تاريخ الإضافة : 14.09.2010 14:10

كنت أستاذا ساذجا

سيد محمد ولد أخليل khlilsidi@yahoo.fr

سيد محمد ولد أخليل khlilsidi@yahoo.fr

كنت أستاذا مشرقا باسم الثغر وفيا للطبشور مخلصا للسبورة، وكانت الإنطلاقة في الأستذة بالتعاقد مع وزارة التهذيب سنة 2004 حيث قذفتني بعيدا عن مدينتي العاصمة بأكثر من 300 كلم لأقع في أجمل مدن ولاية لبراكنة الجميلة..

كنت محبا لمادتي (الرياضيات) عارفا بلغتها الفرنسية مخترعا لأساليب توصيلها إلى عقول الطلاب، ولكن الوزارة عذبت الأستاذ الطموح المستبشر في داخلي وحولت وجهي إلى سبورة سوداء خطت عليها من الهم والغم ما عجزت سبوراتها عن حمله..

كان التسجيل في إحدى محاظر المدينة الجديدة إحدى أولوياتي التي كان الإخلاص لمهنة التعليم أهمها.. ولكن الواقع المر اصطدم بطموحي المندفع.. فكانت أولى اللكمات التي تلقيتها هي ملاحظتي إنعدام ابسط قواعد الانضباط داخل الثانوية التي بُنيت لتعلم الأبناء الانضباط.. كان الأساتذة الذين فقِد زمام السيطرة عليهم يهيمون على وجوههم.. لم يكن لهم شغل إلا شرب الشاي أثناء الحصص المتقطعة والزئير داخل الفصول لإخافة وتشتيت انتباه التلاميذ عن دونيتهم الفاضحة.. وكانوا جميعا على يقين من موت التعليم في البلد فآمنوا بان النجاة هي أهم أولوياتهم.. وكان راتب الدولة الهزيل هو سبب إدمان شرب الشاي في الثانويات.. أحد أولئك الأساتذة كان لا يشرب الشاي إلا في وقت حصته بل لا يجد له طعما أو رائحة إلا إذا ترك فصله للضياع وشربه على طاولة المدير.. وآخر كان يلقي دروسه مما أسعفته به ذاكرته الضعيفة عندما كان تلميذا في نفس الفصل دون اعتبار للدقة والأمانة الناتجتين عن التحضير.. وآخر كان يُدرّس مادة بينها وبين تخصصه الذي تم اكتتابه من أجله ما بين السماء والأرض.. وآخر كان يشغل طلبته بحرب أطول من حرب البسوس بهدف شغلهم عن دروسه الغثة.. وآخر كان شغله الشاغل هو الحملقة في أجساد بنات الناس حتى أن الوقاحة كانت تقفز من عينيه ولسانه بل وحتى من يديه، حتى شاع ابتزازه لبنات الناس بنقاط مادته الهزيلة.. وآخر جاء إلى الثانوية بحثا عن عشيقة يشرب معها الشاي ليلا.. إلى آخر ذلك.. كان الجميع يؤمنون بأن التعليم فاسد وكانت حلولهم هي التهكم وتبادل النكت الغبية التي يتشبهون بها بالحمار الذي يضحك على أذنيه..

أما المسئولون عن الثانوية فحدث ولا حرج.. مسئولون بالاسم فقط لا همّ لهم إلا الحفاظ على كراسيهم العتيقة.. يعتمدون مبدأ النجاح اليسير لابن الوجيه والعسير لابن الوضيع.. حتى أن احدهم طلب مني يوما أن انفخ إطارات نتائج أحد أبناء قرابته.. وآخر ألقى على مسامعي محاضرة حول طرق مراقبته لأبنائه في منزله كان الهدف منها هو تمييزهم عن باقي أبناء المسلمين..

