تاريخ الإضافة : 19.08.2010 13:01

الديمقراطية الموريتانية


ذ/ عبد الله ولد البشير
BABDELLAHY@YAHOO.FR

الديمقراطية هى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه أي أن الشعب يكون له زمام الأمور وهو الذي
يقرر من يكون الحاكم.

وهى أيضا الأساس الذي تبنى عليه الدول وبدونها لن يكون هناك استقرارا حقيقيا. وقد استوقفتني تجربة بلادي الديمقراطية والتي تستحق البحث والكتابة وذلك لكي يستفيد
منه الجميع وخاصة إخواننا العرب.

وتعود بدايات هذه التجربة إلي سنة 1991 عندما هبت رياح الديمقراطية في المنطقة وبذلك بدأ المسلسل الديمقراطي الموريتاني.

ولمناقشة هذا الموضوع لابد من التطرق للتسلسل التاريخي لهذا المسار وستكون البداية
بالحديث عن إصدار دستور 20 يوليو 1991 الذي يعتبر بداية الجمهورية الثانية.

وقد أعطى هذا الدستور الحق في إنشاء الأحزاب السياسية والجمعيات والتعددية السياسية
والنقابية والحق في التملك كما فتح المجال للكثير من الحريات العامة والخاصة.

وكانت بداية المسلسل الديمقراطي هو تنظيم انتخابات رئاسية في 24 يناير 1992 شهدت
الكثير من عمليات التزوير على نطاق واسع والتدخل المباشر من قبل السلطة الحاكمة آنذاك
وقد شهد على ذلك المراقبين الدوليين وفاز بها الرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع
الذي حصل على نسبة 62% في حين حصل مرشح المعارضة احمد ولد داده على نسبة 32%. وبعد ذلك نظمت انتخابات تشريعية قاطعتها المعارضة وانتهت باستحواذ الحزب الحاكم على جميع مقاعد البرلمان البالغة 81 مقعدا.

وبالتالي بدأت الأحادية الحزبية من ذلك التاريخ وأصبح التزوير هو المسيطر على جميع
الاستحقاقات التي نظمت وهذا ماجعل نتائج الانتخابات تكون دائما محسومة لصالح الحزب
الحاكم آنذاك الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي .

وهذا أدى إلى غياب الديمقراطية وتأزم العلاقة بين المعارضة والسلطة إلي درجة انه تم
اعتقال زعماء المعارضة وحل بعض الأحزاب كحزب الطليعة وحزب العمل من اجل التغيير.

وهذا ما حدا بالسلطة سنة 2000 إلي إصدار بطاقة تعريف وطنية غير قابلة للتزوير وهذا كان مطلب للمعارضة.

وبعد ذلك تم تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية سنة2001 شاركت فيها المعارضة وكانت شفافة إلي حدما ونتج عنها دخول المعارضة قبة البرلمان وسيطرتها علي أهم بلديات العاصمة .

وكانت هذه الخطوة هى البداية الفعلية للممارسة الديمقراطية حيث أن بطاقة التعريف
الوطنية السابقة كانت هى مصدر التفوق في الانتخابات لان السلطة تستطيع أن تصدر ما تشاء في الوقت الذي تريد والمواطن يمكنه أن يصوت ثلاثة مرات أو أكثر وبالتالي فان إصدار هذه البطاقة كانت خطوة فنية مهمة نحو الشفافية .

ولكن بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام فرسان التغيير في8 يونيو2003 ضد النظام
عادت البلاد إلى المربع الأول و تراجعت الديمقراطية وخاصة بعد فوز الرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع في رئاسيات 2003 في انتخابات وقع فيه الكثير من التجاوزات والتزوير وحشد موارد الدولة حسب ماعبرت عنه المعارضة في ذلك الوقت.

هذا وتعتبر فترة الرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع في المجال الديمقراطي فترة
تثقيفية وذلك لكثرة الاستحقاقات الانتخابية التي نظمت في تلك المرحلة وهذا أعطى
للمواطن خبرة كبيرة في كيفية التعامل مع العمليات الانتخابية.

