تاريخ الإضافة : 07.08.2010 13:51

معهد العالم العربي بباريس... رواية تقصير عربي وهيمنة فرنسية

محمد محمود الشيباني

رغم الدور الثقافي الذي يقوم به معهد العالم العربي بباريس كإشعاع حضاري لإيصال الثقافة العربية الإسلامية بكافة مضامينها إلي المجتمع الفرنسي خاصة وأوروبا بصفة عامة تصر إدارته علي تقصير الدول العربية في تقديم الدعم المادي اللازم للحفاظ علي ديمومة مساره الثقافي.

ولعل أهم المعضلات التي من شأنها عرقلة المساهمة العربية المالية يرجع في حقيقته إلي أمرين، أولهما هو النظام الداخلي للمعهد والذي كان محل ريبة وغموض إذ أنه في الوقت الذي لم يحدد طبيعة مساهمة الدول العربية هل هو بالإلزام أو بالتطوع ينص علي أن تكون مساهمة فرنسا بنسبة 60% والدول العربية بنسبة 40% وهو ماحدي ببعض الدول العربية إلي عدم دفع "مستحقاتها" فاعتبرها المعهد ديونا يجب تسديدها ، ثانيا أن معهد العالم العربي لا يقوم بتقديم الثقافة العربية المعاصرة علي الوجه المطلوب إنما يقتصر في أغلب الأحيان علي معارض ولوحات عن العصر القديم ناهيك عن عدم تسليط الضوء علي كافة الأنشطة الثقافية في الدول العربية وهنا يلاحظ الاقتصار والتركيز علي الأنشطة الثقافية في دولة أو دولتين لا أكثر.


إن عدم تلقي دعم مادي منتظم لا ينفي حصول المعهد علي مساعدات وهبات مالية معتبرة من بعض الدول العربية كما أن فرنسا تسعي إلي زيادة مساعدتها للمعهد من خلال رفع الميزانية المخصصة له سنويا. هذا وقد لوحظ في السنوات الأخيرة الاهتمام المتزايد الذي حظي به المعهد من طرف الرئاسة الفرنسية و مجلس الشيوخ الفرنسي، أعلي هيأة تشريعية في فرنسا وهو ما يجعلنا نتساءل عن أهمية معهد العالم العربي بالنسبة لفرنسا و عن أهدافه وطموحاته.

في البداية يجب التذكير إلي أن معهد العالم العربي تأسس بتعاون فرنسي عربي عام 1980م ويهدف أساسا إلي التعريف بالحضارة العربية الإسلامية وتقريب العالم العربي إلي العقل الغربي وإلي تطوير المعرفة وبعث حركة أبحاث معمقة حول اللغة والقيم الثقافية و الروحية العربية و إلي تشجيع التبادل والتعاون بين فرنسا وا لعالم العربي في ميادين العلوم و التقنيات وإلي المساهمة أيضا في تنمية العلاقات العربية الأوروبية من خلال خلق حوار دائم ومنفتح وحر حول جميع القضايا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية كما يهدف أيضا إلي إبراز عناصر الوحدة الثقافية في العالم العربي سواء تعلق الأمر باللغة العربية الفصحي والشعر والكتابة و الموسيقي... والآن وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما علي إنشاء المعهد يمكن القول أنه حاول تقديم صورة عن الثقافة العربية كتاريخ حضاري إلا أنه لم يوفق في ربطها وعرضها مع الواقع الثقافي والحضارة في العالم العربي المعاصر. وبدل أن يلعب المعهد دورا استراتيجيا بالنسبة للعالم العربي فقد اقتصرفقط ومن خلال ما رأينا علي النشاطات والعروض والتظاهرات الثقافية العربية لتقديمها للجمهور الفرنسي وهذا ما يجعلنا نعيد صياغة السؤال من جديد لفهم حقيقة هذا المسار : هل نحن أمام سياسة ثقافية فرنسية مرسومة مسبقا ؟

لا يمكن أن نتجاهل بأي شكل من الأشكال الدور الذي حققته فرنسا في نشر الثقافات العالمية وخصوصا الثقافة العربية الإسلامية ومن ضمن هذه الإنجازات معهد العالم العربي بباريس بالإضافة إلي السياسات التعليمية المتبعة في الجامعات الفرنسية والتي تعطي عناية للبحوث والدراسات العربية ولا أدل علي ذالك من قسم الدراسات العربية التابع لجامعة الصوربون حيث يعتبر منارة للباحثين الأكاديميين في أوروبا. ونشير أيضا إلي أن العناية الفائقة بالثقافة العربية أوصلت فرنسا إلي تعليم اللغة العربية الفصحي مع اللهجات العربية في الجامعات بل وأنشأت منذ ما يزيد علي قرنين معهد اللغات الشرقية في باريس لينفرد بذالك عن ما سواه.


يتضح من هذا كله أن هذه الإنجازات تدخل في نطاق سياسة إصلاحات ثقافية متبعة من طرف الدولة الفرنسية أي أن معهد العالم العربي يدخل ضمن هذه السياسات وبالتالي فهو عبارة عن إرادة سياسية فرنسية وليس مؤسسة ثقافية مستقلة مثل اليونيسكو بل علي العكس فهو خاضع للقانون الفرنسي ويتبع سياسة فرنسية مرسومة له.


ينظر البعض في عالمنا العربي إلي أن معهد العالم العربي بباريس وسيلة فعالة لتحسين الصورة العربية و التي تعرضت للتراجع في العالم الغربي خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. إلا أن آخرين هنا في فرنسا يرون في هذا المعهد جسرا من خلاله يمكن لفرنسا تقوية نفوذها وتواصلها مع العرب ثقافيا واقتصاديا بل ويري البعض منهم أن الدوافع الأساسية لفكرة إنشاء المعهد تمتد إلي ما بعد حرب 1973م واشتعال أزمة النفط الأولي حيث كان لزاما علي فرنسا أن تبحث عن صيغة جديدة لتوطيد علاقتها مع العرب.


باحث مقيم في فرنسا

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026