ولم يكن الطلبة المساكين بأحسن حظ من الذين يدرسونهم بل كانوا جيرانا لهم في عالم الجهل والضياع.. كانوا ينجحون بدون حق فيزدادون جهلا بدون حق.. ولك أن تتخيل أن طلبة السنة الخامسة علمية لم يكونوا يستطيعون كتابة صيغة الدالة باللغة الفرنسية بل إن بعضهم كان يكتبها من دون أقواس وآخر يفتح قوسا ويكسل عن فتح الآخر وآخر يلصق الحرفين f و x بعضهما ببعض دون اهتمام بالفضيحة..

كنت أستاذا ساذجا دائم البسمة مؤمنا بمستقبل التعليم في بلدي، لكن الوحوش قبحوا الجمال في داخلي و أطفئوا شعلة الأمل التي حملت بيدي، وذبحوا الابتسامة التي رقصت على شفتي، وأروني الغد المشرق الذي كنت احلم به في أبشع الكوابيس.. كانت وزارة التهذيب متخصصة في اضطهاد الأساتذة وتجحيش التلاميذ، وكانت سياط دكتاتوريتها تلاحق ضعاف الأساتذة الذين لا سند لهم..

مسكين أنا كنت أحمقا عندما رضيت بأكثر من 300 كلم بعيدا عن أهلي طمعا في ملجأ جديد.. جاهلا أن الوزارة سترميني بعد عام واحد من تلك الغربة التي بدأت استأنس بها، إلى جزر واق الواق.. وأنني سأظل طيلة حياتي التدريسية أتنقل على خريطة الوطن إن لم انج بنفسي من الإضطهاد..

طمعت في الطمأنينة والاستقرار باعتبارهما ابسط حقوقي الإنسانية ولكن وزارة الترحيل تركتني في تلك المدينة عاما واحدا كان كافيا لتبلور معرفتي بها وحبي لها لترميني في واد مقفر أبعد منها.. كنت بالنسبة لها مجرد طاولة تضعها في الثانوية التي تريدها متى أرادت وأينما أرادت.. أما الراتب الشهري الذي لم يكن يتمتع من الشهرية إلا بالاسم فقد كان يتأخر تأخر المطر عن أهل الصحراء فلا يهل هلاله إلا وقد قتلنا الديْن.. والغريب أن الوزارة التي تتوفر على ألف مدير وألف مخطط ومخطط لم تكن سوى إدارة كبيرة لسجن كبير خلاياه هي ثانويات الوطن الممتدة على طول التراب الوطني، والتي هي مراكز لتعذيب التلاميذ والأساتذة على حد السواء.. ولم يكن التخطيط يعدو كونه مجرد خطوط على الرمال المبتلة يلعب بها المسئولون على عقل ميزانية الدولة.. أما الضحية الأساسية في كل هذا فقد كان الوطن.. وإذا تأملنا حال التلاميذ فإننا سنلاحظ أنهم كانوا في السابق ينعمون على الأقل بنوع من الراحة والسكينة، أما اليوم فإن تغير البرامج المتواصل والانتقال من العربية إلى الفرنسية ومن الفرنسية إلى الصينية، كلها أمور تدل على حيرة الوزارة وانعدام كفاءتها.. فهي تخرج علينا بعد اكتمال كل بدر بإصلاح نووي عاصف تدمر به كل ما بنت قبله.. والنتيجة هي ازدياد التعليم بعدا عن أهدافه السامية في الوقت الذي هي فيه مشغولة باحتقار أساتذتها وتعذيبهم منتهجة في ذلك الخطة الإصلاحية المعروفة: اسجن الأستاذ يتحرر التلميذ من المعرفة، أما الأساتذة فمشغولون برد الصاع صاعين للوزارة وللوطن.. والخطط اللاإصلاحية تفرض ليل نهار على العباد وأبنائهم.. حتى أن معظم الأساتذة – مثلي - هرب بجلده إلى التجارة خوفا من صفعات الوزارة.. و لا أحد ينكر أن هذا الأسلوب الإرهابي مع الأساتذة كان ناجحا في الماضي حيث كان الجهل سائدا والإنسان ممتهنا، والحاجة إلها يعبد، مما كان يدفع الأستاذ -وكل عامل في الدولة- إلى إحناء رأسه ليحصل على لقمة العيش، أما اليوم في هذا العصر الأغبر فإن هذا الأسلوب عفا عليه الزمن ولا بد من تجاوزه كأول خطوة لحل مشكلة التعليم..

