تاريخ الإضافة : 01.11.2010 12:06
أرواح رجال الصحراء
المصطفى ولد أحمد سالم الشريف
عرفت المجموعات البشرية عبر تاريخها الطويل الهجرات سواء كانت جماعية أو فردية ، حسب ظروف محددة لكل حالة . والهجرة هي انتقال الجماعة أو الفرد من بيئته الأصلية ، إلى بيئة أخرى غرض العمل أو الدراسة أو التوطن ، وقد تكون لأجل محدد ، وقد تكون مفتوحة ونهائية ، وقد تكون طوعية أو قسرية ، وقد عرف عالم اليوم موجات نزوح وهجرات متعددة الوجهات والأغراض ، وقد ساعد وسرّع من وتيرتها جملة عوامل منها اكتشاف بعض المناطق وسكناها ، والحروب ومآسيها والموصلات وتيسر سبلها ، والاتصالات وشيوعها ، مما سهل عملية التواصل والتقارب بين عالم أصبح بين يديك بمجرد لمسة أزرار . وقرار الهجرة بحد ذاته من أصعب القرارات التي يمكن أن تتخذها الجماعة أو الفرد ؛ فهي اقتلاع للفرد من بيئته مما يعني تحولات عميقة وجذرية في حياته ووجدانه ، وقد تكون الهجرة عامل إثراء للفرد والجماعة من خلال التأثر والإثراء من الثقافات والتجارب الإنسانية ، وقد تؤدي إلى التأكيد على الهوية والاعتزاز بالذات الوطنية والقومية ، من خلال إعادة اكتشاف هذه الذات والهوية بفعل المقارنة والنقد والتقييم ، ووضعها تحت التشريح والتنقيح جراء التفاعل الواعي مع الآخرين . وقد تأتي بنتائج سلبية تتمثل في تبني بعض القيم والعادات المتعارضة مع أخلاقيات ومبادئ مجتمعه الأصلي ، مع احتمال الذوبان والانطماس والانغماس في تلك البيئات التي يفدون إليها ونسيان الوطن الأم ، وقطع الصلات بالبلد الأصلي ؛ فيصبح كاللقيط ومجهول النسب ! الذي يصارع ويعمل جاهداً لتأكيد الذات ونيل الاعتراف ، ويعاني أبناء المهاجرين وخاصة الجيل الثاني والثالث نوعاً من الاغتراب الاجتماعي وهم في خضم محاولة الاندماج تلك .
كان ذلك مدخلنا لملامسة جزء من مشكل كبير مسكوت ومتجاوز عنه ، وكأن الخوض فيه من المحرمات والمحظورات ، التي تهدد الوحدة الوطنية ويدخل في الدعاية العنصرية ، وإن كان الأمر كذلك فهو شرف لا ندعيه . في مجتمع لا يتجاوز تعداده الثلاثة ملايين يصبح من الملفت للانتباه وجود قرابة المليون أجنبي بين ظهرانيه!!! مما يتحتم طرح السؤال ما الذي جاء بهم ولأي غرض وهدف ؟ وما الغاية التي تبرر وجودهم و بقائهم ؟ في مجتمع فقير يجتاح التصحر والأمية التي هي أخطر أشكال التصحر مدنه وبواديه ، وهي أنشط عوامل التفكك والتفجر. يصارع الصحراء عله يقيم صروحاً ، تبقيه وتحميه على أديم أرضه ، في عالم متوحش تتهدده الهجرات والمخاطر من كل نوع وصنف . أنا لا أريد أن أحاكم الدولة لأنها مجرد مجموع ناتج مجتمع ، هو مجتمعنا فلا نغالط أنفسنا ، والحكومة في المحصلة مجموعة أدوات وأفراد موكلون منتدبون لعمل يفترض أن يكون تكليفاً لا تشريفاً ، مجرد خدام مؤتمنون ومحاسبون إن قصروا ، ومثابون إن هم أحسنوا ، يتفاوتون في الوطنية والمهنية ، منهم من يحترق لأجل الوطن ، ومنهم من يستعد أن يحرق الوطن ، وينثر رماده على عتبة معبد شهواته ونزواته ورغباته المنفلتة ! ولكن أريد أن أخاطب المواطن واستنهض روحه الوطنية الوثابة ، التي هي الحارس المؤتمن على الوطن ، التي يُراهَن على وعيّها وحسّها ، بأن نكون قادرين على توجيه ورسم مسارات الحكومة وأجهزتها ، وأن تكون هذه الآلة والجهاز في خدمة المجتمع والوطن . و يجب أن لا يغيب عن وعينا ونحن نتناول دور هذا الجهاز ، استحضار التاريخ والأساس الذى قامت عليه الإدارة في بلادنا ، حيث تم جلب الإدارة الأولى الأم التي ولدت لنا ما شاء الله أن تلد ، من سانت لويس (الندر) من صغار الموظفين ، ووكلاء الأجنبي وترجمانيته ، وظلت تلك الإدارة " القوقعة الصغيرة " تنظر إلى دكار كباريس إفريقيا ! بعيدة عن المواطن في لغتها وشخوصها ، وبالتالي فإن بناء هذا أساسه لا يؤمل منه أن يحقق التنمية والبناء للوطن ، أو أن يرسخ الهوية وهو الهجين اللقيط ! فهم محكومون بعقلية السيد المستعمر الجابي للضرائب المتعالي ، والمتغطرس ، في تعامله ونظرته للمواطن والوطن . لا يؤمنون بالوطن ، تركوا حدوده مشرعة لم يُسيِّجوه وكأنه أرض مشاع ، يشهد على ذلك الواقع الشاخص الذى يُدين تسييرهم ، وتفضحه أرصدتهم ، ويطعن في انتمائهم ووطنيتهم ، وهم في قرارة أنفسهم ، وفي مجالسهم ، يشككون في تاريخه ، وهويته و