تاريخ الإضافة : 04.12.2010 23:00

ألف مبروك لقطر...!

عبد الله ولد أفاه
مستشار شؤون خارجية
ouldfah@yahoo.fr
دخلت قطر التاريخ من بابه الواسع، حينما منحتها الاتحادية الدولية لكرة –الفيفا- شرف نيل استضافة كأس العالم 2022، كأول دولة عربية وشرق أوسطية تنال هذا الشرف الدولي الكبير، الذي يحمل في طياته الكثير من الدلالات والعبر،والذي نعتز ونفتخر به كعرب ومسلمين. لكن قبل ذلك كله، كيف نجحت قطر - هذه الدولة ذات المساحة الصغيرة والإمكانات الكبيرة- في استضافة حدث من هذا الحجم الكبير؟ وأمام من؟ أمام الولايات المتحدة الأمريكية -بكل ما تحمل الكلمة من معاني- ؟

ثم كيف استطاعت قطر إقناع –الفيفا- بملفها الرائع؟ ما هذه العصا السحرية التي حملها ملف قطر؟ ولماذا نجحت قطر، في هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبيا، في حين فشل آخرون كثيرون؟ هذا بالإضافة إلى العديد من الأسئلة الأخرى التي تطرح من هنا وهناك...؟ نحن نعلم بأن كأس العالم ليست لعبة كرة قدم فقط، تتنافس من خلالها مجموعة من المنتخبات العالمية، إنها أكبر من ذلك بكثير...!

كما أن كرة القدم ذاتها لم تعد تلك اللعبة الشعبية الأولى في العالم ، التي تحمل معها الكثير من التنافس الإيجابي والشيق، بل أصبحت اليوم عبارة عن سوق عالمية كبرى تحوي العديد من الاستثمارات الضخمة، فالميزانيات الكبيرة التي تنفقها كبريات الأندية العالمية اليوم على أنديتها وعلى لاعبيها تفوق بكثير ميزانيات بعض دولنا العربية، كما أن هذه الاستثمارات تفوق كثيرا تلك الاستثمارات التي تنفقها الدول العربية على التنمية داخل دولها، هذا بالإضافة إلى أن عائدات تلك الأندية والتي تقدر بمليارات الدولارات، تفوق بكثير العائدات التي تجنيها بعض الدول العربية من استثماراتها المختلفة، وبالتالي فإن الأندية العالمية الكبرى اليوم تحمل داخلها من المقومات ما يجعلها في مصاف الدول، وحتى أنها قد تفوق الدول أحيانا؟.
أما الاتحادية الدولية لكرة القدم- الفيفا-، أو لنقل "مملكة الفيفا"، الراعي الأول والرسمي لهذه اللعبة الدولية، فحدث ولا حرج، إنها لم تعد مجرد –إتحادية-بل أصبحت "مملكة" في حد ذاتها، بسبب ما تحمل من إمكانيات كبرى، جعلتها تتحكم في معظم الاستثمارات العالمية ، بل إنها اليوم باتت تتحكم في الدول ذاتها من خلال الاستثمارات الضخمة التي تستثمرها عبر مختلف العالم، خاصة في دول العالم الثالث، هذا طبعا بالإضافة إلى الهالة الإعلامية الكبرى التي تملكها تلك الاتحادية "المملكة"، وبالتالي فإن كرة القدم اليوم أصبحت تتحكم في أهم مصادر المال العالمي، وفي الإعلام الدولي، وحتى في السياسة الدولية...!

رغم كل ذلك-وأشياء أخرى- لا يمكن لنا طبعا أن نتجاهل الدور الايجابي الذي تلعبه كرة القدم، كمصدر أساسي لبث ثقافة السلم والأمن الدوليين، التي نحن في أمس الحاجة إليهما، ونشر ثقافة التعريف بالدول والأمم، وبث روح النضال والتضحية في صفوف الشباب...، هذا طبعا، إلى جانب ما تخلفه هذه الرياضة من استثمارات ضخمة قد تعود بالنفع الكبير على البلد، إذا ما تم استغلالها الاستغلال الأمثل!. لكن، ما دامت كرة القدم بهذا الشكل الكبير من الأهمية، فلماذا فازت قطر –الدولة العربية الصغيرة- باستضافة هذا الحدث العالمي الكبير؟.


