أن ما آمنت به حقيقة لا وهم...فالحقائق بالنسبة لهذه الأجيال تساوي الحس، فما ليس محسوسا لا وجود له، وهذا بدون شك مرد عدم قدرتها على فهم سر النشوة التي وجدها الأجداد في الإيمان بجدوائية ( أو أخلاقية تبريرات "النخبة" ل) رحلة تبدأ من وسط الوادي إلى الكثبان المحيطة به من كل الإتجاهات ثم العودة مجددا إلى قلبه كل مساءا قبل أن ينام أصحابها على وقع الأغاني إحتفاء بالنصر على عاتيات الزمن الكفور.
-وثانيهما هو أن هذه الأجيال الجديدة وجدت نفسها في عالم مسكون ليس فقط بالحركة وسرعتها وإنما بالبحث عن الثمار الآنية لها...ففي العالم الذي ولد فيه هؤلاء لا وجود لفضيلة أسمها الصبر..فلو مثل الصبر بشرا لهؤلاء لظهر عجوزا شمطاء، عجزت عن الزواج أيام شبابها وخافت من الإنتحار على شيخوختها!
هذه الحالة فاقمت من الأزمة المزمنة لحركة عربة بني شنقيط، فلم تعد المشكلة مجرد إختفاء الجانب الفيزائي من الرحلة وإنما أيضا باتت دابة الأرض (الشك والقلق) تأكل من جوانبها الروحية والأسطورية بوتيرة متسارعة تنذر بتهاويها في نهاية اليوم وقبل حلول الغد. وهو مايعني أنه آن الأوان لكي يعطى الإحتمال الثالث فرصة كي يبرهن جداوائيته أو عدمها.
لكن الإحتمال الثالث على أي حال أكثر تعقيدا مما هو ظاهر، فلكي يتسنى لركاب العربة الإتفاق على السير في إتجاه واحد والدخول في حرب ضروس مع أحد الكثبان الرملية الشامخة شموخ الجبال والضاربة بأوتادها في أعماق الأرض والتي تقف سدا منيعا يحول بينها وبين العالم الخارجي، بينها والمجهول بكل أمله الواعد وأشباحه المخيفة، لكي يتسنى ذلك لا بد من التعامل بشيئ من الجرأة والحزم مع ألئك الذين تولوا قيادتها على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الماضية. والتعامل مع هؤلاء يحتم ليس فقط إعادة تقسيم الأدوار على مستوى القيادة وإنما أيضا قلب الأسس الطبقية والفكرية المعمول بها (وليس التي يكثر الحديث عنها أو بها) رأسا على عقب، وهو عمل يحتاج إلى عقول حصيفة وأيد ماهرة، وإلى القدرة على التحمل والكثير الكثير من الوقت... وهي خصال لم تساعد سنوات الرحلة-المقيمة والحركة-الساكنة على خلقها أو حتى صيانة ما كان قائما منها!