بقائه ، وصلابة قواعده ، لذلك ظلت نظرة الشك والاحتقار لهذا الفضاء وساكنيه ؛ فالانتماء غائب والهوية مسلوبة هكذا أراد المستعمر أن يستعبدهم بثقافته للأبد لم يتحرروا بعد ، وهم يحتفلون في يوبيلهم الذهبي ! وقد وعمدوا إلى تحويل واردات الدولة في جيوبهم وحسابات ذويهم ، بعد أن أورثوا أسلوبهم الذي يجعلهم أقرب إلى صنف القوارض ، لأجيال من رجال ونساء الإدارة ممن يفترض أنهم درسوا وعاشوا في بيئات متطورة ، وأحسوا بالفارق والحاجة الأكيدة لبناء الوطن للحاق بالأمم ، في مستويات إدارتها الحازمة المنظمة ، ومواردها المسيّرة المصونة وعيشها الرغيد ، ولكن لنقف ونساءل أنفسنا ونحاسبها أين صاحب الشأن أين صاحب المصلحة الأول المواطن ؟ الجواب لن يكون ما دام صاحب شأن غائب محتجب ! عندما تصطف القوى الحيّة صاحبة مشروع التغيير حاملة مطالبها هاتفة بحقها في العيش بكرامة في وطنها ، فاضحة بالأسماء والأرقام مطالبة بمحاسبة المفسدين مسميّة الأشياء بمسمياتها ، داعية للقصاص بقطع رقاب وأيدي وأرجل السّراق التي يسعون بها فساداً . عجيب أمر هذا الشعب الذي يغفل عن العدو الداخلي ويتركه طليقاً يجوس خلال الديار يعيث فساداً ، هل من إرهاب أكبر من هذا ؟ متى ينزع الشعب الشرعية عن " سراق المال العام " أعداء الحياة والنماء . لا تقبل قبيلة أو أسرة في بلادنا أن يقال عنها : مرتشية سارقة للحياة خاطفة للأرواح ، مفسدة للأخلاق تشيع الفجور والسفور، تدعوا وتجاهر بالرذيلة !! ولكنها تقبل أن يكون من أبنائها وأعيانها من يفعل ! وتعطيه الحصانة وتضمن له الحماية والشفاعة ، وتوفر له آلات الدعاية ! لماذا لا يخرج البعض من هذه الشرنقة هذا الانفصام " ما نسرق يغير نمشي مع السراق"
سنصبح غرباء في بلدنا يتطاول علينا كل طريد شريد ، ما لم يتحرك المجتمع وفي المقدمة الشباب درع الوطن وحاميه ، وضامن وجوده ومستقبله ، ليقف بحزم أمام هذا الغزو الماحق الذي تخشاه وتخافه أقوى الدول وأغناها ، وهو الأخطر من كل تفجير إرهابي ، و من كل غزو عسكري أو غزو للجراد حتى ! إنه سلمى في ظاهره ، عدواني استيطاني في جوهره ، يستهدف الوطن في حدوده ووجوده ، ينمي التطرف والإرهاب فينا ، والسؤال للمواطن الحاضر الغائب وما ذا بعد ؟ الجواب لن يأتي ما لم تضع الدولة خطط واضحة وصارمة مبنية على استشراف مستقبلي يراعي حساسيات وهوية البلد ، وأن تأخذ الأحزاب الوطنية على عاتقها هذا الحمل وتدرجه ضمن برامجها السياسية والانتخابية ، وتعمل على توعية وتثقيف كوادرها وقواعدها بمخاطر الهجرة على البلد ، وتحاسب وتحاكم الدولة على كل تقصير وتسهيل . وإلا فإن الوضع سيفلت من أيدي الجميع ولن نتفاجأ عندها بوجود نازيين جدد من بيننا يصطادون المهاجرين ، و يجب أن تنتظم ندوات حوارية على غرار أيام الحوار حول الإرهاب ، للخروج برؤية قبل أن يدهمنا السيل العرم ، وعندها لا يمكن لوم الناس على تبني ثقافة الرفض وعدم التسامح ، وقد لدغوا وزوحموا من الأغراب وحوربوا في لقمة عيشهم ، وعندها كل سيعبر بوسيلته وأدواته تجاههم ، حتى أن أضعف الحلول سيكون كأضعف الإيمان مقاطعتهم والتضييق عليهم وإشعارهم أنهم غرباء دخلاء غير مرحب بهم ، ويمكن أن يلعب كل فرد ذلك الدور والأطفال سيكونون خير رسل " اللي شاف الصغير عند لكبير " من يشاهد حالنا مع المهاجرين سيتساءل هل لهؤلاء القوم خوف أو حرص ورغبة في وطنهم ؟ هل لهم غيرة على شرفهم ومحارمهم ؟ هل لهم خوف على مستقبل أجيالهم ؟ هل لهم حرص على مواردهم ؟ هل لهم شأن بثقافتهم وهويتهم ؟ هل لهم حرص على بيئتهم ومحيطهم ؟ هل لهم هاجس أو حسّ أمنيّ ؟ لا تجد ندوة من حزب تتناول هذا الجانب الذى يؤرق دول العالم ، لا تجد مظاهرات مناهضة مطالبة محتجة على مزاحمة الأجنبي الذي يلتقط اللقمة من جياع الوطن ، الذين يجلسون على قارعة الطريق ينظرون ببلاهة لقوافل وجموع اللاجئين تكتسح الشوارع والساحات ! الهموم في بلدي الذي شاخ مبكراً وأهله من الشباب وتحت سنّ الشباب ! كثيرة هي تتعثر بها متكومة أمامك ، كأكوام وأشياء أخرى حيث لا زال البعض يتبول و... دون حياء على قارعة الطريق ، عندما يستردوا حيائهم وإنسانيتهم وكرامتهم واحترامهم ويقنعوا بالحلال والستر ، سيحترمهم الرئيس والوزير و الوكيل والمندوب والقريب والبعيد والجار والمهاجر القار والعابر .
