تاريخ الإضافة : 06.08.2010 19:00
وزيرة الخارجية وسياسة إقصاء السلك الدبلوماسي
هذه المقالة وسابقتاها حول ذات الموضوع ليست جزأ من جهد يسعى إلى خلق بلبلة أو ضجة تضر بالسير الطبيعي للعمل في مصالح قطاع الشؤون الخارجية. إنها على العكس من ذلك - وفقا للقناعات الراسخة لدي ولمن يرى خلاف ذلك إقناعي به - جزء من حملة لبث خطاب، هو وحده الذي يمكنه أن يخرج وزارتنا مما تعاني منه من فوضى وشلل. و لست اكتبها بدوافع نقابية أو دفاعا عن مصالح مهنية ضيقة - وان كان عمل كهذا مبررا و مشروعا في أوساط الموظفين الدبلوماسيين شان الحال لدى كل فئات العمال و الموظفين - وإنما استجابة لنداء الضمير والواجب المهني، وكشفا لمشاكل و عرضا لمقترحات، الوزارة و الدبلوماسية الموريتانية هي المستفيد المباشر منها، و ذلك قبل الدبلوماسيين أنفسهم.
الكتابة بعد ألف ليلة من الصمت
منذ شهور وأنت مصاب بهستيريا الكتابة حول الشأن الدبلوماسي ؟ ألا ترى أنك تضرب في حديد بارد وأنك تكتب فوق الماء ؟ هل توهمت نفسك في واحدة من ديمقراطيات العالم الأول ونسيت أنك بين "أهل لخيام"؟ هلا قمت بفرك عينيك والتحديق جيدا في من حولك لتتأكد أنك هنا في مكاتب وزارة خارجية دولة من العالم الثالث ولست في مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية أو الفرنسية ؟
ثم أين أنت من المسافة الفاصلة بين الصحفي و الدبلوماسي؟ أليس الأخير ملزما بالتحفظ التام عندما يتعلق الأمر بالكتابة حول القضايا ذات الصلة بمهنته ؟ ألست بهذا تقدم لنا دليلا صارخا على عدم صلاحيتك للمهنة الدبلوماسية و وجوب مصادرة جواز سفرك الدبلوماسي؟
لهؤلاء وأولئك أقول: إن الكتابة هي الشكل الأكثر نعومة ومدنية من أشكال النقد والاحتجاج. و هي في دولة القانون والديمقراطية أداة أساسية للتواصل، تفك عنها كل القيود وترفع كافة أشكال المصادرة، باعتبار ذلك الشرط الأول لتأمين الشفافية وبث ثقافة السلم المدني و مكافحة كافة أشكال التطرف و التصعيد.
وفي الديمقراطيات التي تحترم نفسها وتسير فيها المصالح العامة وفق خطط وبرامج قابلة للتحليل والتبرير والمناقشة، فإن صناع القرار أنفسهم يمسكون القلم ويعبرون عن آرائهم ويدافعون عن اختياراتهم، بمن فيهم الوزراء ورؤساء الوزراء.
وفي القطاع الدبلوماسي فإن هذا الاتجاه يتأكد ، والدبلوماسيون – بما فيهم السفراء - يجدون أنفسهم في أحيان كثيرة ملزمين بنشر مقالات تهدف إلى الدفع بعلاقات التعاون بين بلدانهم و البلدان الأخرى أو للإجابة على أشياء كتبت عن بلدانهم أو للمرافعة حول قضايا وصعوبات تواجه أداءهم لمهامهم.
وإذا كانت الإضرابات و الاعتصامات غير ملائمة كآليات للتعبير عن الاحتجاج النقابي في حالة موظفي الأسلاك الدبلوماسية والقنصلية، فإن الكتابة هي أفضل وسيلة لتعقيم الأجواء في هذا القطاع ضد الوصول إلى مثل هذه المستويات.
ثم أضيف أنه إذا كان جنون الكتابة حول هذا الموضوع لم يصبني إلا منذ منتصف إبريل الماضي، فإن علاقتي بالكتابة وقدراتي في مجالها قائمة قبل هذا التاريخ بوقت طويل وفق ما يعرفه الذين يقرؤون بعض ما يكتب في هذه البلاد، و المشكلات التي أكتب عنها كانت ماثلة أمامي طيلة السنوات الثلاث الماضية.
تعلموا سادتي أنني لم أبادر منذ اليوم الأول إلى استعراض العضلات الفكرية في أروقة ومكاتب الوزارة. لقد صبرت على الصمت حيث وجب الكلام حتى تراكم - ملء سمعي و بصري - من المشكلات و الحكايا الصغيرة والكبيرة، ما لو عثرت به شهرزاد لما "أمسكت عن الكلام المباح حين أدركها الصباح"، بل لواصلت نهارها بليلها في قصص آلاف السنوات بلياليها.
أذن على من نظر فيه أن يعلم أننا لا نكتب عن مشاكل تسيير موظفي في الشؤون الخارجية اختيارا بل اضطرارا. نكتب حيث لم يعد لنا خيار آخر. حيث تم تسميم الأجواء بصفة كاملة بيننا وبين صناع القرار في إدارتنا المركزية، و أوصدت جميع الأبواب وقطعت جميع خطوط الاتصال، في وقت لا وجود فيه لأية نقابة مهنية تعنى بتمثيل الأسلاك الدبلوماسية والقنصلية في موريتانيا.
و لعل كل من له أدنى بصيرة بمثل هذه الشؤون يدرك انه في حالة فئة من الموظفين لا رغبة ولا استعداد لديها للعمل النقابي و ممارسة الضغوط على إدارتها، لا بديل عن العمل على تنوير الرأي العام والمستويات العليا في صنع القرار، لدفعها إلى الضغط على مثل هذه الإدارة لتعديل سياستها.
