تاريخ الإضافة : 29.11.2010 10:21

موريتانيا وتحديات ما بعد الخمسين

الشريف الطاهر ولد محمد محمود
أن يبلغ الإنسان الخمسين يعني شيبا يتسلل إلى الرأس لكنه يعني كذالك تركيم كم معتبر من الخبرات والتجارب ، وبالتأكيد وقفة تأمل في المسير و تأمل في ا لمصير، حساب مع الذات يستعرض فيه المرء انجازاته ، كيف سيذكره الناس ، ما الذي خلفه من مجد أو جلبه من عار على أهليه وبنيه، ما مستوى الأمان الذي أزاح به عنهم عاديات المستقبل خصوصا وهو يرى نذر الشيخوخة تبطش بقوام كان يتوثب نضارة وقوة، ثم هو يتساءل ما الذي حضر لحياة جديدة في عالم تحكمه قوانين مغايرة لذاك الذي عاش فيه سابقا.
هذه الرؤية المبسطة لحياة فرد عادي قد تجد في ثناياها ما يصلح للمقارنة مع حياة دولة سواء قامت على عصبية خلدونية او على عقد اجتماعي صريح او ضمني.

الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي برزت قبل خمسين عاما هي بلا شك تجسيد لخصوصية محلية خافت الذوبان في المحيط ، خصوصية كان وعاؤها الحاضن تشبث عميق بالإسلام وقيم مجتمع الحل والترحال ذي الجذور الممتدة في الشرق الأبعد*، والممزوجة ببعض من مميزات الغابة الأقرب وشيء من التعارض بين المنمي والفلاح، لكن هذا الميلاد كان كذالك انسجاما مع غايات قوم رأوا أن خير وسيلة للاستحواذ على ثروات الشعوب هي حرمانها من الشروط الموضوعية اللازمة لاستغلالها الاستغلال الأمثل مستحضرين دائما و بقوة المثل المطلوبة لخدمة ذالك الغرض من قبيل حماية الخصوصية الثقافية والعرقية واحترام حقوق الإنسان
هذه الثنائية حكمت إلى حد كبير التطور اللاحق للكيان الوليد سواء أخذت شكل المشاريع المتعارضة مابين المرحومين داداه و حرمة او شكل التوترات الحقيقية والمفتعلة بين مكوناته او طابع السعي لأخذ موقع على الخريطة.

برزت الدولة وفرح الناس بها لأنها كانت في حينها شيئا مطلوبا لذاته باعتبارها وسيلة لإنهاء قهر الاستعمار المباشر ، لكن معوقات عدة صعبت المهمة على مؤسسيها الرواد وعلى من جاء بعدهم في إقامة بنيات عصرية لدولة حديثة رغم ما امتلكه بعضهم من حس سياسي عالي من هذه المعوقات:
• الانطلاق من الصفر تقريبا غداة ميلاد الدولة الجديدة
• عقدة المشروعية لجيل استلم السلطة دون دفع الثمن الباهظ الذي يتطلبه عادة افتكاك الاستقلال من المحتل، وهو ما جعل هذا الجيل مجبرا على التكيف مع الواقع الاجتماعي القائم دون سعي كبير لتغييره (هيمنة القبيلة، الهرمية الاجتماعية الصارمة....) فغابت مثلا الإصلاحات العقارية ولم يأخذ الإصلاح الاجتماعي الأولوية المطلوبة.
• شعور زائد بالانبهار بالآخر لدى بعض هؤلاء الرواد من قبيل ذالك الذي يحسه المرء حين تطأ قدماه أرضا أجنبيه لأول مرة فيغرق إثرها في سيل من المقارنات بين واقعه وواقع غيره ليستعير حلولا وأشياء أخرى لا تلائمه بالضرورة ، أمر رتب نتائج خطيرة كان منها عدم الحسم في تحديد هوية الكيان الجديد والتقييم المنخفض لموروث الشعب الثقافي – السخرية من معلم العربية في الستينات- لتبرز نخبة منغلقة على نفسها تتراطن فيما بينها وهوما سهل لاحقا تدوير التمويلات والعبث بالمنافع العامة .
• ميراث طويل من الاستغناء عن الدولة عبر تنظيمات وآليات محلية مما أعاق بروز ثقافة مطلبيه مع بعض الاستثناء اتتفرض التغيير وتضغط باستمرار لتحسين الأداء ..
• تعقد الواقع الاجتماعي المحلي بمكابحه وسلطه المتعددة مما جعل امتلاك السلطة السياسية للقرار لا يرادف بالضرورة امتلاك وسائله التنفيذية الفاعلة.
• عقدة الشرعية بالنسبة لأنظمة ما بعد 78 حتى 1991 ، ثم ترهل في المؤسسية و تغول واضح للحاكم مع نهاية التسعينات.
ومع أن هذه الفترة الأخيرة شهدت حالة من عدم الاستقرار إلا أنها ورغم ما يرى البعض ممن يسمونها بأحكام الاستثناء قد أحدثت تأثيرات عميقة على مسار التحول السياسي والاجتماعي للبلاد قوانين التعددية ،النسبية، كسر تابوهات اجتماعية مثلا.