أول خطوات هذا الإنقلاب (الذي يمكن أن يحصل ديموقراطيا) هو التخلص من كل "النخب" والشخصيات التي تولت بشكل مباشر أو غير مباشر توجيه العربة في هذا الإتجاه أو ذاك، أو التي عملت على تبريره أو التي إستفادت—حتى ولو لم تتبوأ مركزا قياديا—من عملية الرحيل جيئة وذهابا من وإلى قعر الوادي. ومبررات عمل من هذا القبيل هو أن هذه المجموعات—حتى مع إفتراض حسن النوايا— لا يمكنها أن تكون جزءا من الحل لأنها ولكثرة ما عاشت من خداع ذاتها وغيرها، ولكثرة ما تعودت التهرب من مواجهة العقبات أصبحت تعيش حالة من الإنفصام والإنهزام النفسين يجعلانها غير قادرة على تمييز الحقيقة من الوهم، واليمين من الشمال وبالتالي غير مؤهلة للوقوف في الصفوف الأمامية. وستكون هذه الخطوة العقبة الكئداء في طريق تحريك عجلات العربة، فلن تتخلى هذه النخب طواعية عن مراكزها، وستقاوم ذلك بكل ما آوتيت من قوة ونفوذ. بل إنها ستروج لآلاف الأعذار والمبررات والترهات التي تراها دليلا لا يقبل تنوع التآويلات على خبرتها في الحركة وقدرتها على القيادة..وأكثر من ذلك ستحاول التشكيك في أي محاولة إنقاذ لا تشارك فيها، وفي خضم التفاني في التمكسك والتشبث بالسلطة سيلعن بعضها بعضا، أولها آخرها، وصغيرها كبيرها...وليبراليها محافظها...يلقي باللائمة أصحاب الشوارب منها على أصحاب اللحى، ويتبرأ أهل العمائم فيها من أهل "الأعراف"...ستكون ملحمة حقيقية تواجه فيها "العامة" الخاصة، ملحمة تقول فيها الدهماء "للنخب" التي حكمت عليها بالحماقة و قصر اليد والحيلة إن زمن النخبوية قد ولى بلياليه الطويلة المظلمة، بخطبه الطنانة وخطوبه المدلهمة، وقد بزغ فجر الرعاع.
صحيح أن هؤلاء لايتكلمون لغة الأغراب ولا يأتمرون بأمرهم، وصحيح أيضا أن هؤلاء لا يملكون أحمالا من الشهادات من كبريات الجامعات...كما أنهم ليس بهم كبير خبرة في السياسة ونظم الحكم...صحيح أيضا أنهم يفهمون أن "النخب" سوف تستخدم هذه النقاط ضدهم وسوف تصمهم بالتهور والجهل....لكن عليها أن تتجاهلهم لعلمها على جهلها أنه لو كان لكلامهم تأثير على مجريات الأمور لكنا في واقع مختلف وفي صراع من نوع آخر...عليها أن تفعل ذلك لأنها بوسعها أن تفهم على تواضع معرفتها بالحساب أنه لو صدق هؤلاء مرة من كل مائة لكان النقاش اليوم حول إنقاذ الكون وليس عن كيفية ترقيع عجلات العربة المتهالكة التي نمتطي هيكلها...
لعلمهم بهذا ستعرض العامة عن الخاصة إمتثالا لأمر الله : وأعرض عن الجاهلين...
نعم جاهلة هي هذه النخبة لأنها على سعة إطلاعها كمثل الحمار يحمل أسفارا... لم تعرف كيف تستنير بالعلم ولا كيف تتحرر به من قيودها التي صنعتها لنفسها، نعم لم تتعلم من العلم التواضع أو الجد، فهي متطاولة على قصر قاماتها وكسولة على فاقتها...أجسامها ضخمة وأفكارها ضحلة.
وعندما تتم تصفية ملف "النخب" باسلوب راق ومتحضر لا تراق فيه الدماء ولا تسحل فيه الأجسام، تصفية يحترم لهم فيها ما بقي من إنسانيتهم على الرغم مما عرف عنهم من إحتقارها في أشخاص الأخرين، عندما يتم ذلك يكون الوقت قد حان لتخطوا العامة الخطوة الثانية في طريق الإصلاح.
في هذه الخطوة يتوجب على العامة البحث عن نوع نادر من الناس، قوم لا يكثرون عند الحملات ولا وقت توزيع المناصب والوزارات...أناس متعلمون لكنهم لم يصرفوا ثمرة علمهم وشبابهم في التزلف إلى المسؤوليين أو في التغرير بالمساكين...قوم أغنياء بعفتهم وأقوياء بمبادئهم...قوم أفكارهم قويمة وقلوبهم سليمة...عندما تراهم قد لا تعجبك أجسامهم...ولن يسحروك إن تسمع لقولهم...كلامهم قليل وتفكيرهم طويل... حالمون لكنهم واقعيون، قوم تقول عنهم خاصة العامة...أخذوا من المعرفة لبابها ومع ذلك قد سلموا من النخبوية وتيهها. سيكون عملا شاقا البحث عن هؤلاء، لندرتهم وعدم شهرتهم...لكنه لن يعوز العامة الإهتداء إلى مواقعهم فقد وقفوا دوما إلى جنبها وحملوا نصيبهم من همومها. سيعين هؤلاء قادة البلاد دون الكثيرة من الجلبة والطنين.