وضع الوزارة أمام مسؤولياتها
واضح من نبرة السيدة الناها بنت مكناس وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون في جلسة مساءلتها أمام النواب يوم 4 يونيو الماضي أنها غاضبة جدا، وواضح لي أن سبب ذلك الغضب هو تفاجؤها باتصالاتي أنا بالنواب تحضيرا لمساءلتها هي حول مشكل الدبلوماسيين المهنيين، وبالرسالة الموثقة التي وجهتها للسادة النواب في هذا السياق من على منبر موقع "تقدمي".
والحقيقة أن السيدة الوزيرة ومستشاريها لو كانوا يفحصون ملفاتهم جيدا ويربطون أوراقهم ببعضها ويبنون قراراتهم و ردود أفعالهم على ما هو أبعد من اللحظة، لن يستغربوا قيام واحد من المعنيين بهذه القضية بطرح المشكلة في وسائل الإعلام أولا ثم على ممثلي الشعب بعد من ذلك.
إن الكرة كانت منذ وقت طويل في مرمى الوزارة، ونحن كمجموعة كنا قد وضعنا الوزارة أمام مسؤولياتها وشرحنا لها المشكل المطروح وقدمنا لها مقترحات الحل. ثم تحركت أنا بصفة فردية وأوصلت رسائل مختلفة إلى الجهات النافذة في هذه الوزارة، و قلت لها بان من الضروري اتخاذ إجراءات لتصحيح الوضع جزئيا أو كليا و إلا فان أصوات الاحتجاج ستسمع خارج الوزارة، وستخرج القضية عن نطاق سيطرة الإدارة المركزية . و كان الرد الثابت على كل هذه المبادرات هو التصرف كما لو أنه لم يكن شيء من ذلك.
والوزيرة تعرف أن مجموعة الـ35 مستشارا للشؤون الخارجية عقدوا جلسات في قاعة الاجتماعات بالديوان على بعد أمتار من مكتبها هي، وتداولوا حول ضرورة تأسيس نقابة للدبلوماسيين المهنيين في مواجهة تجاهلهم، ووقعوا رسالة إلى رئيس الجمهورية عرضوا فيها مطالبهم. و الوزيرة والأمين العام كلاهما و معهم الوزراء والأمناء العامون السابقون، اجتمعوا بنا وطرحنا عليهم جماعيا قضيتنا لكن شيئا لم يتغير. و جاءت مذكرة التعيينات ليوم 12 إبريل 2010 لتعلن بوضوح أن هذه الوزارة غير مستعدة للاعتراف بوجودنا ولا للتعاطي مع قضيتنا.
وعندها توصلت إلى أن ساعة الفعل بعد الإنذار قد دقت، فأصدرت مقالي بعنوان "الكتاب الأبيض حول التعيينات الدبلوماسية ليوم 12 إبريل". وقمت فيه بعرض دقيق وصريح للمشكلة في علاقة بالصعوبات والمشاكل العامة التي يعاني منها القطاع، و ذلك بأسلوب حذر وهادئ.
و لم يكن بد من ذلك بعد أن كنت قد دأبت على عقد جلسات خاصة مع المسئول المباشر عن ملف تسيير الموظفين وهو الأمين العام، كررت له فيها – أقصد الأمين العام السابق – بأن هنالك خطورة لتحول مشكلة الدبلوماسيين المهنيين إلى قضية رأي عام، تطرح في الإعلام ويتم التداول حولها على مستويات أرفع و أوسع، و قمت بتذكيره بذلك في الاجتماع الذي جمعنا مع الوزيرة بحضوره هو. ثم كررت ذات الفكرة للأمين العام الحالي في الاجتماع الذي عقده مع مجموعة الـ15 مستشارا، وذلك أياما قبل صدور مذكرة تعيينات 12 إبريل.
وعكسا لما توقعت، تتابعت الأسابيع بعد صدور "الكتاب الأبيض" دون ظهور أية مبادرة من الوزيرة ولا من الأمين العام للاتصال بي ولا بأي من الدبلوماسيين المهنيين بهدف إعادة قنوات الاتصال الإداري الداخلي بين هؤلاء الموظفين وإدارتهم، أو إزالة الانسداد الذي أدى إلى تسرب المشكلة إلى الإعلام.
و رغم ذلك فإنني بدلا من التوجه نحو القضاء الإداري والبرلمان والإذاعة والتلفزيون و المفتشية العامة للدولة - كما وعدت - قصدت الأمين العام في مكتبه و قلت له بأنني جئت بعد أن انتظرت دون جدوى الاتصال بي من قبل الوزيرة أو من قبله هو أو من قبل مديري باباه سيدي ولد عبد الله للاستفسار عن دوافع ومبررات الخطوة التي أقدمت عليها. وقلت له في مساء ذلك اليوم من النصف الأول من شهر مايو الماضي، إن ما قمت به هو نوع مختلف من الحوار مع الإدارة. و أن قصدي ليس هو التمرد على إدارتي و لا تجاوزها، فانا موظف مطيع لهم جاهز لكل عمل يكلفونه به. كل ما هنالك انه قد تأكد لي أن قنوات الاتصال بيني أنا و زملائي مع إدارتنا قد قطعت، و أن الأجواء بيننا قد سممت بالكامل، فلم يبق لنا سوى عرض القضية في الإعلام، تمهيدا لرفعها إلى البرلمان، قبل اللجوء إلى القضاء الإداري.