بمقاييس الفرص الضائعة و مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحققة يبدو الانجاز متواضعا فخلال الفترة 73-93 مثلا ورغم التدفق الهائل للتمويلات الخارجية لم يزد دخل الموريتاني بما يسمح له بشراء كيلوغرام من الأرز وظل الحراك الاجتماعي محدودا. ويبدو اليوم مشكوكا فيه إن لم يكن مستحيلا تحقيق البلاد أهداف الألفية في أفق 2015 ما لم يتم بذل جهود استثنائية،إذ لا تزال الجمهورية في الصف المتأخر من دول العالم بالنسبة للعديد من المؤشرات التنموية .
مع ذالك فان نظرة لواقع بعض مجموعات البيظان في الفضاء الإقليمي ولبعض الأقليات تشي بان البديل عن الدولة ما كان أكثر إشراقا على أي حال ، كما أن مستوى من تجذ ر فكرة الدولة قد تحقق ، إذ تجلى في لحظات مفصلية من حياة موريتانيا كون الولاء للمؤسسية في بعض القطاعات ليس بتلك الهشاشة ، حيث لم يوفر الموقع الاجتماعي للفرد حصانة من إنزال العقاب باسم الدولة ، و قاتل الرجل أباه في حركة الثامن من يونيو.

مع ذالك فان موريتانيا اليوم وفي المستقبل المنظور تواجه تحديات حقيقية يتعين الوقوف عندها وحلحلة ما تطرحه من إشكالات كائنا ما كان الثمن اللازم لذالك ، من هذه التحديات :
- التواضع في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحققة في العقود الماضية.
- التفاوت الصارخ في توزيع الدخول والثروة وفي إمكانية الحصول عليهما، حيث يحوز 20% من السكان أكثر من 80% من الدخل ولا يتجاوز ما يحصل عليه 10% من السلم الأدنى 1% من هدا الدخل.
- التفاوت الصارخ كذالك في تخصيص الموارد والاستثمارات بين المناطق المختلفة فإذا كان الاغتراب والفساد والاستبداد ضيع نسبا معتبرة من الهبات والتمويلات الأجنبية فقد طبع التذاكي والبعد عن الموضوعية تخصيص المتبقي منها بين الولايات والمقاطعات المختلفة وهكذا فرغم كون الدستور ينص على أن الموريتانيين متساوين إلا انه ليس بديهيا أبدا إن قرية من 1000 ساكن يجب ان تكون احظي من أخرى بها عدد اقل من السكان وذالك عندما يتعلق الأمر بالحصول على نقطة مياه او طريق او مركز صحي؟
- الغبن الاجتماعي ممثلا في بطالة حادة وفي عدم تكافؤ في الفرص وفي مخلفات الرق وما تفرضه من تحدي يتمثل في تحسين الأوضاع الثقافية والمادية لشرائح عريضة من السكان بعيدا عن مزايدات أصحاب المآرب الخاصة.وفي عبودية اقتصادية مهينة تجسدها الأحزمة المحيطة بالمدن ممن لا يملكون مهارات ذهنية اوعضلية قادرة على توليد دخول .
- ما تفرضه الاستكشافات المعدنية والنفطية من تحديات ومخاطر إذ بقدر ما تشيع هذه الثروات الأمل في إحداث نمو سريع يزيح البؤس الاقتصادي فإنها تستحث المطامع العابرة للقارات لتتحول مصدرا لتفتيت الدول الرخوة,و منبعا لإثارة التوتر الإقليمي.
-
- الانفصام النفسي الذي يعيشه الإنسان الموريتاني إذ في الصباح لابد له من تقمص شخصيهpaul او jean حتى يقضي اربأ ويضمن مستوى من التواصل مع الجهاز الإداري للدولة وفي المساء تعيده أذكار المساء لشيء من ذاته.
- الميوعة الحضارية الزاحفة فجيل الموريتانيين الذي سار بالليل وركب الخيل وتمحظر واطل على مقطوعات من الشعر الجاهلي بدأ يختفي ليظهر جيل القرية الكونية بانترنته ومرجعياته العابرة للقارات وبمدبلحاته العولمية ، لذالك فلابد من نظام تربوي تعليمي يضمن تحصين الهوية تماما كما يؤمن من التقانة والتأهيل ما يواكب به العصر وترفع الإنتاجية.
في بلد منفتح وصغير يظل دور السياسة الخارجية النشطة صمام الأمان لتحصين الحوزة الترابية وضمان الفاعلية لذالك فان جملة ثوابت يتعين مراعاتها بهذا الخصوص منها :