ولن يتخذ هؤلاء قصورا فخمة ولا جيوشا ضخمة....لن يطلبوا الدعم من أهل الغرب ولا من أهل الشرق...سيكونون صريحيين مع أنفسهم ومع شعبهم...لن يقيموا خطبا ومواعظ، ولن يتخذوا بطانة ولا حاشية ولن يخلقوا سدا من البيروقراطية يفصلهم عن مشاكل الناس وحياتهم...
أيام وأسابيع شمر فيها عن السواعد سقيت فيها الأرض مزيجا من عرق النخبة والعامة ثم لم يلبث أن بدأت الرحلة في تناغم وإنسجام تام بين إقاعها الروائي الملحمي وواقعها الجهادي الفيزيائي...ستتحرك العجلات...سوف تذلل الصعاب!
وبعد أن تستوي العربة في سيرها وهي تقطع الفيافي مهمها مهمها في طريقها إلى البحر سوف يتاح ل"النخب النخبوية" الإطلاع على ما تم إنجازه فيصيحوا في دهشة "إنها تسير، إنها تسير ...هذا ما وعدنا الله ورسوله...!"
ومع هذا كانت "النخبة" المتحكمة في الأمور دوما قادرة ومن خلال القليل من المناورة السياسية المنبثقة إما عن علم دفين بطبيعة العقل الجمعي للشعب المسكون بفكرة الرحيل وتجديد الأرضية (تبدال لمراح) أو بواقع من الصدفة أن تخلق شعورا لدى هؤلاء --حتى وإن كان زائفا-- بأنه قد تم تجاوز العقبات التي كانت تقف في وجه العربة وأن الرحلة قد بدأت مجددا.
ولهذا ورغم أن العربة من الناحية العملية لم تراوح مكانها وأن العقبات لم يتم تذليلها إطلاقا، وإنما تم تحاشيها و خلق المزيد من جنسها، فإن تحولا طفيفا في الوجهة صنع في مخيلة الأمة الرحالة هذه مع مرور الوقت وهما بحدوث حراك بسبب التغير اللحظي في نوعية التضاريس الماثلة أمامها عينيها.
ومع أنه من الصعب أحيانا التكهن بمدى قدرة البشر على خداع ذواتهم من خلال نسج الأساطير حول ماهيتهم وكيانهم، ولا نهائية الإتجاهات والمسارات داخل الخيال البشري ذاته، فإنه كان جليا منذ البدأ أن محدودية الجهات (أربع، أو ثمانية بإعتبار خلق جهات بينية) في رحلة أفقية على سطح الارض تجعل من حراك هذه العربة عملا سيزفيا محكوما عليه ليس فقطا بعدم الجدوائية بل بالفناء أيضا ما لم يحصل أحد أمور ثلاث:
1-المسح الجماعي لذاكرة راكبي العربة بحيث يمكن إعادة توجيههم نحو المعالم التضاريسية التي مروا بها سابقا دون التعرف عليها،
2-إستبدال هؤلاء بجيل جديد من الركاب وتكرار نفس السناريو لعقود من الزمن حتى تكمل العربة نوح الجهات كلها.
3-الإتفاق الجماعي الحاصل بالإكراه الفكري أو المادي على التحرك في إتجاه معين مهما تكن المطبات والصعاب والصبر في مواجهتها.