ورد علي الأمين العام بأنه لا ملاحظة له على ما كتبت في "الكتاب الأبيض"، وطلب مني التوقف عن رفع القضية إلى البرلمان أو طرحها من جديد في الإعلام أو على أية جهة أخرى حتى يتصلوا بنا. ووعدني بأنه سوف يبادر بالاتصال بالوزيرة وترتيب لقاءات مع مناديبنا الذين سجل لائحتهم في اجتماعه معنا، للاتفاق على حلول و لتنسيق الأمور فيما بين الطرفين. فأجبته بالقبول فورا ووعدته بالتوقف عن رفع القضية رغم أننا على أبواب الدورة البرلمانية، و بالتمسك بذلك الوعد ما استمر لدي بصيص أمل بوجود حلول قادمة.
غير أن الأسابيع تتابعت وفتحت الدورة البرلمانية وأخذت تقترب من الإغلاق دون أن أتلقى ولا أي من زملائي اتصال الأمين العام الذي وعد به، ودون أن نرى إعادة فتح لقنوات التواصل مع وزارتنا. بل إن الوزيرة اختارت السرعة القصوى في السير بالاتجاه المعاكس بإصرارها على نحو غير مسبوق على التمسك بمذكرة تعيينات 12 إبريل رغم أن جهات إدارية في الوزارات الأخرى كشفت لها عن ثغرات قانونية فيها، ورغم معرفتها بأنها ليست المرة الأولى في تاريخ وزارة الخارجية التي تعلن فيها مذكرة تحويلات جماعية ليتم إلغاؤها بعد ذلك.
و وصلت السيدة الوزيرة في تعصبها لهذه المذكرة إلى حد الخرق المعلن للقوانين بإصدارها مقررا جديد يلغي مقررا سابقا لمجرد أن جانبا من محتوى هذه المذكرة يتعارض معه. و ذهبت ابعد من ذلك عندما أصرت على أن تأخذ هذه المذكرة طريقها إلى التنفيذ برقمها وتاريخها السابقين، رغم أن نفاذها لا يمكن تبريره قانونيا إلا بإعادة إصدارها بتاريخ ورقم جديدين لاحقين لتاريخ المقرر الجديد الذي تستند إليه.
وعندما قطع الشك باليقين واتضح أن وزيرتنا قد جعلت من تهميشنا كمجموعة من الدبلوماسيين المهنيين قضيتها الأولى، لم يعد هنالك مبرر لاستمرار الهدنة، فقررت البدء من جديد من حيث انتهيت في آخر اجتماع لي أمين عام الوزارة.
في كواليس البرلمان
عندما بدأت اتصالاتي مع النواب كان الوقت قد أخذ يضيق على إتمام إجراءات وضع سؤال شفهي خاص بالموضوع على الوزيرة، لكن النواب الذين بدوا متفهمين لأهمية الموضوع تعهدوا لي بطرح القضية على هامش الاستجواب المبرمج للوزيرة يوم الأحد 4 يونيو 2010، حيث هي مستدعاة من قبل النائب شيخنا ولد السخاوي للرد على سؤال حول الخطوات التي اتخذتها الوزارة أو التي ستتخذها لحماية الجاليات الموريتانية في أوربا إزاء إجراءات الدول الغربية في محاربة الحجاب ومنع بناء المآذن، وما يشكله ذلك من خطر على حرية ممارسة الموريتانيين المقيمين في الخارج لشعائرهم الإسلامية.
ورغم أنني وجدت صدر النائب السخاوي رحبا وأنه وعدني بأن يضع قضيتنا جنبا إلى جنب مع القضية موضوع السؤال – و قد وفى بما وعد - فإنني قررت الاتصال بأكبر عدد ممكن من النواب وخصوصا منهم قادة الكتل البرلمانية. ويسر الله المهمة حيث تمكنت رغم الحرس والبوابين وكثافة العمل والمشاغل أمام النواب من تزويد عدد كبير منهم بنسخ من "الكتاب الأبيض" ومجموعة من الوثائق الإدارية والقانونية الهامة ذات الصلة بالموضوع.
وعند ما أدركت أن المهمة أصعب مما تصورت، وأن الوقت والإمكانيات المتاحة لا تسمح بالوصول إلى الجميع، وحرصا على أن يصل الخطاب إلى مجموع أعضاء الغرفة البرلمانية قمت بنشر مقالي الأخير في موقع تقدمي. و قد قدمت في ذلك المقال شرحا ووصفا للوثائق المقدمة، وملخصا حول العناصر الأساسية في الملف.
و كان من أهداف نشر ذلك المقال، انتهاز الفرصة لاستثارة كل ما يمكن من الردود من طرف السيدة الوزيرة حول هذا الملف. و قد وصفني البعض بالغباء التكتيكي باعتبار نشر ذلك المقال بمثابة مساعدة نادرة للوزيرة و مستشاريها في إعداد ورقتهم. فلهم أقول: أنا لست في مواجهة مع وزيرتي ولا بصدد طعنها في الظهر، بل بصدد إجراء حوار غير مباشر معها. و ما دامت غير مستعدة للحوار المباشر معنا كموظفين تابعين لها، و غير مستعدة حتى لمجرد التعليق على ما نشرناه، فلا أقل من أن تقابلنا بطريقة أخرى و نقدم لها أنفسنا عبر "الشبكة العنكبوتية العالمية" و كذا عبر أسئلة نواب الشعب الموقرين.
