تاريخ الإضافة : 07.10.2010 08:51
انفلونزا السياسة
أتحدى أي قارئ بالغة ما بلغت ثقافته العامة واهتماماته الخاصة ومتابعته للجديد والقديم من التواريخ والأخبار، أن يذكر لي اسم وزير الصحة أو الصرف الصحي أو غيرها من الوزارات الخدمية في بلد شرقي أو غربي أيا كان، أو ينقل عن وزير لإحدى تلك الوزارات أي خبر أو اسم أو تعليق أو تصريح خارج ما كلف به من حل مشاكل الناس اليومية ومتابعة قضاياهم المتجددة، لأن أولئك الوزراء والمسؤولين عرفوا وظائفهم وما كلفوا به ببساطة، وجهل أو تجاهل الكثير من وزرائنا مسؤولياتهم ووظائفهم حتى غرقوا في الحزبيات والخلافات والصراعات السياسوية.
إن بلدنا ـ ويا للنكتة ـ هو البلد الوحيد المشغول علماؤه وجهلاؤه، ووزراؤه ومدراؤه، وموظفوه وبطالوه، وأغنياؤه وفقراؤه، بالسياسة بمعناها الفئوي الضيق لا بمعناها الإصلاحي العام، حتى سمى فيصل القاسم بلدنا ذات مرة ببلد المليون سياسي، ونحسب نحن ذلك ثناء وما هو في الحقيقة إلا ذم بما يشبه المدح. وشعبنا هو الشعب الوحيد الذي تضيع مجالسه وتهدر أوقاته في مناقشة القضايا السياسية دون هدف أو غاية أو نتيجة، ونخرج في نهاية كل جلسة بكل ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم من تخاصم وتدابر في كثير من المواقف؛ حتى لا تكاد تجد أسرة ولا قبيلة ولا بلدة ولا قرية إلا وهي منقسمة على نفسها إلى فسطاطين لا يلتقيان إلا أن يشاء الله، لا لشيء غير موالاة فلان أو علان أو الوقوف مع حزب فلان ضد حزب فلان. ونحن هم الذين نقدس السياسيين والسياسيات، ونضع الصراع السياسي في أعلى سلم الاهتمامات والأولويات، في حين أن الشعب البريطاني الذي يفخر بأعرق برلمان في العالم وفي استطلاع شعبي يجعل في قمة الوظائف الأكثر احتراما وظيفة رجل الإطفاء لأنه يقدم للناس ما ينفع الناس، وفي مؤخرتها السياسي ومن سار على نهجه لأنه كما يقول المثل الإيطالي: "مثل المكيف القديم؛ يصدر أصواتا كثيرة ولا يؤدي عمله بشكل جيد".
فأئمة مساجدنا يجعلونك تخاف على المساجد من فقدان أعظم صفة لها في أعظم يوم، ألا وهي صفة الجامع، فتصك آذان كل مرتاديها الدعوات السياسية باسم الله لا لتعظيم رب العباد، ولكن لتعظيم الرئيس واتباع الرئيس وإضفاء الألقاب على الرئيس والثناء على الرئيس والحمد للرئيس والشكر للرئيس، حتى لا تكاد تميز بين خطبة الجمعة وخطاب افتتاح مؤتمر الحزب الحاكم. وفي المقابل نجد من يحول الخطبة والمحاضرة والموعظة والدرس إلى بروباغاندا سياسية، يذم فيها كل شيء، وينتقد فيها كل شيء، ويذم فيها كل أحد، ويتحامل فيها على كل أحد، حتى يصل الخطيب إلى نفسه في آخر المطاف.
ووزراؤنا المهنيون المختصون المتخصصون الذين يفترض أنهم وزراء لجميع الوطن، ويتحملون مسؤوليات جميع الناس، غارقون هم أيضا في تفاصيل الحياة ودقائق السياسية، فيتحول في كل موسم دعائي مفوض الأمن الغذائي إلى مفوض للأمن السياسي، ويجعل من كل حبة قمح قبة من الدعاية والثناء على الرئيس. ومسؤولو الطرق وصيانتها يقيسون إنجازاتهم بألسنتهم لا بالأمتار ولا بجودة الخدمات التي تقدم للمواطن من ماله لا من مال غيره. ووزير الصحة مشغول بكتابة المقالات السياسية وإعلان المواقف الرسمية التي نسي أن في حكومته من ينوب عنه فيها ويجعله يتفرغ لأداء ما كلف به. وفي أحسن الأحوال يكون الوزراء مشغولين بتفاصيل جزئية لا تسمن المواطن ولا تغني عنه شيئا، ظنا من البعض أن كفاءة الوزير تقاس بنفس المقاييس التي تقاس بها الكفاءة المهنية، وهذا من الخطأ إن لم يكن من الخطيئة بمكان. فقد تكون طبيبا ناجحا، وتكون في نفس الوقت أفشل وزير عرفه التاريخ.
إن كفاءة الوزير المهني، لا تقاس بولائه للنظام وقربه منه، ولا بعلو صوته معه وطول لسانه على خصومه، ولا بإطعامه جائعا واحدا هنا أو سقيه ظامئا واحدا هناك، ولا بوصفه دواء لهذا المريض أو ذاك، ولا بتخديره هذا المريض أو ذاك، ولا بإجراء عملية ناجحة أو فاشلة بين الحين والآخر، ولا بالجلوس ساعات طويلة في السهرات الرمضانية ليقول للمرضى: راجعوا المستشفيات والمستوصفات التي يعلم الوزير قبل غيره حالها وحال من فيها وحال من يلجأ إليها وحال من يمر من الشارع المؤدي إليها، وإنما القياس في مكانة الوزير وكفاءة الوزير هو أحوال الناس ومعايش الناس وأرزاق الناس وتطويرها تطويرا ملموسا تشهد به الأرقام وتؤكده الإحصاءات الصادقة.