وهكذا و على طيلة العقود الأربعة الماضية من تاريخ البلد كانت الظروف بإستمرار مهيئة لإستخدام الإحتمالين الأول والثاني فقط، في حين ظل الإحتمال الثالث مغيبا لسهولة تبني أحد الأولين وللمشقة والعنة المترتبين لا محالة على الأخير.
فالقصر النسبي للأعمار في البلد تكفل بخلق الجيل الناشئ الغض الذي لم يملك أكثر من مزيج من الوعي الضبابي الأركان الأسطورة وعدم المبالات بتفاصيلها على أي حال، كما أن التخلف على مستوى الخدمات الصحية كان قمينا بأن يخلق من أوائل الركاب جيلا ضعيفا إلا من قدرته على الإيمان بالرحلة وتحركها حتى وإن كان لا يكترث على أي إتجاه تحصل فكل المومنين على يقين أنه : أينما تولوا فثم وجه الله... وبهذا تم الإستغناء عن تقنية مسح الدماغ المكلفة وغير المتوفرة أصلا!
وقد عمدت النخب المتحكمة إلى إستخدام كلا الاسلوبين في الماضي بشكل إنفرادي أو تركيبي وبمستوى لا بأس به من النجاح..غير أنه في السنوات القليلة الماضية أصبح ثمة نوعا من التململ وعدم الرضا عن هذا النوع من الأسالبيب...فكثرة تكرار تغير وجهة الرحلة خلق نوعا من السآمة لركاب العربة الذين لم يعدوا مقتنعين بجدوائية الرحلة-الأسطورة لغلبة الرتابة وغياب عناصر التشويق عليها. ثم زاد الطين بلة أن الأجيال الجديدة من ركاب العربة أفتقدت عنصرين أساسين تحلى بهما الجيل القديم ساهما بشكل أو بآخر في إستمرارية الجانب الروحي (على الرغم من غياب الجانب الفيزيائي أصلا) من الرحلة:
-أول هذين هو أن الأجيال الجديدة لم تمتلك أو تكن قادرة على خلق رحلة موازية كما هو شأن الجيل القديم وبالتالي كانت متعطشة لحصول تقدم ما كي تبرهن لذاتها أن ما آمنت به حقيقة لا وهم...فالحقائق بالنسبة لهذه الأجيال تساوي الحس، فما ليس محسوسا لا وجود له، وهذا بدون شك مرد عدم قدرتها على فهم سر النشوة التي وجدها الأجداد في الإيمان بجدوائية ( أو أخلاقية تبريرات "النخبة" ل) رحلة تبدأ من وسط الوادي إلى الكثبان المحيطة به من كل الإتجاهات ثم العودة مجددا إلى قلبه كل مساءا قبل أن ينام أصحابها على وقع الأغاني إحتفاء بالنصر على عاتيات الزمن الكفور.
-وثانيهما هو أن هذه الأجيال الجديدة وجدت نفسها في عالم مسكون ليس فقط بالحركة وسرعتها وإنما بالبحث عن الثمار الآنية لها...ففي العالم الذي ولد فيه هؤلاء لا وجود لفضيلة أسمها الصبر..فلو مثل الصبر بشرا لهؤلاء لظهر عجوزا شمطاء، عجزت عن الزواج أيام شبابها وخافت من الإنتحار على شيخوختها!
هذه الحالة فاقمت من الأزمة المزمنة لحركة عربة بني شنقيط، فلم تعد المشكلة مجرد إختفاء الجانب الفيزائي من الرحلة وإنما أيضا باتت دابة الأرض (الشك والقلق) تأكل من جوانبها الروحية والأسطورية بوتيرة متسارعة تنذر بتهاويها في نهاية اليوم وقبل حلول الغد. وهو مايعني أنه آن الأوان لكي يعطى الإحتمال الثالث فرصة كي يبرهن جداوائيته أو عدمها.