و الهدف الأهم من مقالي إلى النواب بل و من أصل طرح القضية على البرلمان كان السعي إلى تحرير السيدة الوزيرة من طوق التزوير والتآمر الذي يفرضه عليها مستشاروها. و قد توقعت أن الوزيرة عند ما ستطلع على العرض الموثق إداريا وقانونيا للملف ستدرك إلى أي حد خدعها هؤلاء المستشارون وورطوها في خيارات لا مصلحة لها فيها. وعند ما سيواجهها النواب بهذه القضية ستدرك أن الأمر يتعلق بحقوق وراءها مطالب، وأن المشكلة أصبحت جدا، و غدت مطروحة على نحو لم يعد التجاهل و التصامم يغني معه شيئا .
الوزيرة الإعلامية و المحامية
الكتابة بعد ألف ليلة من الصمت
منذ شهور وأنت مصاب بهستيريا الكتابة حول الشأن الدبلوماسي ؟ ألا ترى أنك تضرب في حديد بارد وأنك تكتب فوق الماء ؟ هل توهمت نفسك في واحدة من ديمقراطيات العالم الأول ونسيت أنك بين "أهل لخيام"؟ هلا قمت بفرك عينيك والتحديق جيدا في من حولك لتتأكد أنك هنا في مكاتب وزارة خارجية دولة من العالم الثالث ولست في مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية أو الفرنسية ؟
ثم أين أنت من المسافة الفاصلة بين الصحفي و الدبلوماسي؟ أليس الأخير ملزما بالتحفظ التام عندما يتعلق الأمر بالكتابة حول القضايا ذات الصلة بمهنته ؟ ألست بهذا تقدم لنا دليلا صارخا على عدم صلاحيتك للمهنة الدبلوماسية و وجوب مصادرة جواز سفرك الدبلوماسي؟
لهؤلاء وأولئك أقول: إن الكتابة هي الشكل الأكثر نعومة ومدنية من أشكال النقد والاحتجاج. و هي في دولة القانون والديمقراطية أداة أساسية للتواصل، تفك عنها كل القيود وترفع كافة أشكال المصادرة، باعتبار ذلك الشرط الأول لتأمين الشفافية وبث ثقافة السلم المدني و مكافحة كافة أشكال التطرف و التصعيد.
وفي الديمقراطيات التي تحترم نفسها وتسير فيها المصالح العامة وفق خطط وبرامج قابلة للتحليل والتبرير والمناقشة، فإن صناع القرار أنفسهم يمسكون القلم ويعبرون عن آرائهم ويدافعون عن اختياراتهم، بمن فيهم الوزراء ورؤساء الوزراء.
وفي القطاع الدبلوماسي فإن هذا الاتجاه يتأكد ، والدبلوماسيون – بما فيهم السفراء - يجدون أنفسهم في أحيان كثيرة ملزمين بنشر مقالات تهدف إلى الدفع بعلاقات التعاون بين بلدانهم و البلدان الأخرى أو للإجابة على أشياء كتبت عن بلدانهم أو للمرافعة حول قضايا وصعوبات تواجه أداءهم لمهامهم.
وإذا كانت الإضرابات و الاعتصامات غير ملائمة كآليات للتعبير عن الاحتجاج النقابي في حالة موظفي الأسلاك الدبلوماسية والقنصلية، فإن الكتابة هي أفضل وسيلة لتعقيم الأجواء في هذا القطاع ضد الوصول إلى مثل هذه المستويات.
ثم أضيف أنه إذا كان جنون الكتابة حول هذا الموضوع لم يصبني إلا منذ منتصف إبريل الماضي، فإن علاقتي بالكتابة وقدراتي في مجالها قائمة قبل هذا التاريخ بوقت طويل وفق ما يعرفه الذين يقرؤون بعض ما يكتب في هذه البلاد، و المشكلات التي أكتب عنها كانت ماثلة أمامي طيلة السنوات الثلاث الماضية.
تعلموا سادتي أنني لم أبادر منذ اليوم الأول إلى استعراض العضلات الفكرية في أروقة ومكاتب الوزارة. لقد صبرت على الصمت حيث وجب الكلام حتى تراكم - ملء سمعي و بصري - من المشكلات و الحكايا الصغيرة والكبيرة، ما لو عثرت به شهرزاد لما "أمسكت عن الكلام المباح حين أدركها الصباح"، بل لواصلت نهارها بليلها في قصص آلاف السنوات بلياليها.
أذن على من نظر فيه أن يعلم أننا لا نكتب عن مشاكل تسيير موظفي في الشؤون الخارجية اختيارا بل اضطرارا. نكتب حيث لم يعد لنا خيار آخر. حيث تم تسميم الأجواء بصفة كاملة بيننا وبين صناع القرار في إدارتنا المركزية، و أوصدت جميع الأبواب وقطعت جميع خطوط الاتصال، في وقت لا وجود فيه لأية نقابة مهنية تعنى بتمثيل الأسلاك الدبلوماسية والقنصلية في موريتانيا.
و لعل كل من له أدنى بصيرة بمثل هذه الشؤون يدرك انه في حالة فئة من الموظفين لا رغبة ولا استعداد لديها للعمل النقابي و ممارسة الضغوط على إدارتها، لا بديل عن العمل على تنوير الرأي العام والمستويات العليا في صنع القرار، لدفعها إلى الضغط على مثل هذه الإدارة لتعديل سياستها.
وضع الوزارة أمام مسؤولياتها
واضح من نبرة السيدة الناها بنت مكناس وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون في جلسة مساءلتها أمام النواب يوم 4 يونيو الماضي أنها غاضبة جدا، وواضح لي أن سبب ذلك الغضب هو تفاجؤها باتصالاتي أنا بالنواب تحضيرا لمساءلتها هي حول مشكل الدبلوماسيين المهنيين، وبالرسالة الموثقة التي وجهتها للسادة النواب في هذا السياق من على منبر موقع "تقدمي".