توقفت مرة في مطار ساحل العاج ، وتجاذبت أطراف الحديث مع أحد التجار الموريتانيين في ذلك البلد ، قلت له ما الذي يجركم ويسحبكم إلى إفريقيا جنوب الصحراء ؟ حيث الأزمات والحروب وبرك الدم ، وأهلها يفرون إلى الغابة خوفا من التطهير العرقي ، وسعيد الحظ منهم من يهاجر إلى الغرب ، ليس في سفن شحن العبيد ولكن في قوارب الموت " تعددت الأسباب والموت واحد " ! وقلت له كنت أتمنى أن تكون الهجرة الموريتانية خارج دوامة الموت هذه ، إلى أمريكا الجنوبية ، أو إلى جنوب شرق آسيا ، أو إلى مناطق متطورة في أوروبا ، وأمريكا كندا وأستراليا وغيرها ، طبعاً ليس الآن ؛ فأنا ضد الهجرة ولكن قبل الآن كان من الممكن أن تكون لنا جاليات في بيئات متطورة متمدنة تجلب لنا الخبرة والمعرفة ، قد يصنف كلامي هذا نوعا من التمييز! نعم تمييز إيجابي أبحث لقومي عن كل ما من شأنه أن يطور أساليبهم في التجارة في اكتساب لغات حية عالمية مع سلوك مدني ، ما يجلب لهم الأمن والسلام والطمأنينة . لنراجع دورنا ورسالتنا في إفريقيا اليوم ، هل لا زال الموريتاني يمارس دوره في نشر الإسلام والعربية بين تلك الأقوام ؟ هل نرضى أن يعيش شبابنا مدفونا في أحياء وقرى الزنج يقتله الخوف وينهش أسادهم المرض والبعوض ؟ تجارة المفرق بين جياع إفريقيا لن تغنيهم لن تنقلهم لواقع أفضل ، يأتي التاجر الفينيقي الماكر يفتتح وكالة بديكور راقي يجلب البضائع بالجملة ، يكلم الإفريقي مرتديا اللباس الأوروبي الأنيق باستعلاء واحتقار! يحترمه الإفريقي يعتبره ابن الرب يطيعه يخدمه بخنوع وخشوع يلقي إليه بالفتات ! أما عن نصيب الموريتاني فلا تسأل الحال يعني عن السؤال يرتدي الأسمال يقتات مما يقتات منه الزنجي البائس ، يخاطب الزنجي في تماوت بلغته الإفريقية التى ولدت ميتة ! لا يمكن أن تفيدك في القرية الموالية لكل قرية لغتها ! يطبخ ، ويصلي ، وينام ويقتات في دكانه يأتيه الفينيقي وبقايا الصليب يحتمل بضاعتهم إلى القرى المنسية والأزقة الموحلة ، يبيعها بصبر يحاسب الإفريقي و"يخنقه على الحبة " لأنها كل ربحه ومكسبه ، يأتي للشامي بالأرباح ، يظل في تجارة المفرق لا يخرج إلى يمين ولا إلى يسار ، يظل يحمل ديونه وأحلامه وآلامه ، في طريق طويل لا خط رجعة فيه ، عندما يأتي للوطن ينثر الدراهم في تباهي وتعالي عله يغطي وينسى تلك المرارات والإساءة التي يسمعها صباح مساء ، يهرب من واقع تملك روحه وجسده سحره ، عندما يستل قدميه من وحل إفريقيا يعود إلى رمال الصحراء المتحركة المتقلبة تلتهم بسرعة زاده لا يجد طريق آخر غير طريق سلكته القوافل منذ آلاف السنين ، وهكذا من كتبت عليه خطى مشاها ، ومن وقع في تلك الفخاخ لا يجد الفكاك ، وهكذا يرتحل القوم في هجرة عكسية وما دم الأمر كذلك ، علينا أن لا نستغرب غداً دعوة بعد أن بلغتنا دعوة قبلها بتغيير اسم بلدنا تطلب منا الوحدة مع الشطر الجنوبي ؛ فنحن أصبحنا بلداً واحداً وهناك دعوة لتأسيس هيئة علماء مركزية ، وقد فتحت المرجعيات الصوفية مكاتب لها عندنا وكأننا لم ندرك بعد العلاقة بين التصوف والسياسة والاستعمار ! ليست لنا ذاكرة نسينا مواقف بعضها من جاليتنا في ذروة الأحداث العنصرية التي استهدفتهم ! وربما غداً فريق كرة قدم مشترك ! وبمناسبة الكرة تذكرت نكتة تعرفونها أكيد أطلقها أكاديمي "متعدل " كان يرأس اللجنة الأولمبية الموريتانية تعليقاً منه على نتائج المباراة مع الشقيقة الجنوبية المتطلعة دوما للشمالية حيث الحدود منسابة انسياب الماء دون سد أو حاجز !
اليوم الكل يتابع نتائج الانتخابات في ساحل العاج بحذر! وقد لفت انتباهي اليوم صورة لسيدة عاجية أخلت رفوف متجرها المتواضع في قناة فرانس24 وقد بدت كمن يرقب إعصاراً قد يعصف ببلدها وحياتها وباب رزقها المتواضع وقد يكون الأهم عندها " قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق " وقد انتابني شعور مماثل لتلك السيدة ، ليس لأني صاحب مصلحة في ذلك البلد أو لدي قريب هناك ، ولكن لأن الجالية الموريتانية هناك لن تكون أحسن حالا من تلك السيدة العاجية وهي بين ذويها ، وهم الغرباء الذين يتوجه لهم كل الغضب كما عودتنا إفريقيا التي يحرق و ينتهب فيها البلد و ضيوفه عقب كل جولة انتخابية أو انقلابية .
