تاريخ الإضافة : 09.04.2008 10:26
ملاحظات على هامش الخطة الإستعجالية
أحمد ولد عبد الكافي
ameiloud@maktoob.com
أخيرا وبعد صمت طويل قررت الحكومة الموريتانية ممثلة في رئيسها ولد الشيخ عبد الله أن تتحرك (أو بالأحرى أن تتكلم) إستجانة لنداءات الإستغاثة التي إنطلقت مدوية من أحياء الصفيح والقرى والأرياف الموريتانية، أصوات أنبعثت من أفواه إرتسم عليها الحرمان ووجوه إعتصرها الألم..... أصوات إنطلقت بعد ان عجز ذووها عن كبتها بعد أن أحرق السغب أمعائهم، ونحل الجوع أبدانهم ونخر سوء التغذية عظامهم.
أخيرا وصل صدى هذه الأصوات إلى مسامع السيد الرئيس، أخيرا تجاوز هذا الصوت حراس القصر الرئاسي وأخترق جدرانه. فقررت ساكنته على مايبدو أن تتحرك.
وهنا وقبل أن نقوم نوعية وجدوائية هذا التحرك يجب أن نسجل بنوع من الإرتياح إستجابة السيد الرئيس لهذه النداءات. نعم من أجل أن نكون منصفين يجب أن نشكر الحكومة ورئيسها على التفكير في هذه المسألة والحديث عنها! ثم نرجوا لها التوفيق في تنفيذ ماسمته خطتها الإستعجالية. ..
وقد يقول قائل ولم الشكر ؟ أليس ذلك نوعا من دفع العربة أمام الحصان، مادام أن الامر لايزال مجرد كلام.....وقد تعلمنا من الزمن ان أكثر خطط الحكومات مجرد تهريج لايستحق الورق الذي كتب عليه؟
بل وحتى لو طبقت الخطة بحذافيرها وبدقة وكفائة لاسابقة لها في تاريخ البلد، هل من واجبنا أن نشكر الحكومة؟ أليس ذلك من واجبها؟ ولا شكر على واجب!
ولذلك نقول: بلى، كل هذا من واجب الحكومة وأكثر!! لكنه في ظرف زماني وآخر مكاني حيث يصبح التخلي عن القيام بالواجبات، بل و التهرب منها ديدن المسؤولين، فإن مجرد الحديث عنها أو الإعتراف بها يصبح بطولة يتوجب ذكرها وشكرها!
لكن إسداء ذلك الشكر يجب أن لا يشغلنا عن جوهر القضية:عن النظر المتمعن لهذه الخطة وتقيم جوانبها السلبية والإيجابية. يتوجب—قبل أن يصرف الصخب الإعلامي المرافق لإعلان هذه الخطة إنتباهنا عن الواقع الذي يعيشه الناس وقبل أن ندخل في جو من المرح والإحتفال—أن ننظر لهذه الخطة بتأن وواقعية ، واعين بمحدوديتها وبالثغرات التي تتخللها.... وغير منجرفين وراء طنين أرقامها الذي يبدو أكبر من حقيقتها.
حسنا، لنفرض أن الحكومة قررت—حسب ما ورد في خطاب السيد الرئيس—صرف مبالغ مالية(كبرت أو صغرت) من إجل إلغاء التعرفة الجمركية على المواد الغذائية الرئيسية كالأرز والقمح مثلا... هل يعنى ذلك توفر هذه المواد بأسعار رخيصة للمواطنين؟ والجواب على ذلك هو لا، لسبب بسيط هو أن المتضررين الحقيقين من إرتفاع الأسعار ليسوا من يتولى إستيراد هذه البضائع من الخارج وبالتالي لا يستفيدون بشكل مباشر من الإعفاءات الضريبية على الواردات!
ولا توجد ضمانات على أن رجال الأعمال وهم المستفيد االرئيس من هذا النوع من الإعفاءات مستعدون لخفض سفق أرباحهم إستجابة لخطة من هذا القبيل. وإفتراض أن مكانيزمات السوق كفيلة بفعل ذلك هو جهل بحقيقة غياب هذه في البلد!
وعلى العكس من ذلك فإنه لا يوجد مايمنع رجال الأعمال وكبار التجار-- وهم من عرفوا بإنتهازيتهم وجشعهم-- من أن يستغلوا هذه الفرصة ويسعوا إلى زيادة هامش الربح الحالي من منطلق أن هذه مجرد فرصة عابرة من السذاجة تضييعها!