والحقيقة أن السيدة الوزيرة ومستشاريها لو كانوا يفحصون ملفاتهم جيدا ويربطون أوراقهم ببعضها ويبنون قراراتهم و ردود أفعالهم على ما هو أبعد من اللحظة، لن يستغربوا قيام واحد من المعنيين بهذه القضية بطرح المشكلة في وسائل الإعلام أولا ثم على ممثلي الشعب بعد من ذلك.
إن الكرة كانت منذ وقت طويل في مرمى الوزارة، ونحن كمجموعة كنا قد وضعنا الوزارة أمام مسؤولياتها وشرحنا لها المشكل المطروح وقدمنا لها مقترحات الحل. ثم تحركت أنا بصفة فردية وأوصلت رسائل مختلفة إلى الجهات النافذة في هذه الوزارة، و قلت لها بان من الضروري اتخاذ إجراءات لتصحيح الوضع جزئيا أو كليا و إلا فان أصوات الاحتجاج ستسمع خارج الوزارة، وستخرج القضية عن نطاق سيطرة الإدارة المركزية . و كان الرد الثابت على كل هذه المبادرات هو التصرف كما لو أنه لم يكن شيء من ذلك.
والوزيرة تعرف أن مجموعة الـ35 مستشارا للشؤون الخارجية عقدوا جلسات في قاعة الاجتماعات بالديوان على بعد أمتار من مكتبها هي، وتداولوا حول ضرورة تأسيس نقابة للدبلوماسيين المهنيين في مواجهة تجاهلهم، ووقعوا رسالة إلى رئيس الجمهورية عرضوا فيها مطالبهم. و الوزيرة والأمين العام كلاهما و معهم الوزراء والأمناء العامون السابقون، اجتمعوا بنا وطرحنا عليهم جماعيا قضيتنا لكن شيئا لم يتغير. و جاءت مذكرة التعيينات ليوم 12 إبريل 2010 لتعلن بوضوح أن هذه الوزارة غير مستعدة للاعتراف بوجودنا ولا للتعاطي مع قضيتنا.
وعندها توصلت إلى أن ساعة الفعل بعد الإنذار قد دقت، فأصدرت مقالي بعنوان "الكتاب الأبيض حول التعيينات الدبلوماسية ليوم 12 إبريل". وقمت فيه بعرض دقيق وصريح للمشكلة في علاقة بالصعوبات والمشاكل العامة التي يعاني منها القطاع، و ذلك بأسلوب حذر وهادئ.
و لم يكن بد من ذلك بعد أن كنت قد دأبت على عقد جلسات خاصة مع المسئول المباشر عن ملف تسيير الموظفين وهو الأمين العام، كررت له فيها – أقصد الأمين العام السابق – بأن هنالك خطورة لتحول مشكلة الدبلوماسيين المهنيين إلى قضية رأي عام، تطرح في الإعلام ويتم التداول حولها على مستويات أرفع و أوسع، و قمت بتذكيره بذلك في الاجتماع الذي جمعنا مع الوزيرة بحضوره هو. ثم كررت ذات الفكرة للأمين العام الحالي في الاجتماع الذي عقده مع مجموعة الـ15 مستشارا، وذلك أياما قبل صدور مذكرة تعيينات 12 إبريل.
وعكسا لما توقعت، تتابعت الأسابيع بعد صدور "الكتاب الأبيض" دون ظهور أية مبادرة من الوزيرة ولا من الأمين العام للاتصال بي ولا بأي من الدبلوماسيين المهنيين بهدف إعادة قنوات الاتصال الإداري الداخلي بين هؤلاء الموظفين وإدارتهم، أو إزالة الانسداد الذي أدى إلى تسرب المشكلة إلى الإعلام.
و رغم ذلك فإنني بدلا من التوجه نحو القضاء الإداري والبرلمان والإذاعة والتلفزيون و المفتشية العامة للدولة - كما وعدت - قصدت الأمين العام في مكتبه و قلت له بأنني جئت بعد أن انتظرت دون جدوى الاتصال بي من قبل الوزيرة أو من قبله هو أو من قبل مديري باباه سيدي ولد عبد الله للاستفسار عن دوافع ومبررات الخطوة التي أقدمت عليها. وقلت له في مساء ذلك اليوم من النصف الأول من شهر مايو الماضي، إن ما قمت به هو نوع مختلف من الحوار مع الإدارة. و أن قصدي ليس هو التمرد على إدارتي و لا تجاوزها، فانا موظف مطيع لهم جاهز لكل عمل يكلفونه به. كل ما هنالك انه قد تأكد لي أن قنوات الاتصال بيني أنا و زملائي مع إدارتنا قد قطعت، و أن الأجواء بيننا قد سممت بالكامل، فلم يبق لنا سوى عرض القضية في الإعلام، تمهيدا لرفعها إلى البرلمان، قبل اللجوء إلى القضاء الإداري.
ورد علي الأمين العام بأنه لا ملاحظة له على ما كتبت في "الكتاب الأبيض"، وطلب مني التوقف عن رفع القضية إلى البرلمان أو طرحها من جديد في الإعلام أو على أية جهة أخرى حتى يتصلوا بنا. ووعدني بأنه سوف يبادر بالاتصال بالوزيرة وترتيب لقاءات مع مناديبنا الذين سجل لائحتهم في اجتماعه معنا، للاتفاق على حلول و لتنسيق الأمور فيما بين الطرفين. فأجبته بالقبول فورا ووعدته بالتوقف عن رفع القضية رغم أننا على أبواب الدورة البرلمانية، و بالتمسك بذلك الوعد ما استمر لدي بصيص أمل بوجود حلول قادمة.
