تاريخ الإضافة : 14.09.2010 17:21

لجنة الأهلة والـ FIFA

الدكتور أحمد يعقوب / أستاذ بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

الدكتور أحمد يعقوب / أستاذ بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

القمر الذي نتراءاه والهلال الذي نتحراه ما هو إلا كرة مثل الكرة التي نلعبها، ولكن من الحجم الكبير الذي تحتاج متابعته إلى قليل من الاحتياط و الجد، والخطأ فيه ـ كما أخطأت لجنة الأهلة في حساب شهر رمضان القريب ـ قد لا يكون بنفس روعة هدف مارادونا بيده في المرمى الإنجليزي سنة 1986.

ومن ثم فليس بمستغرب أن يكون للاتحاد الدولي لكرة القدم رأي في رؤية الهلال وثبوته، من حيث الشكل. أما من حيث المضمون فإن هناك شبها يكاد يصل إلى حد التطابق بين الجدل حول اعتماد الرؤية الفلكية للهلال درءا للخلاف والاختلاف، وعدمه مراعاة لظاهر النصوص وحفاظا على سلاسة تطبيق الشعائر، وبين النقاش الدائر في الفيفا وخارجها حول اعتماد التحكيم الإلكتروني في اللعبة ابتغاء للدقة ودرءا للأخطاء، وعدم قبوله حفاظا على طبيعة اللعبة وخوفا من التفريط في سر جذب الجماهير... وما زالت أغلبية صناع القرار الرياضي مستعدة لكل شيء غير رمي كرة "مرقمنة" إلى المستطيل الأخضر، كما لا يزال جمهور الفقهاء في العالم الإسلامي مصرا على كمال الشهر أو رؤية الهلال بالعين المجردة.. والحمد لله.

كلنا لاحظنا أن الزخم المدوي والتغطية الإعلامية والاهتمام الشعبي وتبادل التهاني الذي صاحب هلال رمضان المنقضي كانت أكثر وأكبر بكثير من مثيلاتها التي صاحبت هلال شوال والاحتفال بعيد الفطر السعيد. والسبب بسيط؛ لأن لجان الأهلة في المشرقين والمغربين تبعا لرأي المحققين اعتمدت أقوال الفلكيين في استحالة رؤية الهلال ليلة التاسع من سبتمبر الموافق للثلاثين من رمضان، ومن ثم لم يعد هناك داع لتحري الهلال، وأصدر الحكم مسبقا بعدم صحة قول من يدعي رؤيته في هذه الليلة لأنه سيغرب قبل الشمس بدقيقة في غرب العالم العربي وعشر دقائق في شرقه ذلك اليوم. وحسم النقاش بناء على كمال الشهر العظيم في أغلب البلدان هذه المرة حول رؤية الهلال بما فيه من إيجابيات الوحدة ونبذ الخلاف وتقليل الجدال، وما فيه من تأثير على نقص التفاعل الإعلامي والوجداني مع أول أعياد المسلمين.

الناظر في أحكام الشريعة يجدها دائما ما تميل إلى العفوية والبساطة، ومعلقة على أمارات وأوضاع يدركها كل أحد ويستطيع أن يستوعبها كل أحد؛ التدين صلة بالله دون طقوس، والأرض مسجد طهور، ومن شهد منكم الشهر فليصمه... وهي خصلة نجدها في أغلب شرائع الإسلام هدفها تيسير الدين وبيان الصلة التي لا انفصام لها بين الإسلام والكون والإنسان بشكل عملي. وشاءت حكمة الله ـ أيضا ـ أن يكون أكثر فروع الشريعة من باب الظنيات شأنها في ذلك شأن كل المعارف العلمية والإنسانية، ولو كان أي علم من العلوم الطبيعية وغير الطبيعية قطعيا كله لانتهى البحث وتوقف العلم وسئم الإنسان.

ومن الأمور التي جبل عليها البشر أن يتحد اتحادا كاملا بكل المعارف والأفكار النابعة من داخله أو له دور في اكتشافها أو في إثباتها، وما أكثر ما نرى الناس يتخاصمون ويتدابرون لا لشيء غير أن أحدهم شكك في صدقية أو سلامة رأي الآخر أو خبره. من هنا كان من الطبيعي أن يجعل الله باب الاجتهاد مفتوحا لأهله، وسلطة النظر والتقدير متاحة أمام عموم الناس، لتترسخ صلتهم بالإسلام وليصبح جزء منه جزءا من آرائهم وأفكارهم الخاصة، وليعلموا أن هذا الدين رباني المصدر بشري التطبيق.

ولا أدري لماذا تثار ضجة كل عام بسب اختلاف بسيط بفارق يوم واحد بين المسلمين في بداية رمضان أو نهايته ولا يتحدث أحد عن اختلاف الكنائس في تحديد عيد الميلاد بفارق خمسة عشر يوما، ولا لما ذا ينظر الناس إلى الزاوية السلبية للنقاش والحوار في ثبوت الهلال ويجعلونه بابا من أبواب الفرقة والاختلاف، ولا ينظرون إلى الزاوية الإيجابية الماثلة في بساطة الإسلام وعفوية التدين وإنسانية الشرائع والتفاعل العقلي والعاطفي بينها وبين الناس، ولا أدري لما ذا يطلبون منا رقمنة كل شيء في الدين من الصلاة إلى الصيام، وتبقى أكثرية الرياضيين وصناع القرار الرياضي والمشجعين يطالبون ببقاء ما كان على ما كان، والحفاظ على اللمسة الإنسانية في اللعبة رغم ما يعتريها من أخطاء قد تكون هي سر السحر الذي لطالما وصف به كل مستدير.

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026