وإذا نظرنا إلى حال التلاميذ اليوم نجد أن قليل منهم من يجيد اللغة الفرنسية رغم أن الوزارة جعلتها لغة المواد العلمية، وتأمل بالمناسبة هذا الخطأ، عندما تقنع طفلا عربيا مسلما بان لغته العربية - لغة القرآن والحضارة - هي لغة غير علمية.. فالوزارة تُدرس العلوم الطبيعية والرياضيات والفرنسية باللغة الفرنسية وتترك المواد الغير علمية للغة العربية وهي تهدف بذلك إلى الموازنة بين اللغتين فيؤدي ذلك إلى تعميق جهل التلميذ بإحداهن وما يتعلق بها من مواد وأخلاق.. فجل تلاميذ اليوم مثلا لا يفهمون الرياضيات ولا الفرنسية التي يدرسون الرياضيات من خلالها، كل ذلك بفضل أفكار الوزارة الجديدة.. أما الأستاذ الجائع الباحث عن شيء يلتهمه فيحتار بين تدريس لغة المادة أو المادة نفسها أو الاستراحة منهما معا ، ويختار غالبا الخيار الأخير لأنه الأسهل..

إن الهدف الذي أعتقد أن الوزارة يجب أن تسعى إليه هو أن تجعل التلميذ يخرج من الابتدائية عارفا باللغتين الفرنسية والعربية وحتى الإنجليزية، وإن اضطرت إلى جعل التعليم الأساسي سبع سنين.. فإذا تم التركيز في الابتدائية على اللغات ومعها القليل من المواد الضرورية وحذف المواد التثقيفية التي لم تفلح سابقا إلا في تضييع وقت التلميذ في ما لا يفيده.. وأهدف بقولي "الضرورية" إلى المواد التي لا غنى للتلميذ عنها في ابتدائيته وهي اللغة العربية واللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية والحساب والتربية الإسلامية الحقيقية (لا هذه التي لا تفشل في تعليم الطفل صلاته).. وأقترح بالمناسبة مادة للتربية الحياتية (مادة الحياة) تعلم التلميذ الأخلاق والتصرف القويم في مجتمعه وتحذره من المفاهيم الخطيرة كالعنصرية وغيرها. تعلمه مثلا طريقة التعامل مع غيره والانضباط في طابور واحترام مواطنيه وحبهم، إلى آخر تلك الصفات التي تركناها للأهل فخذلونا للأسف (1).. أما غير ذلك من المواد الاستعراضية -إن صح التعبير- فان التلفزيون والإنترنت وغيرها من الوسائل الجديدة كفيل بإيصالها إلى الطفل بطريقة أكثر فعالية وإمتاع من الوزارة..

يجب تفادى إثقال كاهل التلميذ بما يسبب له عسر الفهم والإسهال.. ثم بعد ذلك لاحقا في مرحلة الإعدادية والثانوية ننظر في الطرق المناسبة لإيصال المعلومة العامة إليه باللغات الثلاثة دون جعل بعض اللغات علمية وبعضها تجهيلية.. وإذا تأملنا دولا مثل ألمانيا وروسيا نجدها بنت حضاراتها على لغتها، وتقدمت علميا فكيف نتخلى نحن عن لغة القرآن التي - إضافة إلى التقدم في الدنيا - تدخلنا الجنة..

كنت أستاذا بريئا.. ساذجا.. إلى آخر الأسطوانة.. لكن الوزارة اضطهدتني.. قتلت في داخلي الأستاذ الذي أردته نافعا لوطنه منتفعا من راتبه.. دفعتني بوحشية إلى شارع البطالة الذي جئت منه بعد أن أخبرتني بأن قبول الأساتذة المتعاقدين في سلك موظفي الدولة مشروطا بان لا تزيد أعمارهم على الثلاثين سنة وقد تجاوزتها بسنة أو اثنتين - لا أذكر.. ورغم ذلك فقد تم اكتتاب بعض المتعاقدين ممن يتجاوز الستين بحجة تقاعدهم واتكال أسرهم عليهم فهنيئا لهم وعوض الله لنا نحن شباب البطالة والاضطهاد خيرا..