1. اجتراح دور يجيد السير على الحافة بين الشقيقين الجارين مغاربيا سعيا لبلورة رؤية على مستوى الإقليم تشيع التكامل بدل التناحر ، دور يوظف عوامل القوة المادية والحضارية في العلاقة مع الجار لكنه يستحضر أن مستوى الارتباط الاقتصادي لبعض الموريتانيين ببعض من البلدان لا يزال اكبر من ارتباطهم بانواكشوط ، وان الإنسان الموريتاني وريث الدولة المرابطية التي أخرت سقوط الأندلس أربعمائة عام هو جزء من حالة غاضبة تعم المنطقة العربية والإسلامية جراء مظالم ألحقت بأجزاء واسعة منه في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان ،فإغفال هذه الحقيقة في رسم السياسة الخارجية قمع لتطلعات الناس ومكمن حقيقي للمخاطر . .
2- وضع حد لثقافة الارتهان للأجنبي ولتمويلاته وما رتبته من مخاطر تطبيق خططه ورغباته جاهزة معلبة، ثقافة وأموال ألزمتنا من قشور حضارة الغير ما لا يلزم – كتوزيع الواقي لمحاربة السيدا بدلا من التفكير في توفير الشغل و تيسير المهور وتطبيق الحدود –وذاك مجرد مثال . بالتأكيد نحن بحاجة للتمويلات و بحاجة كذالك لدرء مخاطر اللعب في فنائنا الخلفي لكننا ننسى كثيرا قيمة ما حبانا الله به من مخزونات إستراتيجية فالمواد الخام حيوية للاقتصاديات الصناعية،كما أن هناك الآن بدائل عدة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية و لا يستلزم الأمر بالضرورة توتير العلاقة مع البلدان الصناعية بقدر ما هو جهد لتصحيحها ولو بشكل جزئي .
3- الاستمرار في الخطوات المؤكدة على حقيقة الطابع الإسلامي للدولة، إذ لا يعقل أن يعدم الناس بالإبر السامة قرب تمثال الحرية ويوقف في الجمهورية الإسلامية الموريتانية تنفيذ الحدود في الجرائم الجنائية بفعل جماعات ضغط خارجية من هنا وهناك.
تلك تحديات ومقاربات نرى في التعاطي الجاد معها ضمانة لاستمرار واستقرار البلاد لأنه إذا كان الاستقلال عند الرواد المؤسسين شيئا مطلوبا لذاته فقد لا يكون كذالك عند هذا الجيل الذي ظهر فيه من يلح في السؤال عما وفر له هذا الاستقلال، وحين تكون الإجابة بالنفي فربما يشرع عندها – إن لم يكن شرع فعلا- في استهلاك بنيات الدولة ذاتها سواء اخذ ذالك الاستهلاك شكل الإهمال لكل ما هو عمومي او اخذ طابع العصيان وحمل السلاح في مرحلة لاحقة لا قدر الله.

لقد عرفت البلاد خلال الانتخابات الرئاسية للأخيرة-كائنا ما كان التقييم لما قبلها- خطابا جديدا ومقاربات تصلح إطارا للترميم والانطلاق ، والاهم أنها خرجت كذالك بقيادة أعادت بعضا من هيبة للدولة وأشاعت فسحة من الأمل في إمكان تدارك أخطاء الماضي( الحرب على الفساد ، الاقتراب من هموم الفقراء،السعي الحثيث للقيام بانجازات ملموسة، التركيز المتزايد على التمويل الذاتي للمشاريع من ميزانية الدولة ) و تلك شروط ضرورية لبلوغ الأهداف المعلنة لكنها بالتأكيد غير كافية ،لأنه لابد للمشاريع الكبيرة للإصلاح من إطار مؤسسي واضح و من قوى سياسية صاحبة مبدأ منظمة وحقيقية لتحمي ذالك الإصلاح خصوصا مع حجم الثارات الدولية والمحلية التي يخلفها ، ولابد كذالك من تكريس ثقافة احترام الرئيس كصاحب مأمورية دستورية لتخليص المشهد من ثقافة تمجيد الحاكم و من جوقة المتزلفين التي كثيرا ما تقدس الجالس على الكرسي لتلعنه متى زال ، زد على ذالك أن المرحلة الفاصلة بين تقاعد جيل وبروز جيل جديد من القادة وصناع الرأي تتطلب وجود آليات فعالة لحفظ حقوق كثيرين .
وكل استقلال وانتم بخير

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026