وتساءلت ما الذي يدفع بهم إلى تلك المجاهل والمخاطر " شرماك على المُر قال الليّ أمَرْ منه " هذا هو حالهم يعني عن سؤالهم ! بلدهم غني كبير له إطلالة يحسد عليها ، لماذا لا يكون لديه منطقة حرة ؟ تزود دول الساحل الصحراوي وغيرها من بلدان القارة ! لماذا الموريتاني غير قادر على تنمية ماله وحفظه ونقله إلى وطنه ؟ لماذا يزحم ويحارب في بلده ؟ لماذا اعتماد سياسة إخلاء المكان وإجلاء العرب البيضان ؟ منذ الاستقلال الذى كان شهادة ميلاد لأقوام ، ونكبة على لغة وهوية قوم هم أهل الدار! من يقف وراء هذه المؤامرة ؟ نعم مؤامرة مخطط جهنمي ، لابد هناك من يسعده يعمل لأجل أن يخلوا له المكان ، من يعيق هذا البلد يريده كسيحاً مستباحاً ، يريد أن يفكك المنظومة الاجتماعية والفقهية ، حسب زعمه وما يحدثه شيطانه ، ألا ساء ما يمكرون وردت سهام الغدر إلى نحورهم . قد يكون منا ، قد يكون محسوب علينا ، إن مجرد التدقيق في تفاصيل المشهد الموريتاني يصيبك بصدمات نفسية ، يوقظ فيك الكوابيس وكل الهواجس ، ولكن رحمة الله قريب ، والصدمات هي من أنجع العلاج ؛ فالدواء مر مرارة الموت ، عندما تنهض روح الموريتاني كنسر يحمى سماء و وطاء وماء وطنه سيكون الوطن بخير عندما ننتصر لهويتنا نتصالح مع ذاتنا ؛ فوطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه ، ولن نجد فيه مكانا للعيش ، ولا أكل العيش حتى ، وهو ما يكاد ويوشك أن يقع ، لا تتركوا الوطن يقع من أيديكم بالله عليكم ، تأملوا الفلسطيني في دول الشتات ناجح ، متعلم ، ثري ، ولكن ينقصه ما لا يباع ، ولا يشترى ، ولا يوهب ، الوطن! حاولوا أن تحاوروه ، أن تستدرجوه ليحكي لكم لتحسوا مرارة ضياع الوطن ، العراق رمح الله في الأرض وجمجمة العرب أصبح نهبا للدخلاء الأعداء ، لم ينجده قريب ولا صديق ، وقد كان للجميع درع ومدافع ، أورد هذا الكلام للعبرة " ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد " وحتى لا يكون كلامنا ؛ كلام في كلام يثير المواجع والفواجع ، نريد أن نختم حديثنا المنثور في غير ترتيب ولا تنميق ، غايتها أن تلامس قلوب أهلنا أينما كانوا في الوطن والشتات . وسأسمح لنفسي بتقديم بعض المقترحات لعلاج بعض تداعيات هذا الملف المسكوت عنه المهجور من الأحزاب ، والمراكز البحثية والمنظمات المدنية ، وهي منتشرة كالفطر في بلادنا ولله الحمد :
• تعيين رؤساء للجاليات أو عن طريق الانتخاب من أصحاب الكفاءة والتجربة القادرين على وضع الحلول وربط علاقات بالجهات المختصة لجلب كل نفع ودفع كل ضر عن أبناء الجالية .
• تنظيم الجاليات من خلال برامج توعية وإرشاد من خلال لقاءات ومحاضرات تثقيفية وتعبوية .
• دفع أصحاب الخبرة العلمية والقدرة المالية في هذه الجاليات بالتواصل مع وطنهم الأم من خلال عروض ومحفزات تضمن استثماراتهم وتحميها وتفتح لهم فرص المساهمة في رعاية أنشطة موجهة للمواطنين في قراهم وبلداتهم كما تفعل كل الجاليات في العالم .
• إعطاء منح دراسية لأبناء الجاليات وفتح مجالات التوظيف ومنها المؤسسة العسكرية والأمنية التي يزعم البعض أنها تمثل سواده الأعظم الذي يحجب عنه الرؤية وهو يسير في دربه الذي يسد ولا يعيد .
• إنشاء المدارس الموريتانية الدولية تكون معتمدة تقدم منهج الدولة المضيفة مع المقرر الموريتاني في مواد التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والتربية الإسلامية .
• إنشاء البيت الموريتاني كنادي اجتماعي يوفر فرص اللقاء وإحياء المناسبات الوطنية والاجتماعية .
• تنظيم رحلات للجاليات وأبنائهم للوطن للوقوف على تاريخه وقيمه وزيارة مدنه العامرة بكنوز المعرفة التي خطت بمداد علمائنا .
• تحويل وزارة الشؤون الإفريقية لوزارة لشؤون المغتربين .
• وضع لائحة خاصة بأسماء موريتانيي الجنسية ومنعهم من شغل الوظائف والمراكز التي قد يشكل وجودهم فيها خطراً على البلد .
• العمال الأجانب مورد مالي معتبر للدول التي تطبق نظام الإقامة ولمواطنيها من خلال الرسوم والكفالة .
• العمل على وضع خطة وبرنامج لإعادة توطين المهجرين من العرب البيضان وضمان عودتهم الكريمة لبلادهم وتعويض المتضررين منهم من الحكومات السابقة ومن الفترة الاستعمارية وفرض تعويض من فرنسا للشعب الموريتاني الذي نكلت بمجاهديه ونفت وشردت بنيه و أهلكت ضرعه وزرعه ومكنت للغتها فيه .