غير أن الأسابيع تتابعت وفتحت الدورة البرلمانية وأخذت تقترب من الإغلاق دون أن أتلقى ولا أي من زملائي اتصال الأمين العام الذي وعد به، ودون أن نرى إعادة فتح لقنوات التواصل مع وزارتنا. بل إن الوزيرة اختارت السرعة القصوى في السير بالاتجاه المعاكس بإصرارها على نحو غير مسبوق على التمسك بمذكرة تعيينات 12 إبريل رغم أن جهات إدارية في الوزارات الأخرى كشفت لها عن ثغرات قانونية فيها، ورغم معرفتها بأنها ليست المرة الأولى في تاريخ وزارة الخارجية التي تعلن فيها مذكرة تحويلات جماعية ليتم إلغاؤها بعد ذلك.
و وصلت السيدة الوزيرة في تعصبها لهذه المذكرة إلى حد الخرق المعلن للقوانين بإصدارها مقررا جديد يلغي مقررا سابقا لمجرد أن جانبا من محتوى هذه المذكرة يتعارض معه. و ذهبت ابعد من ذلك عندما أصرت على أن تأخذ هذه المذكرة طريقها إلى التنفيذ برقمها وتاريخها السابقين، رغم أن نفاذها لا يمكن تبريره قانونيا إلا بإعادة إصدارها بتاريخ ورقم جديدين لاحقين لتاريخ المقرر الجديد الذي تستند إليه.
وعندما قطع الشك باليقين واتضح أن وزيرتنا قد جعلت من تهميشنا كمجموعة من الدبلوماسيين المهنيين قضيتها الأولى، لم يعد هنالك مبرر لاستمرار الهدنة، فقررت البدء من جديد من حيث انتهيت في آخر اجتماع لي أمين عام الوزارة.
في كواليس البرلمان
عندما بدأت اتصالاتي مع النواب كان الوقت قد أخذ يضيق على إتمام إجراءات وضع سؤال شفهي خاص بالموضوع على الوزيرة، لكن النواب الذين بدوا متفهمين لأهمية الموضوع تعهدوا لي بطرح القضية على هامش الاستجواب المبرمج للوزيرة يوم الأحد 4 يونيو 2010، حيث هي مستدعاة من قبل النائب شيخنا ولد السخاوي للرد على سؤال حول الخطوات التي اتخذتها الوزارة أو التي ستتخذها لحماية الجاليات الموريتانية في أوربا إزاء إجراءات الدول الغربية في محاربة الحجاب ومنع بناء المآذن، وما يشكله ذلك من خطر على حرية ممارسة الموريتانيين المقيمين في الخارج لشعائرهم الإسلامية.
ورغم أنني وجدت صدر النائب السخاوي رحبا وأنه وعدني بأن يضع قضيتنا جنبا إلى جنب مع القضية موضوع السؤال – و قد وفى بما وعد - فإنني قررت الاتصال بأكبر عدد ممكن من النواب وخصوصا منهم قادة الكتل البرلمانية. ويسر الله المهمة حيث تمكنت رغم الحرس والبوابين وكثافة العمل والمشاغل أمام النواب من تزويد عدد كبير منهم بنسخ من "الكتاب الأبيض" ومجموعة من الوثائق الإدارية والقانونية الهامة ذات الصلة بالموضوع.
وعند ما أدركت أن المهمة أصعب مما تصورت، وأن الوقت والإمكانيات المتاحة لا تسمح بالوصول إلى الجميع، وحرصا على أن يصل الخطاب إلى مجموع أعضاء الغرفة البرلمانية قمت بنشر مقالي الأخير في موقع تقدمي. و قد قدمت في ذلك المقال شرحا ووصفا للوثائق المقدمة، وملخصا حول العناصر الأساسية في الملف.
و كان من أهداف نشر ذلك المقال، انتهاز الفرصة لاستثارة كل ما يمكن من الردود من طرف السيدة الوزيرة حول هذا الملف. و قد وصفني البعض بالغباء التكتيكي باعتبار نشر ذلك المقال بمثابة مساعدة نادرة للوزيرة و مستشاريها في إعداد ورقتهم. فلهم أقول: أنا لست في مواجهة مع وزيرتي ولا بصدد طعنها في الظهر، بل بصدد إجراء حوار غير مباشر معها. و ما دامت غير مستعدة للحوار المباشر معنا كموظفين تابعين لها، و غير مستعدة حتى لمجرد التعليق على ما نشرناه، فلا أقل من أن تقابلنا بطريقة أخرى و نقدم لها أنفسنا عبر "الشبكة العنكبوتية العالمية" و كذا عبر أسئلة نواب الشعب الموقرين.
و الهدف الأهم من مقالي إلى النواب بل و من أصل طرح القضية على البرلمان كان السعي إلى تحرير السيدة الوزيرة من طوق التزوير والتآمر الذي يفرضه عليها مستشاروها. و قد توقعت أن الوزيرة عند ما ستطلع على العرض الموثق إداريا وقانونيا للملف ستدرك إلى أي حد خدعها هؤلاء المستشارون وورطوها في خيارات لا مصلحة لها فيها. وعند ما سيواجهها النواب بهذه القضية ستدرك أن الأمر يتعلق بحقوق وراءها مطالب، وأن المشكلة أصبحت جدا، و غدت مطروحة على نحو لم يعد التجاهل و التصامم يغني معه شيئا .
الوزيرة الإعلامية و المحامية
لأحد 4 يونيو 2010، يوم انتظرته طويلا إذ هو كما توقعته يوم من أيام التاريخ التي يكون لها ما بعدها. وهذا النوع من الأيام يبدأ بالنسبة للناس باكرا في العادة. وكذلك كان شأنه بالنسبة لي.