كما تعتبر انتخابات 2007 والتي جرت تحت إشراف مجلس الدولة للعدالة والديمقراطية الذي أطاح بالرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع والتي فاز بها الرئس السابق سيد محمد ولد الشيخ عبد الله بنسبة 53% على مرشح المعارضة احمد ولد داده الذي حصل على نسبة 47%مفخرة الديمقراطية الموريتانية الناشئة حيث شهدلها الجميع بالشفافية والنزاهة وراقبها جمع غفير من المراقبين الدوليين والوطنيين .

وقد اعتبرت هذه الانتخابات سابقة كبيرة على المستوى العالمي وخاصة العالم الثالث لأنها
تجربة تستحق الإشادة والتشجيع وكانت كافية لدخول البلاد النادي الديمقراطي العالمي وذلك
لان المجلس العسكري الحاكم آنذاك اصدر أوامر قانونية تمنع ترشحه أعضاءه وتمنع على أعضاء
الحكومة أيضا الترشح للانتخابات الرئاسية وهذا كان مكسب ديمقراطي كبير في ذلك الوقت.
كما تعتبر أيضا الانتخابات التشريعية والبلدية التي نظمت في عهد مجلس الدولة للعدالة
والديمقراطية سنة 2006والتي لم يدعم احد من أطرافها من أهم الاستحقاقات التي نظمت فيهذا البلد منذو استقلاله.

وذلك لأنها عبرت عن الإرادة الحقيقة للشعب الموريتاني والذي اختار خيرة أبناءه في
مجلس النواب.

ومن الصعب أن يتكرر مجلس للنواب بهذه المصداقية وذلك لان هذا المجلس الحالي قادم
مباشرة من أصوات الشعب.

وقد لاحظنا الدور الكبير الذي لعبه في إسقاط أو إجهاض حكومتان في عهد الرئيس السابق
سيد محمد ولد الشيخ عبد الله وهذه خطوة ديمقراطية قل مثلها في العالم الديمقراطي.
وقد آدت في نهاية الآمر إلي عزله وعبرت عن مدى التقدم الذي وصلت إليه الديمقراطية
الموريتانية الوليدة وإن كانت فترة الرئيس السابق سيد محمد ولد الشيخ عبدا لله لم تدم طويلا فان ذلك عائد إلي جملة من الأسباب السياسية والاقتصادية.

ولذلك فان المرحلة الانتقالية التي أعقبته قامت بتجنب الكثير من الأخطاء التي وقعت في
المرحلة الانتقالية السابقة.

كما أن انقسام الطبقة السياسية إلى جناحين معارضة وموالاة غداة انقلاب 6 أغسطس 2008أعطى درجة كبيرة من النضج السياسي والديمقراطي ونتجت عنه حقيقة مهمة وهى أن الديمقراطية الموريتانية في طريقها إلي المسار الصحيح بعيدا عن المحاباة والتصفيق
الأعمى والتملق.

وقد تجسد ذلك في اتفاق دكار بين إطراف الأزمة السياسية الوطنية والذي هو عبارة عن
وثيقة ديمقراطية ينبغي أن تحفظ في الذاكرة الوطنية.

كما جسد هذا الاتفاق النضج الذي وصلت إليه الديمقراطية الموريتانية ونخبتها السياسية
والعسكرية وقد تأكد ذلك في رئاسيات2009 في 18 يوليو في انتخابات شهد لها الجميع
بالنزاهة.

و بذلك فان ديمقراطيتنا أصبحت حقيقة وليست خيال والمواطن أصبح يعبر بكل حرية واختيار عن رجله المناسب في المكان المناسب.
وعلى الرغم من هذا التطور فان أمراض الديمقراطية الموريتانية مازالت موجودة ولكن
بالتصميم والإرادة الجادة والاتحاد والحوار نستطيع التغلب عليها لكي نحافظ على
ديمقراطيتنا الناشئة.