عرفت المجموعات البشرية عبر تاريخها الطويل الهجرات سواء كانت جماعية أو فردية ، حسب ظروف محددة لكل حالة . والهجرة هي انتقال الجماعة أو الفرد من بيئته الأصلية ، إلى بيئة أخرى غرض العمل أو الدراسة أو التوطن ، وقد تكون لأجل محدد ، وقد تكون مفتوحة ونهائية ، وقد تكون طوعية أو قسرية ، وقد عرف عالم اليوم موجات نزوح وهجرات متعددة الوجهات والأغراض ، وقد ساعد وسرّع من وتيرتها جملة عوامل منها اكتشاف بعض المناطق وسكناها ، والحروب ومآسيها والموصلات وتيسر سبلها ، والاتصالات وشيوعها ، مما سهل عملية التواصل والتقارب بين عالم أصبح بين يديك بمجرد لمسة أزرار . وقرار الهجرة بحد ذاته من أصعب القرارات التي يمكن أن تتخذها الجماعة أو الفرد ؛ فهي اقتلاع للفرد من بيئته مما يعني تحولات عميقة وجذرية في حياته ووجدانه ، وقد تكون الهجرة عامل إثراء للفرد والجماعة من خلال التأثر والإثراء من الثقافات والتجارب الإنسانية ، وقد تؤدي إلى التأكيد على الهوية والاعتزاز بالذات الوطنية والقومية ، من خلال إعادة اكتشاف هذه الذات والهوية بفعل المقارنة والنقد والتقييم ، ووضعها تحت التشريح والتنقيح جراء التفاعل الواعي مع الآخرين . وقد تأتي بنتائج سلبية تتمثل في تبني بعض القيم والعادات المتعارضة مع أخلاقيات ومبادئ مجتمعه الأصلي ، مع احتمال الذوبان والانطماس والانغماس في تلك البيئات التي يفدون إليها ونسيان الوطن الأم ، وقطع الصلات بالبلد الأصلي ؛ فيصبح كاللقيط ومجهول النسب ! الذي يصارع ويعمل جاهداً لتأكيد الذات ونيل الاعتراف ، ويعاني أبناء المهاجرين وخاصة الجيل الثاني والثالث نوعاً من الاغتراب الاجتماعي وهم في خضم محاولة الاندماج تلك .
كان ذلك مدخلنا لملامسة جزء من مشكل كبير مسكوت ومتجاوز عنه ، وكأن الخوض فيه من المحرمات والمحظورات ، التي تهدد الوحدة الوطنية ويدخل في الدعاية العنصرية ، وإن كان الأمر كذلك فهو شرف لا ندعيه . في مجتمع لا يتجاوز تعداده الثلاثة ملايين يصبح من الملفت للانتباه وجود قرابة المليون أجنبي بين ظهرانيه!!! مما يتحتم طرح السؤال ما الذي جاء بهم ولأي غرض وهدف ؟ وما الغاية التي تبرر وجودهم و بقائهم ؟ في مجتمع فقير يجتاح التصحر والأمية التي هي أخطر أشكال التصحر مدنه وبواديه ، وهي أنشط عوامل التفكك والتفجر. يصارع الصحراء عله يقيم صروحاً ، تبقيه وتحميه على أديم أرضه ، في عالم متوحش تتهدده الهجرات والمخاطر من كل نوع وصنف . أنا لا أريد أن أحاكم الدولة لأنها مجرد مجموع ناتج مجتمع ، هو مجتمعنا فلا نغالط أنفسنا ، والحكومة في المحصلة مجموعة أدوات وأفراد موكلون منتدبون لعمل يفترض أن يكون تكليفاً لا تشريفاً ، مجرد خدام مؤتمنون ومحاسبون إن قصروا ، ومثابون إن هم أحسنوا ، يتفاوتون في الوطنية والمهنية ، منهم من يحترق لأجل الوطن ، ومنهم من يستعد أن يحرق الوطن ، وينثر رماده على عتبة معبد شهواته ونزواته ورغباته المنفلتة ! ولكن أريد أن أخاطب المواطن واستنهض روحه الوطنية الوثابة ، التي هي الحارس المؤتمن على الوطن ، التي يُراهَن على وعيّها وحسّها ، بأن نكون قادرين على توجيه ورسم مسارات الحكومة وأجهزتها ، وأن تكون هذه الآلة والجهاز في خدمة المجتمع والوطن . و يجب أن لا يغيب عن وعينا ونحن نتناول دور هذا الجهاز ، استحضار التاريخ والأساس الذى قامت عليه الإدارة في بلادنا ، حيث تم جلب الإدارة الأولى الأم التي ولدت لنا ما شاء الله أن تلد ، من سانت لويس (الندر) من صغار الموظفين ، ووكلاء الأجنبي وترجمانيته ، وظلت تلك الإدارة " القوقعة الصغيرة " تنظر إلى دكار كباريس إفريقيا ! بعيدة عن المواطن في لغتها وشخوصها ، وبالتالي فإن بناء هذا أساسه لا يؤمل منه أن يحقق التنمية والبناء للوطن ، أو أن يرسخ الهوية وهو الهجين اللقيط ! فهم محكومون بعقلية السيد المستعمر الجابي للضرائب المتعالي ، والمتغطرس ، في تعامله ونظرته للمواطن والوطن . لا يؤمنون بالوطن ، تركوا حدوده مشرعة لم يُسيِّجوه وكأنه أرض مشاع ، يشهد على ذلك الواقع الشاخص الذى يُدين تسييرهم ، وتفضحه أرصدتهم ، ويطعن في انتمائهم ووطنيتهم ، وهم في قرارة أنفسهم ، وفي مجالسهم ، يشككون في تاريخه ، وهويته و بقائه ، وصلابة قواعده ، لذلك ظلت نظرة الشك