تاريخ الإضافة : 07.04.2008 10:10
عفوا الحرية ليست بفك ارتباط عائلي أو تفكيك علاقات اجتماعية
الخليل ولد مخطاري
moktary1@maktoob.com
عند حديثنا عن علاج ظاهرة الرق أو ما يسميه البعض بآثار العبودية في موريتانيا يجب أن لا نغفل السياق التاريخي والملابسات الاجتماعية لهذه الظاهرة وأن نضعها في إطارها الطبيعي الذي نشأت وترعرعت فيه هذه الظاهرة كي لا يكون العلاج ردة فعل غير منضبطة تسيء للقضية أكثر مما تسهم في حلها وأن لا نسعى لتضخيم قصص (لاشك أنها موجودة وطبيعية في عرف المجتمع) وإنما نضعها في حجمها الصحيح فنقدر المشكلة بقدرها ونضع لها العلاج دون تشنج أو تضخيم يضر بالقضية ككل حيث إن الناس حينئذ سينظرون إليك بأنك تريد أن تخلق قضية غير موجودة
مثلا لو حدثت شخصا عاديا أن أمة ترعى الغنم لأسيادها هل تظن أنه سينفعل ويستغرب، وبعيدا عن السياسة و تجاذباتها، لا ننكر جهود الإخوة المطالبين بالحرية والمدافعين عن حقوق هذه الشريحة ولهم الحق في ذلك إلا أنني أري أن التركيز على المطالبة (بالحرية) يوحي بوجود صراع اجتماعي بين فريقين على طرفي نقيض، طرف يناضل من أجل الحرية وطرف آخر يقف في وجه الحرية ويعمل على انتشار العبودية، والواقع يخالف ذلك، صحيح أن المجتمع في الفترة الأخيرة شهد هزة في وحدته وتصدعا في كيانه مما يوجب التعاون بجدية لإيجاد حل صحيح مناسب يخدم الوحدة الوطنية ويضمن الانسجام الاجتماعي ويصهر جميع طبقاته في بوتقة واحدة ، لذا أردت أن أبرز بعض الأبعاد المتعلقة بهذه القضية عسى أن تسهم في علاج هذه الظاهرة وغيرها من ظواهر الطبقية المقيتة والعنصرية البغيضة.
أولا : أرى أن مفهوم العبودية في الإسلام يختلف عن المفاهيم المتداولة في الثقافات القديمة التي ترى أن العبيد خلقوا من عنصر غير العنصر الذي خلق منه الأسياد ويختلف كذلك عن المدلول المعاصر الذي يرى أن العبودية استغلال من الإنسان لأخيه الإنسان فالإسلام لا يشترك مع هذين المفهومين إلا في اللفظ. فلفظ العبد في الإسلام لا يدل على نقص في حد ذاته فقد وصف الله رسوله بالعبد قال الله تعالى( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد...) كما وصف خيرة خلقه قال: (وعباد الرحمن.الذين يمشون على الأرض هونا ..) نعم جاء الإسلام والمفهوم السائد في كل المجتمعات هو أنه لاحق للعبيد حتى في الحياة فكأنه لا دور لهم سوى خدمة أسيادهم الذين يملكون حق سلبهم مجرد الحياة متى أرادوا ... جاء ليرد لهؤلاء البشر إنسانيتهم، جاء ليقول للسادة و الرقيق:)بعضكم من بعض( جاء ليقول "من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه، ، جاء ليأمر السادة أن يحسنوا معاملتهم للرقيق : )وبالوالدين إحساناً وبذي القربى ....وما ملكت أيمانكم * إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا( وكانت آخر وصية للرسول الكريم عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم وهو على فراش الموت ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) وصية ينبغي أن تكون محل اهتمام وتقدير وعناية من جميع المسلمين . جاء الإسلام ليقرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة استعلاء و استعباد ، أو تسخير أو تحقير، فهم أخوة للسادة قال r:"(إخوانكم خولكم .. ) جاء الإسلام ليقول أن من كانت عنده أمة فأحسن تأديبها وتربيتها ثم أعتقها وتزوجها كانت له عتقا من النار .
جاء الإسلام ليسد باب العبودية ويفتح الأبواب الكثيرة للحرية، فكفارة اليمين تحرير رقبة، وكفارة الظهار تحرير رقبة، ومن يريد عتق نفسه من النار يعتق رقبة، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة...، و للعبد أن يكاتب سيده وله عليه أن يعينه قال تعالى )فكاتبهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم... ( نعم حكم العبودية ثابت وغير منسوخ وهو يمثل ضمانا لحقوق الأسرى ومن في حكمهم ممن وقف في وجه الإسلام وحارب أهله وتمكن المسلمون منه وهي إطار اجتماعي لمصلحة هؤلاء الأشخاص وطريقة لدمجهم في المجتمع الإسلامي بعد أن رفضوا الدخول في الإسلام والصلح مع أهله ، ورأى المسلمون احتضانهم داخل البيوت للاحتكاك بهم وتحبيب الإسلام إليهم فيطعمونهم مما يطعمون ويلبسونهم من ما يلبسون ولا يكلفونهم ما يغلبهم فإن كلفوهم والواجب عليهم أن يعينوهم. بهذه الشروط يباح الاسترقاق، وهو واحد من ثلاثة خيارات أن يمنوا عليهم فيطلقوا سراحهم أو يأخذوا منهم فدية قال تعالى )فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشد الوثاق فإما منا بعد وإما فداء(.