وإذا كانت الدولة فعلا قد وضعت هذه المسألة في الحسبان فإنها لم توضح نوعية الألية التي سوف تتبعها من أجل تفادي سيناريو من هذا النوع، ولا حتى كيفية تطبيق تلك الألية. ثم حتى لو وضعت الدولة آلية تحدد السقف الربحي المسموح به لكبار الموردين فإنه من غير الواضح ما إذا كان قد فكرت فعلا في كيفية بسط هذه الألية لتطال أصحاب الدكاكين الصغيرة التي توفر هذا النوع من البضائع للمستهلك النهائي! وبين هذا وذاك الكثير من التفاصيل التي قد تجعل من هذه المبادرة مجرد نقش على سطح الماء.
ومن المهم هنا التأكيد على أنه من الخطأ إفتراض أن توفير هذه المواد وبأسعار منخفضة نسبيا في متاجر مملوكة للدولة (وهو الشق الثاني من هذا الجزء من الخطة) يمكن أن يسد هذا النوع من الثغرات.
ففي حين أن فتح مثل هذه المحلات في القرى ذات الوزن الديموغرافي المنخفض ممكن من الناحية العملية وقد يسهم نسبيا في حل المشكلة، هذا طبعا إذا سلمت هذه التمويلات من أيادي العابثين الذين يتربصون بها الدوائر في كل مرحلة من مراحل حراكها، فإنه من المستحيل عمليا توفير مثل هذه المحال بقدر كاف في المدن الكبيرة ولاسيما في إنواكشوك(حيث أكبر تواجد سكاني في البلد) وبطريقة تمكن السكان من التزود بالحاجيات دون الحاجة إلى الإنتظام في طوابير طويلة ولأوقات مديدة من أجل الحصول على أصغر الأساسيات. وهو مايعني ببساطة عدم جدوائية مثل هذا الأسلوب كبديل عن المتاجر المملوكة للأفراد.
والجوانب الأخرى من الخطة الإستعجالية المتعلقة بدعم الإنتاج الزراعي وهو الجزء الوحيد الكفيل بتأمين الإحتياجات الغذائية للبلد على المدى البعيد لاتقل غموضا عن مثيلاتها. وهكذا فبدل الحديث عن إجراءات عملية مثل السعي لإقتناء المزيد من آليات وتقنيات الري والدفع بها نحو المناطق التي تحتاجها، وإرسال المزيد من الخبراء الزراعيين لتأطير وتوجيه المزارعيين ، بل وإستخدام العدد الأكبر من أفراد الجيش والشرطة ووحدات الأمن المختلفة في دعم الإنتاج الزراعي وتقديم محفزات حقيقية للمزارعين الموجودين في الساحة منذ بعض الوقت، إكتفى السيد الرئيس بالإعلان عن 2008 سنة رزاعية في البلد...وهي خطوة(أو نكتة) من غير الواضح كيف يمكن أن تسهم في حل هذه المشكلة!
والنقطة الاخيرة التي يجب التنبيه إليها هنا هو النبرة التي ميزت خطاب السيد الرئيس وهو في طور الإعلان عن هذه الخطة. لقد بدى جليا من الطريقة التي أعد بها الخطاب والطريقة التي قرأ بها أيضا أن الحكومة لاترى ربطا بين هذه الأزمة الحالية وطبيعة الممارسات الإدارية المنتهجة من طرف الحكومات حاضرها وسالفها وهي بالتالي تتنصل من تحمل أي مسؤولية في هذا الصدد، ناهيك عن كونها على مايبدوا تفهم تحركها (وتريد أن يفهم) على أنه لفتة كرم لا أكثر! وهذا بالطبع ماجعل السيد الرئيس يلقي باللوم على المتغيرات الإقتصادية العالمية لاسيما إرتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على أسعار السلع والخدمات. ما يخفيه كلام السيد الرئيس هو حقيقة أن الزيادات المحلية في الأسعار والتي بلغت في بعض الحالات أكثر من 200% لاتتناسب مع إرتفاع الأسعارعلى المستوى العالمي. ضف إلى ذلك أن الزيادة في أسعارالطاقة عالميا يجب أن لا تنعكس بهذه الدرجة من السوء على بلد مصدر للبترول كموريتانيا، إذ أن الزيادة في عائدات النفط كان من المفترض أن تغطي أو تخفف على الأقل من الأثار السلبية الناجمة عن ذلك! و لو إفترضنا أن موريتانيا تتأثر وبهذا القدر من السرعة بالمتغيرات الدولية للزم أيضا أن نعتبر أنها جنت أرباحا طائلة نتيجة إرتفاع أسعار خامات الحديد والذهب وزيادة الطلب عليهما عالميا، بهامش مريح يجعلها الرابح، بدل أن تكون الخاسر من مثل هذه التغيرات. وحتى فيما إذا فرضنا غياب ذلك الهامش فإن المشكلة ما كان لها أن تكون على ماهي عليه من السوء لولا إستشراء الفساد وسوء التسيير والتهرب من مواجهتما!!