ويبقى هناك سؤال مهم وهو ماهى العراقيل التي تقف أمام الديمقراطية الموريتانية ؟ وكيف
يمكن التغلب عليها ؟
اعتقد انه للإجابة على هذه التساؤلات لابد من ذكر المعوقات وبعد ذلك كيفية التغلب عليها
وهى تتمثل فيما يلي :

- حداثة نشأة الدولة الموريتانية

- فساد قطاع العدالة

- حبس الصحافيين ومصادرة صحفهم

- احتكار الإعلام الرسمي لصالح السلطة

- التأثير القبلي والجهوي والاديولوجي والمادي

- تدخل المؤسسة العسكرية في السياسية

- الفقر وغياب التنمية في البلاد

- عدم وجود برامج انتخابية من طرف الأحزاب السياسية تطرح حل للتحديات التي تواجها
البلاد.

- شاسعة مساحة البلاد وعدم قدرة المترشحين على تغطية جميع مكاتب التصويت باستثناء مرشحي
السلطة الذين يستفيدون من امتيازاتها و عندهم الإمكانيات لذلك وهذا ينتج عنه تلاعب في
النتائج.

- انتشار الأمية وضعف الوعي لدى المواطنين

- عدم تجديد الطبقة السياسية وخلق قيادات شبابية جديدة

- ضعف الأداء الحزبي وغياب التناوب الديمقراطي في الأحزاب الوطنية

- حداثة التجربة الموريتانية في المجال الديمقراطي

- ضعف الرقابة على العمليات الانتخابية من طرف المراقبين الوطنيين والدوليين بسب قلة
الموارد والإمكانيات وحداثة نشأة اللجنة المستقلة للانتخابات وقلة تجربة وتكوين أعضاءها
وهذا نتج عنه أن الرقابة أقوى في نواكشوط من الداخل.

- الانقلابات العسكرية تقف حجر عثرة في وجه الديمقراطية الموريتانية


أما عن كيفية التغلب عليها فانه يتم من خلال النقاط التالية:

- إ صلاح العدالة

- دعم الصحافة الوطنية وخاصة المستقلة وتكوينهم وإلغاء حبسهم ومصادرة صحفهم

- فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام الجميع

- محاربة الفقر وإحداث تنمية شاملة يستفيد منها الجميع

- مساواة الجميع أمام المرافق العامة وفي الولوج للسوق العمل والوظائف العامة

- محاربة الأمية ونشر الوعي بين صفوف الشعب

- محاربة القبلية والجهوية والرشوة وشراء الأصوات

- تقوية ودعم الأحزاب السياسية وتكوينها على الممارسة الديمقراطية

- تقوية اللجنة المستقلة للانتخابات وتكوين أعضاءها على الاستقلالية والوقوف مسافة أمام
الجميع .

- محاربة الفساد واختلاس المال العام لأنه يساهم في تمويل الانتخابات للحساب البعض على
الأخر.

- عدم تدخل الجيش في السياسية وجعله في مسافة من الجميع باعتباره هو الحامي والضامن
لهذا البلد

- عدم تسخير أموال الدولة لخدمة مرشح عن أخر

الحفاظ على التناوب السلمي للسلطة

وخلاصة القول أن موريتانيا قد وصلت إلي مرحلة متقدمة من الديمقراطية وذلك لان
المواطن أصبح يعبر عن جميع همومه وانشغالاته وغاياته التي يسعى لتحقيقها كما انه يعي
جميع جوانب وتفاصيل العملية الديمقراطية التي يعيشها البلد وبالتالي يملك حرية الاختيار
والتأثير فيها ولكن تبقى الإشكالية الكبيرة و هى هل يواكب هذا التحول الديمقراطي تنمية
شاملة في البلاد يستفيد منها الجميع ؟ وهل سيتم محاربة الفساد والمحسوبية وإصلاح
الإدارة لكي تكون هناك ديمقراطية حقيقة في البلاد ؟ أم أن ديمقراطيتنا إنماهي ديمقراطية شكلية وليست مبنية على أية أساس ؟


الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026