لكن الإحتمال الثالث على أي حال أكثر تعقيدا مما هو ظاهر، فلكي يتسنى لركاب العربة الإتفاق على السير في إتجاه واحد والدخول في حرب ضروس مع أحد الكثبان الرملية الشامخة شموخ الجبال والضاربة بأوتادها في أعماق الأرض والتي تقف سدا منيعا يحول بينها وبين العالم الخارجي، بينها والمجهول بكل أمله الواعد وأشباحه المخيفة، لكي يتسنى ذلك لا بد من التعامل بشيئ من الجرأة والحزم مع ألئك الذين تولوا قيادتها على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الماضية. والتعامل مع هؤلاء يحتم ليس فقط إعادة تقسيم الأدوار على مستوى القيادة وإنما أيضا قلب الأسس الطبقية والفكرية المعمول بها (وليس التي يكثر الحديث عنها أو بها) رأسا على عقب، وهو عمل يحتاج إلى عقول حصيفة وأيد ماهرة، وإلى القدرة على التحمل والكثير الكثير من الوقت... وهي خصال لم تساعد سنوات الرحلة-المقيمة والحركة-الساكنة على خلقها أو حتى صيانة ما كان قائما منها!
أول خطوات هذا الإنقلاب (الذي يمكن أن يحصل ديموقراطيا) هو التخلص من كل "النخب" والشخصيات التي تولت بشكل مباشر أو غير مباشر توجيه العربة في هذا الإتجاه أو ذاك، أو التي عملت على تبريره أو التي إستفادت—حتى ولو لم تتبوأ مركزا قياديا—من عملية الرحيل جيئة وذهابا من وإلى قعر الوادي. ومبررات عمل من هذا القبيل هو أن هذه المجموعات—حتى مع إفتراض حسن النوايا— لا يمكنها أن تكون جزءا من الحل لأنها ولكثرة ما عاشت من خداع ذاتها وغيرها، ولكثرة ما تعودت التهرب من مواجهة العقبات أصبحت تعيش حالة من الإنفصام والإنهزام النفسين يجعلانها غير قادرة على تمييز الحقيقة من الوهم، واليمين من الشمال وبالتالي غير مؤهلة للوقوف في الصفوف الأمامية. وستكون هذه الخطوة العقبة الكئداء في طريق تحريك عجلات العربة، فلن تتخلى هذه النخب طواعية عن مراكزها، وستقاوم ذلك بكل ما آوتيت من قوة ونفوذ. بل إنها ستروج لآلاف الأعذار والمبررات والترهات التي تراها دليلا لا يقبل تنوع التآويلات على خبرتها في الحركة وقدرتها على القيادة..وأكثر من ذلك ستحاول التشكيك في أي محاولة إنقاذ لا تشارك فيها، وفي خضم التفاني في التمكسك والتشبث بالسلطة سيلعن بعضها بعضا، أولها آخرها، وصغيرها كبيرها...وليبراليها محافظها...يلقي باللائمة أصحاب الشوارب منها على أصحاب اللحى، ويتبرأ أهل العمائم فيها من أهل "الأعراف"...ستكون ملحمة حقيقية تواجه فيها "العامة" الخاصة، ملحمة تقول فيها الدهماء "للنخب" التي حكمت عليها بالحماقة و قصر اليد والحيلة إن زمن النخبوية قد ولى بلياليه الطويلة المظلمة، بخطبه الطنانة وخطوبه المدلهمة، وقد بزغ فجر الرعاع.