والاحتقار لهذا الفضاء وساكنيه ؛ فالانتماء غائب والهوية مسلوبة هكذا أراد المستعمر أن يستعبدهم بثقافته للأبد لم يتحرروا بعد ، وهم يحتفلون في يوبيلهم الذهبي ! وقد وعمدوا إلى تحويل واردات الدولة في جيوبهم وحسابات ذويهم ، بعد أن أورثوا أسلوبهم الذي يجعلهم أقرب إلى صنف القوارض ، لأجيال من رجال ونساء الإدارة ممن يفترض أنهم درسوا وعاشوا في بيئات متطورة ، وأحسوا بالفارق والحاجة الأكيدة لبناء الوطن للحاق بالأمم ، في مستويات إدارتها الحازمة المنظمة ، ومواردها المسيّرة المصونة وعيشها الرغيد ، ولكن لنقف ونساءل أنفسنا ونحاسبها أين صاحب الشأن أين صاحب المصلحة الأول المواطن ؟ الجواب لن يكون ما دام صاحب شأن غائب محتجب ! عندما تصطف القوى الحيّة صاحبة مشروع التغيير حاملة مطالبها هاتفة بحقها في العيش بكرامة في وطنها ، فاضحة بالأسماء والأرقام مطالبة بمحاسبة المفسدين مسميّة الأشياء بمسمياتها ، داعية للقصاص بقطع رقاب وأيدي وأرجل السّراق التي يسعون بها فساداً . عجيب أمر هذا الشعب الذي يغفل عن العدو الداخلي ويتركه طليقاً يجوس خلال الديار يعيث فساداً ، هل من إرهاب أكبر من هذا ؟ متى ينزع الشعب الشرعية عن " سراق المال العام " أعداء الحياة والنماء . لا تقبل قبيلة أو أسرة في بلادنا أن يقال عنها : مرتشية سارقة للحياة خاطفة للأرواح ، مفسدة للأخلاق تشيع الفجور والسفور، تدعوا وتجاهر بالرذيلة !! ولكنها تقبل أن يكون من أبنائها وأعيانها من يفعل ! وتعطيه الحصانة وتضمن له الحماية والشفاعة ، وتوفر له آلات الدعاية ! لماذا لا يخرج البعض من هذه الشرنقة هذا الانفصام " ما نسرق يغير نمشي مع السراق"
سنصبح غرباء في بلدنا يتطاول علينا كل طريد شريد ، ما لم يتحرك المجتمع وفي المقدمة الشباب درع الوطن وحاميه ، وضامن وجوده ومستقبله ، ليقف بحزم أمام هذا الغزو الماحق الذي تخشاه وتخافه أقوى الدول وأغناها ، وهو الأخطر من كل تفجير إرهابي ، و من كل غزو عسكري أو غزو للجراد حتى ! إنه سلمى في ظاهره ، عدواني استيطاني في جوهره ، يستهدف الوطن في حدوده ووجوده ، ينمي التطرف والإرهاب فينا ، والسؤال للمواطن الحاضر الغائب وما ذا بعد ؟ الجواب لن يأتي ما لم تضع الدولة خطط واضحة وصارمة مبنية على استشراف مستقبلي يراعي حساسيات وهوية البلد ، وأن تأخذ الأحزاب الوطنية على عاتقها هذا الحمل وتدرجه ضمن برامجها السياسية والانتخابية ، وتعمل على توعية وتثقيف كوادرها وقواعدها بمخاطر الهجرة على البلد ، وتحاسب وتحاكم الدولة على كل تقصير وتسهيل . وإلا فإن الوضع سيفلت من أيدي الجميع ولن نتفاجأ عندها بوجود نازيين جدد من بيننا يصطادون المهاجرين ، و يجب أن تنتظم ندوات حوارية على غرار أيام الحوار حول الإرهاب ، للخروج برؤية قبل أن يدهمنا السيل العرم ، وعندها لا يمكن لوم الناس على تبني ثقافة الرفض وعدم التسامح ، وقد لدغوا وزوحموا من الأغراب وحوربوا في لقمة عيشهم ، وعندها كل سيعبر بوسيلته وأدواته تجاههم ، حتى أن أضعف الحلول سيكون كأضعف الإيمان مقاطعتهم والتضييق عليهم وإشعارهم أنهم غرباء دخلاء غير مرحب بهم ، ويمكن أن يلعب كل فرد ذلك الدور والأطفال سيكونون خير رسل " اللي شاف الصغير عند لكبير " من يشاهد حالنا مع المهاجرين سيتساءل هل لهؤلاء القوم خوف أو حرص ورغبة في وطنهم ؟ هل لهم غيرة على شرفهم ومحارمهم ؟ هل لهم خوف على مستقبل أجيالهم ؟ هل لهم حرص على مواردهم ؟ هل لهم شأن بثقافتهم وهويتهم ؟ هل لهم حرص على بيئتهم ومحيطهم ؟ هل لهم هاجس أو حسّ أمنيّ ؟ لا تجد ندوة من حزب تتناول هذا الجانب الذى يؤرق دول العالم ، لا تجد مظاهرات مناهضة مطالبة محتجة على مزاحمة الأجنبي الذي يلتقط اللقمة من جياع الوطن ، الذين يجلسون على قارعة الطريق ينظرون ببلاهة لقوافل وجموع اللاجئين تكتسح الشوارع والساحات ! الهموم في بلدي الذي شاخ مبكراً وأهله من الشباب وتحت سنّ الشباب ! كثيرة هي تتعثر بها متكومة أمامك ، كأكوام وأشياء أخرى حيث لا زال البعض يتبول و... دون حياء على قارعة الطريق ، عندما يستردوا حيائهم وإنسانيتهم وكرامتهم واحترامهم ويقنعوا بالحلال والستر ، سيحترمهم الرئيس والوزير و الوكيل والمندوب والقريب والبعيد والجار والمهاجر القار والعابر .
