تاريخ الإضافة : 06.04.2008 18:38

عالَـــم يمشــي علـــى يـــديـــــه

(*) بقلم: شعبان عبد الرحمن
Shaban1212@hotmail.com
ما الذي يمكن أن نطلقه على دولة تعد نفسها متحضرة إذا وجدناها تنادي بالشيء وعكسه في الوقت نفسه، وترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان في حالة، وفي الوقت نفسه «تلحس» شعاراتها في حالة أخرى. لقد بتنا في العالم الإسلامي نتلقى رسائل شبه يومية من الغرب عبر أحداث متعددة، مفادها: أننا في العالم الإسلامي ــ وكمسلمين ــ أينما كنا لسنا معنيين بمدونة حقوق الإنسان، ولا ندخل تحت طائلة قوانين الشعارات المعبرة عن ذلك، ولهذا فإننا نتابع يومياً من الأحداث ما يؤكد أن نظرة الغرب إلينا: «دماؤنا لا تعدو أن تكون ماء»، لا قيمة لها ولا تستحق إهدار كلمة «اعتذار» مجرد اعتذار! وقد تابعنا ذلك مع حادث مقتل فتاة رفح المصرية على أيدي قناصة صهاينة، وقبلها حوادث مماثلة، وبعد ذلك مقتل أحد المصريين داخل مجرى قناة السويس على أيدي حراس السفينة الأمريكية.. لم نسمع عن تحقيق أو اعتذار من الجانب المعتدي، ولم نر تحركاً احتجاجياً من الجانب المعتدى عليه!! تلك أمثلة تعد بسيطة مقابل إبادة شعوب بأكملها، والحالة هي الحالة، لا كلمة اعتذار من «الجزار»، ولا كلمة احتجاج من «الضحية».. فهل سمعنا عن كلمة اعتذار من الإدارة الأمريكية على إبادة مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين، وتيتيم ستة ملايين... ولماذا يكلف الجزار نفسه ذلك وهو لم يسمع كلمة احتجاج من «المالكي» وحكومته؟! ونشاهد يومياً تقريباً منذ «نكبة فلسطين» عام 1948م عن مذابح، وقتل فردي وجماعي لشعب فلسطين، ولكننا صرنا نشاهد اجتماعات «السلام» على وقع ارتكاب المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني!! حتى في الصين.. يهتز العالم اليوم احتجاجاً على ما يجري بحق البوذيين «عبدة بوذا» في إقليم التبت، ويسعى العديد من الزعماء في الغرب للاتصال أو اللقاء مع «الدلاي لاما» زعيم التبت للإعراب عن مساندته لعبدة «بوذا»، بينما يرزح أكثر من أربعين مليون مسلم في إقليم «سنكنجيان» الصيني تحت آلة القهر والمطاردة والسجن والقتل، والتجريد من أبسط الحقوق الإنسانية، دون أدنى التفات من الغرب «راعي حقوق الإنسان»!! اللهم إلا بعض الأسطر القليلة التي تذر بها منظمات حقوق الإنسان الرماد في عيوننا كل عام في تقاريرها السنوية. بل والأدهى من ذلك، فإن حوادث الاحتجاج والتظاهر التي يشهدها إقليم التبت منذ عدة أشهر كان المسلمون هم ضحيتها الكبرى، فقد قام المتظاهرون في التبت في مدينة «لاسا» عاصمة الإقليم بحرق مسجد المدينة، رغم أن المسلمين ليسوا طرفاً في القضية.. بل إن المحلات التجارية والسيارات التي يمتلكها مسلمون تعرضت للنهب والحرق والتخريب.. ولا أعتقد أن أحداً منا سمع أو شاهد ذلك في وسائل الإعلام الغربية التي تركز أضواءها على «التبت»، مصورة للعالم وقوعه تحت مقصلة حقوق الإنسان في الصين وحده دون الإشارة للمسلمين! تساءلت: لماذا «التبت» الذين يصورهم الإعلام الغربي على أنهم ضحايا حقوق الإنسان؟ لماذا يرتكبون كل هذه الانتهاكات بحق المسلمين في إقليمهم؟! لكن وجدت الإجابة عندما علمت أن أقلية «هو» المسلمة التي تعيش في الإقليم ويبلغ تعدادها مليون مسلم تتحكم في مفاصل التجارة بالإقليم، حيث يدير أفرادها تجارة المواد الغذائية ومحلات الجزارة والمطاعم ومحلات بيع الهواتف النقالة وأجهزة الصرف الآلي. والأهم، أن الإقليم يشهد صحوة إسلامية واضحة، فقد أعلن أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إسلامها، كما أشهر أكثر من 200 ألف شخص إسلامهم بعد العثور على وثائق تاريخية تشير إلى أصولهم الإسلامية.. وتؤكد الوثائق أن «التبت» كانت مملكة مستقلة، وقد حكمها ملوك من المسلمين لفترات طويلة، وكانت لهم علاقات قوية مع دولة الخلافة الإسلامية.. كما تؤكد الوثائق أن العرب استقروا في هذه المنطقة وعقدوا مصاهرات مع سكان هذه البلاد ونشروا فيها اللغة العربية» (موقع المسلم 29/3/2008م). ترى.. هل تبين السبب وراء إهمال الإعلام والدوائر الغربية لما يجري بحق المسلمين في الصين وتركيز الأضواء على عبّاد «بوذا»؟! إنها إستراتيجية الإعلاء والاحترام لكل ملة ونحلة إلا الإسلام.. المطلوب تغييبه من على وجه الأرض.. لأنه «العدو»! وإلا فبماذا يمكن أن نفسر مساندة الدوائر الغربية على كل المستويات لنشر الرسوم المسيئة للنبي [، ثم بث فيلم «فتنة» المفتري على الإسلام، ثم الإقدام على تحويل رواية «آيات شيطانية» إلى مسرحية سيتم عرضها قريباً.. بمساندة كل ذلك وغيره من الدوائر الغربية تحت ذريعة «حرية الرأي» بينما تقوم وزارة الداخلية الفرنسية بإقالة السيد «برونوجيج» نائب مديرية «سانت» الواقعة جنوب غربي فرنسا، لإقدامه على نشر مقال على موقع إلكتروني قال فيه: «إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يقتل فيها قناصة فتيات لدى خروجهن من المدرسة»، ثم سخر في نفس المقال قائلاً: «إن السجون الإسرائيلية يتوقف التعذيب فيها يوم السبت بحكم القانون الديني». ماذا لو كتب الرجل عن «محرقة غزة» وسلاسل المجازر التي يمتلئ بها سجل الصهاينة الأسود؟! وما السيد «برونو» إلا أحد ضحايا حرية الرأي، فقد سبقه كثيرون، أولهم: المفكر الكبير رجاء جارودي، وكان آخرهم المهندس «فينسن رينوار» لأنه وزع كتاباً ينفي حدوث «الهولوكوست» ضد اليهود! إنه حقاً عالم يمشي على يديه!
..........................................
(*) كاتب مصري ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026