لقد فازت قطر،لأنها آمنت بقدراتها وإمكانياتها الذاتية، فازت قطر بالعمل والجد والمثابرة، فازت قطر بفضل قدرات وإمكانات أبنائها، فازت قطر بقيادتها الرشيدة، فازت قطر بسفرائها الأمناء الذين حملوا ملفها، والذين آمنوا منذ اللحظة الأولى، بأن مبدأ الثقة في الفوز، هو أساس النجاح، فازت قطر بدبلوماسيتها الناجحة- ليس فقط على مستوى كرة القدم، بل على كافة المستويات-، فازت قطر لأنها آمنت بأن الطموح والشجاعة والحكمة، هما وحدهما القادران على تحقيق المستحيل، فازت قطر لأن العرب يستحقون الفوز، ولو لمرة واحدة، على الأقل!، فازت قطر لأنها -بكل بساطة- تستحق الفوز.

لقد أعطت قطر بذلك الفوز الباهر، رسائل عميقة الدلالة، ليس للعالم العربي فقط، بل للعالم أجمع، أنه بالجد والعمل المثابرة والإخلاص، يمكن للمرء أن يصل إلى المستحيل، وفي فترة وجيزة، ليس فقط في مجال كرة القدم، بل في الميادين الأخرى المتنوعة، كما أن الاتحادية الدولية لكرة القدم-الفيفا-، أرادت أن تبعث برسائل أخرى إلى العالم، بأن كرة القدم هي الطريق الوحيد والوسيلة المثلى لنشر المحبة والسلام بين الأمم والشعوب، وبأن العالم اليوم أصبح عالم الطموحات والخيال.

إن نجاح قطر في استضافة كأس العالم-بكل ما يحمل من دلالات- ليس نجاحا لقطر فقط، إنه نجاح لنا كعرب ومسلمين، بل هو نجاح للعالم الثالث والعالم أجمع. لقد فرحنا جميعا كعرب بهذا النجاح العظيم، لأننا أحسننا أنه بالرغم من واقعنا المزري اليوم، فإننا مازلنا قادرين على التأثير في العالم، وأن هناك دولة عربية وإسلامية قادرة على تنظيم هذا الحدث العالمي الكبير الذي يجلب نحوه الملايين من البشر، كما أحسسنا من ناحية أخرى، بأننا قادرين على هزيمة أمريكا- ولو على مستوى كرة القدم على الأقل-!. نحن نعرف بأن قطر والعالم العربي أجمع أمام تحدي كبير، لكننا نؤمن بأن قطر ستنجح -كما نجحت دوما- في ذلك التحدي الكبير، بسبب الإمكانيات والطاقات الهائلة التي تتوفر عليهما،

كما أن الفترة الزمنية الطويلة نسبيا، التي تفصلنا عن هذا الاستحقاق كفيلة بتحقيق ذلك الهدف، هذا بالإضافة إلى التجربة الناجحة التي تمتلكها قطر في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى( الألعاب الآسيوية في الدوحة 2006- كأس العالم للشباب...)، لذلك فإننا سنظل جميعا وراء قطر من أجل إنجاح ذلك الهدف النبيل، كما أننا ندعو كافة الشعوب والحكومات العربية والإسلامية، إلا الوقوف يدا واحدة وراء قطر، حتى إن تطلب الأمر الدعوة إلى انعقاد قمة عربية استثنائية في الدوحة، هدفها الوحيد هو دعم قطر في إنجاح هذه التظاهرة الدولية الكبرى، وإعطاء الصورة المثلى للعالم بأن كرة القدم هي رسالة محبة وسلام بين كافة الشعوب، وأن ما فرقته السياسة قد تجمعه الرياضة، ولو إلى حين!.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026