وصلت مبكرا إلى مباني الجمعية الوطنية صبيحة ذلك اليوم، حيث كان علي أن أضع اللمسات الأخيرة على حملة التحسيس وتوزيع الوثائق التي قمت بها طيلة أيام في صفوف النواب. و كنت حريصا خصوصا على توزيع نسخ ورقية من مقالتي المنشورة في موقع تقدمي على شكل رسالة إلى النواب.
و كان فكري ممتلئا من حقيقة أن التي ستكون محلا للمساءلة في ذلك اليوم هي صانعة القرار فيما يخص شؤون وزارتنا. و كان معنى ذلك بالنسبة لي أنني احضر شيئا أهم بكثير من مجرد محاضرة أو حوار تلفزيوني أو مسرحية من مثل هذه الألوان الكثيرة من العروض التي نتابعها أو لا، نستمع إليها جزئيا أو نصرف عنها الاهتمام بالكامل، و الكل سواء. جلست في قاعة الجمهور الخلفية و أنا انتظر قرارات ووعودا فعلية وإجابات حاسمة.
وتعرفون في العادة أن هنالك فرقا كبيرا بين أن يكون صاحب القرار هو الذي سيتحدث وبين أن يكون الحديث لنائبه أو مستشاره أو الناطق الرسمي باسمه أو محاميه. فصاحب السلطة المباشرة في التسيير واتخاذ القرارات عادة يتحدث عن معرفة واسعة وسيطرة كاملة على الملف، ويجيب على كل ما يطرح عليه الآن وفورا إذ أنه لا ينتظر أوامر من طرف أي كان.
و كلي أسف الآن لكون السيدة وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون لم تظهر ولم تتحدث ولم تسلك وفقا لهذه الشروط في ذلك الجمع بل على نحو مختلف. لقد دخلت قاعة البرلمان متأخرة في حدود الساعة الثانية ظهرا. وبدلا من أن تأتي مصحوبة بأمينها العام ومجموعة من مديريها المركزيين الذين يسيرون الملفات الرئيسية، جاءت رفقة مدير الاتصال ومدير الشؤون القانونية والقنصلية اللذين يشغلان على التوالي موقع المستشار الإعلامي والمستشار القانوني وذلك ما يعني منذ اللحظة الأولى أنها لم تأت للتجاوب مع المطالب وحل المشاكل التي ستطرح عليها مما ينتمي إلى دائرة الفعل، وإنما جاءت للدعاية لسياستها والدفاع عنها أي لتبرير فعل سابق. و يعلم الجميع أن مثل هذا القصد ليس أولويات صاحب القرار و انه دور الإعلامي والمحامي اللذين يروجان لما يقوم به هو ويدافعان عنه. بل يمكن القول إن صاحب سلطة القرار عندما يركز على هذين الدورين فإنه ينزل عن مستواه الاعتباري.
والأخطر هو ما رأيناه – ورآه نواب الشعب معنا – بأم العيون من تسليم الوزيرة بالكامل لمقاليد الشأن لمستشاريها الإعلامي والقانوني، حيث رأينا في حالات كثيرة مدير الاتصال ومدير الشؤون القانونية وهما يحرران الإجابة مباشرة أثناء أسئلة البرلمانيين، ويسلمان قصاصاتهما الورقية إلى الوزيرة لقراءتها، ما يعني أنها توقع فورا على كل ما قاله الرجلان. و حاشاي أن أقول إن الوزيرة قد تنازلت عن المسؤوليات التي أوكلها إليها رئيس الجمهورية ووزيره الأول وسلمتها إلى آخرين ليتحملوها عنها، لكنني أردت أن أشير إلى أن وزيرتنا بالغت كثيرا في اقتناعها بقدرات وكفاءات هذين الإطارين حتى استغنت بهما عن مبادراتها و خياراتها هي، و لجان العمل التي من المفترض أن تكون قائمة و يلجأ إليها في مثل هذه الحالات. و تفسيري الخاص لتنازل الوزيرة عن مهمة الصياغة لمستشاريها في ذلك اليوم هو أنها لم تكن مهتمة بمضمون ما ستدلي به من تصريحات و لا بمدى صحته ودقته، بل إن تركيزها كان على لأثر الدعائي الذي ستخلفه تلك التصريحات على النواب الحاضرين، و لدى الجمهور العريض من مستمعي الإذاعة ومشاهدي التلفزيون، و الرجلان من الصنف الذي لا يبارى في مثل هذا الميدان.
لكن ما يؤسف له حقا أنه عند ما انقلبت الأدوار على هذا النحو فإن أداء الوزيرة قد جاء تحت مستوى التوقعات بكثير، وتميز خطابها بالقلب الكامل في ترتيب الأولويات، حيث مالت إلى التفصيل والتدقيق في قضايا تعتبر أقل أهمية في حياة الوزارة وفي مهمة الوزير، بينما أجابت إجابات مجتزأة وتهربت أحيانا من الجواب في حالة الأسئلة الأكثر أهمية ومحورية.
وكما لو أن الوزيرة قرأت مقالتي في موقع تقدمي 24 ساعة قبل جلسة البرلمان ورسمت لنفسها هدفا مركزيا هو الرد علينا وإثبات أنه لا حق لنا فيما نطلبه والتقليل من شأننا
عند النواب والرأي العام. وكان ذلك على حساب الإعداد الجيد للرد على السؤال المطروح عليها وسيل الأسئلة الأخرى التي وردت أثناء الجلسة.