صحيح أن هؤلاء لايتكلمون لغة الأغراب ولا يأتمرون بأمرهم، وصحيح أيضا أن هؤلاء لا يملكون أحمالا من الشهادات من كبريات الجامعات...كما أنهم ليس بهم كبير خبرة في السياسة ونظم الحكم...صحيح أيضا أنهم يفهمون أن "النخب" سوف تستخدم هذه النقاط ضدهم وسوف تصمهم بالتهور والجهل....لكن عليها أن تتجاهلهم لعلمها على جهلها أنه لو كان لكلامهم تأثير على مجريات الأمور لكنا في واقع مختلف وفي صراع من نوع آخر...عليها أن تفعل ذلك لأنها بوسعها أن تفهم على تواضع معرفتها بالحساب أنه لو صدق هؤلاء مرة من كل مائة لكان النقاش اليوم حول إنقاذ الكون وليس عن كيفية ترقيع عجلات العربة المتهالكة التي نمتطي هيكلها...
لعلمهم بهذا ستعرض العامة عن الخاصة إمتثالا لأمر الله : وأعرض عن الجاهلين...
نعم جاهلة هي هذه النخبة لأنها على سعة إطلاعها كمثل الحمار يحمل أسفارا... لم تعرف كيف تستنير بالعلم ولا كيف تتحرر به من قيودها التي صنعتها لنفسها، نعم لم تتعلم من العلم التواضع أو الجد، فهي متطاولة على قصر قاماتها وكسولة على فاقتها...أجسامها ضخمة وأفكارها ضحلة.
وعندما تتم تصفية ملف "النخب" باسلوب راق ومتحضر لا تراق فيه الدماء ولا تسحل فيه الأجسام، تصفية يحترم لهم فيها ما بقي من إنسانيتهم على الرغم مما عرف عنهم من إحتقارها في أشخاص الأخرين، عندما يتم ذلك يكون الوقت قد حان لتخطوا العامة الخطوة الثانية في طريق الإصلاح.
في هذه الخطوة يتوجب على العامة البحث عن نوع نادر من الناس، قوم لا يكثرون عند الحملات ولا وقت توزيع المناصب والوزارات...أناس متعلمون لكنهم لم يصرفوا ثمرة علمهم وشبابهم في التزلف إلى المسؤوليين أو في التغرير بالمساكين...قوم أغنياء بعفتهم وأقوياء بمبادئهم...قوم أفكارهم قويمة وقلوبهم سليمة...عندما تراهم قد لا تعجبك أجسامهم...ولن يسحروك إن تسمع لقولهم...كلامهم قليل وتفكيرهم طويل... حالمون لكنهم واقعيون، قوم تقول عنهم خاصة العامة...أخذوا من المعرفة لبابها ومع ذلك قد سلموا من النخبوية وتيهها. سيكون عملا شاقا البحث عن هؤلاء، لندرتهم وعدم شهرتهم...لكنه لن يعوز العامة الإهتداء إلى مواقعهم فقد وقفوا دوما إلى جنبها وحملوا نصيبهم من همومها. سيعين هؤلاء قادة البلاد دون الكثيرة من الجلبة والطنين.
ولن يتخذ هؤلاء قصورا فخمة ولا جيوشا ضخمة....لن يطلبوا الدعم من أهل الغرب ولا من أهل الشرق...سيكونون صريحيين مع أنفسهم ومع شعبهم...لن يقيموا خطبا ومواعظ، ولن يتخذوا بطانة ولا حاشية ولن يخلقوا سدا من البيروقراطية يفصلهم عن مشاكل الناس وحياتهم...
أيام وأسابيع شمر فيها عن السواعد سقيت فيها الأرض مزيجا من عرق النخبة والعامة ثم لم يلبث أن بدأت الرحلة في تناغم وإنسجام تام بين إقاعها الروائي الملحمي وواقعها الجهادي الفيزيائي...ستتحرك العجلات...سوف تذلل الصعاب!
وبعد أن تستوي العربة في سيرها وهي تقطع الفيافي مهمها مهمها في طريقها إلى البحر سوف يتاح ل"النخب النخبوية" الإطلاع على ما تم إنجازه فيصيحوا في دهشة "إنها تسير، إنها تسير ...هذا ما وعدنا الله ورسوله...!"