إن بلدنا ـ ويا للنكتة ـ هو البلد الوحيد المشغول علماؤه وجهلاؤه، ووزراؤه ومدراؤه، وموظفوه وبطالوه، وأغنياؤه وفقراؤه، بالسياسة بمعناها الفئوي الضيق لا بمعناها الإصلاحي العام، حتى سمى فيصل القاسم بلدنا ذات مرة ببلد المليون سياسي، ونحسب نحن ذلك ثناء وما هو في الحقيقة إلا ذم بما يشبه المدح. وشعبنا هو الشعب الوحيد الذي تضيع مجالسه وتهدر أوقاته في مناقشة القضايا السياسية دون هدف أو غاية أو نتيجة، ونخرج في نهاية كل جلسة بكل ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم من تخاصم وتدابر في كثير من المواقف؛ حتى لا تكاد تجد أسرة ولا قبيلة ولا بلدة ولا قرية إلا وهي منقسمة على نفسها إلى فسطاطين لا يلتقيان إلا أن يشاء الله، لا لشيء غير موالاة فلان أو علان أو الوقوف مع حزب فلان ضد حزب فلان. ونحن هم الذين نقدس السياسيين والسياسيات، ونضع الصراع السياسي في أعلى سلم الاهتمامات والأولويات، في حين أن الشعب البريطاني الذي يفخر بأعرق برلمان في العالم وفي استطلاع شعبي يجعل في قمة الوظائف الأكثر احتراما وظيفة رجل الإطفاء لأنه يقدم للناس ما ينفع الناس، وفي مؤخرتها السياسي ومن سار على نهجه لأنه كما يقول المثل الإيطالي: "مثل المكيف القديم؛ يصدر أصواتا كثيرة ولا يؤدي عمله بشكل جيد".
فأئمة مساجدنا يجعلونك تخاف على المساجد من فقدان أعظم صفة لها في أعظم يوم، ألا وهي صفة الجامع، فتصك آذان كل مرتاديها الدعوات السياسية باسم الله لا لتعظيم رب العباد، ولكن لتعظيم الرئيس واتباع الرئيس وإضفاء الألقاب على الرئيس والثناء على الرئيس والحمد للرئيس والشكر للرئيس، حتى لا تكاد تميز بين خطبة الجمعة وخطاب افتتاح مؤتمر الحزب الحاكم. وفي المقابل نجد من يحول الخطبة والمحاضرة والموعظة والدرس إلى بروباغاندا سياسية، يذم فيها كل شيء، وينتقد فيها كل شيء، ويذم فيها كل أحد، ويتحامل فيها على كل أحد، حتى يصل الخطيب إلى نفسه في آخر المطاف.
ووزراؤنا المهنيون المختصون المتخصصون الذين يفترض أنهم وزراء لجميع الوطن، ويتحملون مسؤوليات جميع الناس، غارقون هم أيضا في تفاصيل الحياة ودقائق السياسية، فيتحول في كل موسم دعائي مفوض الأمن الغذائي إلى مفوض للأمن السياسي، ويجعل من كل حبة قمح قبة من الدعاية والثناء على الرئيس. ومسؤولو الطرق وصيانتها يقيسون إنجازاتهم بألسنتهم لا بالأمتار ولا بجودة الخدمات التي تقدم للمواطن من ماله لا من مال غيره. ووزير الصحة مشغول بكتابة المقالات السياسية وإعلان المواقف الرسمية التي نسي أن في حكومته من ينوب عنه فيها ويجعله يتفرغ لأداء ما كلف به. وفي أحسن الأحوال يكون الوزراء مشغولين بتفاصيل جزئية لا تسمن المواطن ولا تغني عنه شيئا، ظنا من البعض أن كفاءة الوزير تقاس بنفس المقاييس التي تقاس بها الكفاءة المهنية، وهذا من الخطأ إن لم يكن من الخطيئة بمكان. فقد تكون طبيبا ناجحا، وتكون في نفس الوقت أفشل وزير عرفه التاريخ.
إن كفاءة الوزير المهني، لا تقاس بولائه للنظام وقربه منه، ولا بعلو صوته معه وطول لسانه على خصومه، ولا بإطعامه جائعا واحدا هنا أو سقيه ظامئا واحدا هناك، ولا بوصفه دواء لهذا المريض أو ذاك، ولا بتخديره هذا المريض أو ذاك، ولا بإجراء عملية ناجحة أو فاشلة بين الحين والآخر، ولا بالجلوس ساعات طويلة في السهرات الرمضانية ليقول للمرضى: راجعوا المستشفيات والمستوصفات التي يعلم الوزير قبل غيره حالها وحال من فيها وحال من يلجأ إليها وحال من يمر من الشارع المؤدي إليها، وإنما القياس في مكانة الوزير وكفاءة الوزير هو أحوال الناس ومعايش الناس وأرزاق الناس وتطويرها تطويرا ملموسا تشهد به الأرقام وتؤكده الإحصاءات الصادقة.