اضطررت بعد تردد إلى الانضمام إلى التعليم الحر فلاحظت أنه - للأسف - ليس حرا بل مقيدا.. فالأسواق التجارية التي يسمونها مدارس تجارية ما هي إلا برص كبيرة يتحرك داخلها التلاميذ كمستثمرين بأسهم شهرية تتراوح بين 4000 و 6000 يدفعها التلميذ مقابل التعلم لتنقلب الآية، فبدل أن يكون التلميذ هو الجانب الأضعف الذي يرضخ لتوجيهات أساتذته أصبح الجانب الأقوى الذي تعتمد المؤسسة كلها على أسهمه.. مؤسسة يديرها سمسار أكبر هو المدير، يقضى النهار في مطاردة التلاميذ بحثا عن مستحقاته المالية المتأخرة.. فهو مسئول عن دكاكين سوقه الحرة وكل دكان (فصل) تديره شرذمة من الباعة والوكلاء الصغار الذين يسمون أساتذة أمثالي.. ولا شغل للجميع إلا الأوقية وأخبارها.. لذلك هربت منها ، بل إني أطالب بان تغلق القاصرة منها أبوابها وبأن يعود التعليم إلي مدارسه النظامية التي تعلمنا منها معنى أن تتفضل دولتنا علينا بتعليم مجاني لن ننساه لها أبدا.. ولا أخفيك أني نصحت بعض التلاميذ بالعودة إلى المدارس النظامية الأمر الذي توقعت أن يضربني المدير عليه مائة سوط..

وإذا قارنا بين المدرستين النظامية والحرة (في أكل أموال الناس) نجد وهما صنعته وزارة التهذيب بعد افتقادها لمصداقية مدارسها الحكومية بسبب اضطهادها لأساتذتها والمن عليهم برواتبها الهزيلة التي تتصدق عليهم بها، مما جعل السماسرة والتجار الفاشلين يستغلون فترة الحكم العشوائي السابق، ويتجهون نحو تتجير المجالات الحيوية كالتعليم والصحة والصحافة لتنهال الرخص كمياه المطر وتتكاثر الدكاكين التي تعلم أبناء الناس !.. بدايتها - ككل الأمور الخادعة – من القمة، فأعتقد الأهالي في أساتذتها الانضباط وأكثرهم لا يدفعه إلى الإخلاص المشوب بالأنانية إلا إضافة ألوف قليلة إلى راتبه الشهري، وكلنا نعلم أن الأعمال تفسد بفساد النيات (إنما الأعمال بالنيات) وأن من أكبر أخطاء الأستاذ أن يساهم في جعل التعليم تجارة والنظام قيدا والتسيب حرية والباطل حقا.. فأصبح التعليم المطلوب في يد شرذمة من النفعيين – إلا من رحم الله - الذين يملك الواحد منهم مئات البقالات إلى جانب مدرسته الحرة المتخصصة في نهب الأسر والتآمر مع الخونة الأساتذة.. ليبذل الأهالي الغالي والنفيس من أجل توفير أسهم أولادهم الشهرية، أما أولاد الفقراء فيرمون للضياع الذي أصبح عنوانه المدارس الحكومية.. فيا لسخرية الأقدار..
_______________
1 - بالمناسبة كنت أعتقد أن هذه الفكرة خاصة بي، ولكن ما العمل، لا شيء أعدى للمرء من الجهل، فقد أكتشفت أنه في الولايات المتحدة الأمريكة 35 ألف مدرسة أضافت مواد للحياة مثل هذه تعلم أبنائها أشياء مثل التي ذكرتها.. ولولا قلة الإمكانات وتواضع المعلومات لألفت في هذه المادة كتبا.. وذلك مشروع من مشاريعي الكثيرة التي يبدو أن كثرتها هي سبب البطالة التي أنا ناقع فيها حتى اليوم..

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026