توقفت مرة في مطار ساحل العاج ، وتجاذبت أطراف الحديث مع أحد التجار الموريتانيين في ذلك البلد ، قلت له ما الذي يجركم ويسحبكم إلى إفريقيا جنوب الصحراء ؟ حيث الأزمات والحروب وبرك الدم ، وأهلها يفرون إلى الغابة خوفا من التطهير العرقي ، وسعيد الحظ منهم من يهاجر إلى الغرب ، ليس في سفن شحن العبيد ولكن في قوارب الموت " تعددت الأسباب والموت واحد " ! وقلت له كنت أتمنى أن تكون الهجرة الموريتانية خارج دوامة الموت هذه ، إلى أمريكا الجنوبية ، أو إلى جنوب شرق آسيا ، أو إلى مناطق متطورة في أوروبا ، وأمريكا كندا وأستراليا وغيرها ، طبعاً ليس الآن ؛ فأنا ضد الهجرة ولكن قبل الآن كان من الممكن أن تكون لنا جاليات في بيئات متطورة متمدنة تجلب لنا الخبرة والمعرفة ، قد يصنف كلامي هذا نوعا من التمييز! نعم تمييز إيجابي أبحث لقومي عن كل ما من شأنه أن يطور أساليبهم في التجارة في اكتساب لغات حية عالمية مع سلوك مدني ، ما يجلب لهم الأمن والسلام والطمأنينة . لنراجع دورنا ورسالتنا في إفريقيا اليوم ، هل لا زال الموريتاني يمارس دوره في نشر الإسلام والعربية بين تلك الأقوام ؟ هل نرضى أن يعيش شبابنا مدفونا في أحياء وقرى الزنج يقتله الخوف وينهش أسادهم المرض والبعوض ؟ تجارة المفرق بين جياع إفريقيا لن تغنيهم لن تنقلهم لواقع أفضل ، يأتي التاجر الفينيقي الماكر يفتتح وكالة بديكور راقي يجلب البضائع بالجملة ، يكلم الإفريقي مرتديا اللباس الأوروبي الأنيق باستعلاء واحتقار! يحترمه الإفريقي يعتبره ابن الرب يطيعه يخدمه بخنوع وخشوع يلقي إليه بالفتات ! أما عن نصيب الموريتاني فلا تسأل الحال يعني عن السؤال يرتدي الأسمال يقتات مما يقتات منه الزنجي البائس ، يخاطب الزنجي في تماوت بلغته الإفريقية التى ولدت ميتة ! لا يمكن أن تفيدك في القرية الموالية لكل قرية لغتها ! يطبخ ، ويصلي ، وينام ويقتات في دكانه يأتيه الفينيقي وبقايا الصليب يحتمل بضاعتهم إلى القرى المنسية والأزقة الموحلة ، يبيعها بصبر يحاسب الإفريقي و"يخنقه على الحبة " لأنها كل ربحه ومكسبه ، يأتي للشامي بالأرباح ، يظل في تجارة المفرق لا يخرج إلى يمين ولا إلى يسار ، يظل يحمل ديونه وأحلامه وآلامه ، في طريق طويل لا خط رجعة فيه ، عندما يأتي للوطن ينثر الدراهم في تباهي وتعالي عله يغطي وينسى تلك المرارات والإساءة التي يسمعها صباح مساء ، يهرب من واقع تملك روحه وجسده سحره ، عندما يستل قدميه من وحل إفريقيا يعود إلى رمال الصحراء المتحركة المتقلبة تلتهم بسرعة زاده لا يجد طريق آخر غير طريق سلكته القوافل منذ آلاف السنين ، وهكذا من كتبت عليه خطى مشاها ، ومن وقع في تلك الفخاخ لا يجد الفكاك ، وهكذا يرتحل القوم في هجرة عكسية وما دم الأمر كذلك ، علينا أن لا نستغرب غداً دعوة بعد أن بلغتنا دعوة قبلها بتغيير اسم بلدنا تطلب منا الوحدة مع الشطر الجنوبي ؛ فنحن أصبحنا بلداً واحداً وهناك دعوة لتأسيس هيئة علماء مركزية ، وقد فتحت المرجعيات الصوفية مكاتب لها عندنا وكأننا لم ندرك بعد العلاقة بين التصوف والسياسة والاستعمار ! ليست لنا ذاكرة نسينا مواقف بعضها من جاليتنا في ذروة الأحداث العنصرية التي استهدفتهم ! وربما غداً فريق كرة قدم مشترك ! وبمناسبة الكرة تذكرت نكتة تعرفونها أكيد أطلقها أكاديمي "متعدل " كان يرأس اللجنة الأولمبية الموريتانية تعليقاً منه على نتائج المباراة مع الشقيقة الجنوبية المتطلعة دوما للشمالية حيث الحدود منسابة انسياب الماء دون سد أو حاجز !
اليوم الكل يتابع نتائج الانتخابات في ساحل العاج بحذر! وقد لفت انتباهي اليوم صورة لسيدة عاجية أخلت رفوف متجرها المتواضع في قناة فرانس24 وقد بدت كمن يرقب إعصاراً قد يعصف ببلدها وحياتها وباب رزقها المتواضع وقد يكون الأهم عندها " قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق " وقد انتابني شعور مماثل لتلك السيدة ، ليس لأني صاحب مصلحة في ذلك البلد أو لدي قريب هناك ، ولكن لأن الجالية الموريتانية هناك لن تكون أحسن حالا من تلك السيدة العاجية وهي بين ذويها ، وهم الغرباء الذين يتوجه لهم كل الغضب كما عودتنا إفريقيا التي يحرق و ينتهب فيها البلد و ضيوفه عقب كل جولة انتخابية أو انقلابية .