ثانيا أن المكانة لا تنال بالنسب و الحسب أو المال والجاه فقط وإنما هي بالتقوى قال تعالى )يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم( فاعتبر الإسلام "بني آدم" إخوة سواء لا تفصل بينهم حواجز اللون أو العنصر أو اللغة الخ... وما أجمل هذا النداء )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(. فانظر إلي الإعجاز الذي جعل هذه الكلمات الموجزة تستبعد الفروق العرقية وتجعل معيار الأفضلية هو التقوى.ولا شيء غير ذلك. وتأمر بالتعارف بين الشعوب بل إن التصور الإسلامي لبني آدم تصور واضح وعميق قال تعالى ) يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ... (. وقال)خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها(.
فإذا تساوي الحر والعبد في التقوى فأيهما أفضل حكي العلامة القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الخلاف في أيهما أفضل الحر أو العبد وقال ذهب ابن عبد البر وأبو بكر العامري البغدادي الحافظ أن العبد أفضل (الجامع لأحكام القرآن ج/6 ص316 -317. ط مؤسسة الرسالة). وعن جابر بن عبد الله : أن عمر كان يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا.
ثالثا :عدم الخلط بين ممارسات مناقضة للمقصد الشرعي ومخالفة للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي أباحت الرق والعبودية بالضوابط السابق ذكرها التي يجب على الأسياد وبعد ثبوت الرق أصل الوفاء بها والأخذ بالوصية التي أوصى بها الرسول الكريم عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم
رابعا: أن الحل الصحيح لا يكون إلا بالتركيز على البعد الديني للقضية الذي يمثل قاسما مشتركا بين أفراد المجتمع وأساسا قويا ينقاد له الجميع طواعية وهو خير مدخل لمحو الجوانب السليبة والآثار السيئة التي تمثل نتاج مرحلة سلمنا الله منها، مرحلة تاريخية لم تسلم طبقة من المعاناة منها وعلى الجميع التعاون لتجاوزها بهدوء وروية وعدم استفزاز للطبقات الأخرى حتى نأخذ بحٌجز الجميع إلى بر الأمان.
فإشاعة هذه القيم التي استطاعت أن تصهر وتمحي الفوارق التي كانت بين عمر بن الخطاب وبلال بن رباح وصهيب الرومي رضي الله عنهم وترسيخها في عقول المجتمع لا يحدث الحرية والمساواة فقط بل يقلب العنصرية البغيضة إلى أخوة، والغبن وعدم المساواة إلى إيثار، وصراع الطبقات إلى انسجام اجتماعي تنمحي فيه كل الفوارق وتنعدم فيه الطبقية، كما حدث لمجتمع الصحابة إلى درجة تمنى فيها عمر أن يكون سالم "مولي أبي حذيفة" حيا ليوصى له بالخلافة. وعندما طعن في المسجد أمر صهيبا أن يؤم الناس وبالعلم والتقوى تصدرت مجموعة من الأرقاء السابقين مجتمع التابعين وخضع لهم الجميع وصار يصدر عن فتواهم الرئيس والمرؤوس يقول ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب، ج1/ ص 103 (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما مات العبادلة (يعني عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص) صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي فقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاووس ،وفقيه اليمامة يحي بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن البصري، وفقيه الكوفة إبراهيم النخعي ،وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني). وكان أسلم مولي عمر بن الخطاب فقيهاً معروفاً، وكان عكرمة الفقيه المشهور مولى ابن عباس وكان ابن سيرين الفقيه البصري عبداً لأنس بن مالك.
وأخيرا لا أعتقد أن إصدار القوانين ورفع القضايا إلى المحاكم وطرحها في المحافل الدولية يسهم في حل المشكلة بل يكرس الطبقية ويزيد من الهوة، صحيح أن القوانين إذا تم تطبيقها و الأحكام القضائية إذا تم تنفيذها قد يحسب الخلاف لصالح طرف لكن لا تزال به الحزازات والأحقاد داخل النفوس ولا يُغير من التمايز الطبقي حتى الطبقة التي تعاني سترى نفسها محصورة داخل دائرتها الاجتماعية وإن خرجت عن سيطرة أسيادها القدماء فستدخل تحت سيطرة أسياد جدد بأنماط متعددة وبدوافع مختلفة فالحرية ليست بفك ارتباط عائلي أوتفكيك علاقات اجتماعية مهما كان السبب.