وتساءلت ما الذي يدفع بهم إلى تلك المجاهل والمخاطر " شرماك على المُر قال الليّ أمَرْ منه " هذا هو حالهم يعني عن سؤالهم ! بلدهم غني كبير له إطلالة يحسد عليها ، لماذا لا يكون لديه منطقة حرة ؟ تزود دول الساحل الصحراوي وغيرها من بلدان القارة ! لماذا الموريتاني غير قادر على تنمية ماله وحفظه ونقله إلى وطنه ؟ لماذا يزحم ويحارب في بلده ؟ لماذا اعتماد سياسة إخلاء المكان وإجلاء العرب البيضان ؟ منذ الاستقلال الذى كان شهادة ميلاد لأقوام ، ونكبة على لغة وهوية قوم هم أهل الدار! من يقف وراء هذه المؤامرة ؟ نعم مؤامرة مخطط جهنمي ، لابد هناك من يسعده يعمل لأجل أن يخلوا له المكان ، من يعيق هذا البلد يريده كسيحاً مستباحاً ، يريد أن يفكك المنظومة الاجتماعية والفقهية ، حسب زعمه وما يحدثه شيطانه ، ألا ساء ما يمكرون وردت سهام الغدر إلى نحورهم . قد يكون منا ، قد يكون محسوب علينا ، إن مجرد التدقيق في تفاصيل المشهد الموريتاني يصيبك بصدمات نفسية ، يوقظ فيك الكوابيس وكل الهواجس ، ولكن رحمة الله قريب ، والصدمات هي من أنجع العلاج ؛ فالدواء مر مرارة الموت ، عندما تنهض روح الموريتاني كنسر يحمى سماء و وطاء وماء وطنه سيكون الوطن بخير عندما ننتصر لهويتنا نتصالح مع ذاتنا ؛ فوطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه ، ولن نجد فيه مكانا للعيش ، ولا أكل العيش حتى ، وهو ما يكاد ويوشك أن يقع ، لا تتركوا الوطن يقع من أيديكم بالله عليكم ، تأملوا الفلسطيني في دول الشتات ناجح ، متعلم ، ثري ، ولكن ينقصه ما لا يباع ، ولا يشترى ، ولا يوهب ، الوطن! حاولوا أن تحاوروه ، أن تستدرجوه ليحكي لكم لتحسوا مرارة ضياع الوطن ، العراق رمح الله في الأرض وجمجمة العرب أصبح نهبا للدخلاء الأعداء ، لم ينجده قريب ولا صديق ، وقد كان للجميع درع ومدافع ، أورد هذا الكلام للعبرة " ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد " وحتى لا يكون كلامنا ؛ كلام في كلام يثير المواجع والفواجع ، نريد أن نختم حديثنا المنثور في غير ترتيب ولا تنميق ، غايتها أن تلامس قلوب أهلنا أينما كانوا في الوطن والشتات . وسأسمح لنفسي بتقديم بعض المقترحات لعلاج بعض تداعيات هذا الملف المسكوت عنه المهجور من الأحزاب ، والمراكز البحثية والمنظمات المدنية ، وهي منتشرة كالفطر في بلادنا ولله الحمد :
• تعيين رؤساء للجاليات أو عن طريق الانتخاب من أصحاب الكفاءة والتجربة القادرين على وضع الحلول وربط علاقات بالجهات المختصة لجلب كل نفع ودفع كل ضر عن أبناء الجالية .
• تنظيم الجاليات من خلال برامج توعية وإرشاد من خلال لقاءات ومحاضرات تثقيفية وتعبوية .
• دفع أصحاب الخبرة العلمية والقدرة المالية في هذه الجاليات بالتواصل مع وطنهم الأم من خلال عروض ومحفزات تضمن استثماراتهم وتحميها وتفتح لهم فرص المساهمة في رعاية أنشطة موجهة للمواطنين في قراهم وبلداتهم كما تفعل كل الجاليات في العالم .
• إعطاء منح دراسية لأبناء الجاليات وفتح مجالات التوظيف ومنها المؤسسة العسكرية والأمنية التي يزعم البعض أنها تمثل سواده الأعظم الذي يحجب عنه الرؤية وهو يسير في دربه الذي يسد ولا يعيد .
• إنشاء المدارس الموريتانية الدولية تكون معتمدة تقدم منهج الدولة المضيفة مع المقرر الموريتاني في مواد التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والتربية الإسلامية .
• إنشاء البيت الموريتاني كنادي اجتماعي يوفر فرص اللقاء وإحياء المناسبات الوطنية والاجتماعية .
• تنظيم رحلات للجاليات وأبنائهم للوطن للوقوف على تاريخه وقيمه وزيارة مدنه العامرة بكنوز المعرفة التي خطت بمداد علمائنا .
• تحويل وزارة الشؤون الإفريقية لوزارة لشؤون المغتربين .
• وضع لائحة خاصة بأسماء موريتانيي الجنسية ومنعهم من شغل الوظائف والمراكز التي قد يشكل وجودهم فيها خطراً على البلد .
• العمال الأجانب مورد مالي معتبر للدول التي تطبق نظام الإقامة ولمواطنيها من خلال الرسوم والكفالة .
• العمل على وضع خطة وبرنامج لإعادة توطين المهجرين من العرب البيضان وضمان عودتهم الكريمة لبلادهم وتعويض المتضررين منهم من الحكومات السابقة ومن الفترة الاستعمارية وفرض تعويض من فرنسا للشعب الموريتاني الذي نكلت بمجاهديه ونفت وشردت بنيه و أهلكت ضرعه وزرعه ومكنت للغتها فيه .