وهذا ما جعل ردها على السؤال حول سياسة موريتانيا فيما يخص الصداقة والتحالفات على المستوى الدولي في صورة تهرب من السؤال، بينما جاء ردها بخصوص الخيارات المتاحة أمام الموريتانيين في أوربا كتبرير صريح لفرض أوربا لقوانينها على المهاجرين وعدم وجود حق لهؤلاء الأخيرين في حماية خصوصيتهم الثقافية والدينية في بلدان المهجر. وذهبت الوزيرة إلى حد مطالبتهم بالعودة إلى الوطن، متناسية بذلك أن المهاجرين هم المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في البلد وأن الموجودين هناك يعيلون مئات آلاف المقيمين هنا. وبخصوص ملف رجال الأعمال الموريتانيين في الصين زودت الشرطة والقضاء في الصين بوسائل للذهاب أبعد في قمع التجار الموريتانيين عند ما أكدت المعلومات التي أفادت بأنهم تحايلوا على الصينيين في مبالغ تصل إلى 3 مليارات أوقية.
وفي اعتقادي أن الوزيرة لو كانت قد أشركت قطاعا أوسع من الفنيين التابعين لها في تحضير جلسة الاستجواب واهتمت بما هو أبعد من شن الحملة على الدبلوماسيين المهنيين، ما كانت لتقع في مثل هذه الأخطاء الصارخة في خطابها. والمعروف أن خطاب وزير الخارجية يفترض أن يكون خطابا ممثلا للإرادة العامة للأمة الموريتانية جميعها ولخطاب حكومتها إزاء العالم المحيط.
رد الوزيرة حول تظلم الدبلوماسيين المهنيين
المفارقة والقلب الأكثر خطورة في هذا الخطاب هو أن وزيرة الخارجية همشت الأسئلة التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمجال اختصاصها وركزت على مجال فني تفصيلي هو عادة من اختصاص الأمين العام والمدير الإداري والمالي. وذهب بها الحماس في هذا الموضوع إلى حد نسيان أن مذكرات تعيين أشخاص البعثات الدبلوماسية ما تحت السفراء يوقعها الأمين العام، شأنها شأن المناصب الفنية في الإدارة المركزية. ثم ذهبت أبعد من ذلك في منح الأولوية لهذه القضية لحد طلبها للرأي فيها من المشرعين، الذين لا ترتبط مهمتهم إلا بما هو في أعلى درجات التعميم والكلية.
ويمكن تلخيص أبرز ما قالته بهذا الخصوص في نقاط أربع:
1 - إذا كان بعض الوزراء والأمناء العامين السابقين استجلبوا معهم إلى وزارة الشؤون الخارجية بعضا من أقاربهم وخاصتهم فانا لم استجلب شخصا واحدا.
2 - عندما سلمت لي هذه المسؤولية وجدت في هذه الوزارة مجموعة من قدماء الدبلوماسيين خدم بعضهم 20 سنة والبعض الآخر 15 وتعاقب عليهم وزراء وأمناء عامون كثيرون دون أن تتغير وضعياتهم، بينما عين في البعثات الدبلوماسية الغرباء على الوزارة القادمون من كل الجهات، و بقوا هم مظلومين مقهورين يتحملون لوحدهم متاعب العمل والمعاناة في مكاتب وأروقة وزارة الشؤون الخارجية، فقمت بإنصافهم ورفع الظلم عنهم بتعيينهم في البعثات الدبلوماسية في الخارج.
3 - وجدت دبلوماسيين يعملون في البعثات الدبلوماسية في الخارج قبلي وكان من الممكن أن استدعيهم للعمل في الإدارة المركزية، غير أني فضلت التريث ومنحهم فرصة أخرى لأراقب عن كثب أداءهم قبل الحكم عليهم.
4 - هنالك بالمقابل مجموعة تتكون من 35 إطارا جديدا على الخدمة في وزارة الخارجية تتوزع إلى مجموعتين:
- المجموعة الأولى: 15 أستاذا قادمين من التعليم الابتدائي والثانوي خضعوا لتكوين 4 أشهر في المدرسة الوطنية للإدارة. وهؤلاء هم الذين يثيرون كل هذه الضجة. فبماذا تشيرون علي أيها النواب المحترمون ؟ هل تعتقدون أن أساتذة قضوا أربعة أشهر فقط في المدرسة الوطنية للإدارة يستطيعون تمثيل موريتانيا في الخارج ؟ هذا شيء غير معقول ولا يمكن القبول به.
ثم إن العمل الدبلوماسي لا يقتصر على العمل في الخارج. وإذا كان هؤلاء يعتقدون أنهم وصلوا إلى الخارجية ليبعثوا مباشرة للعمل في السفارات فهم قد ضلوا الطريق.
- المجموعة الثانية تتكون من 20 شابا تكونوا لمدة سنتين في المدرسة الوطنية للإدارة وهم حائزون على شهادات جامعية عليا. وهؤلاء شباب متواضعون مستعدون للعمل في أي مستوى وجاهزون حتى للقيام بأدوار السكرتاريا والاستقبال.
وختمت الوزيرة كلامها بأن على الجميع إدراك بأنه حتى الحاصل على دكتوراه في الفلك لن يعين في الخارج قبل المرور بالخبرة الميدانية. التي تعني ضمن ما تعنيه هنا المرور بالاستندر والسكرتارية، وعالم الفلك الذي لا يقبل ذلك هو عالم قد ضل طريقه.
هدنة ما بعد موقعة البرلمان
سيدتي الوزيرة، ما كان لواحد من مرؤوسيك مثلي أن يقوم بنشر رد على تصريحاتك لما في ذلك من تجاوز لتقاليد التعامل الإداري السليم، لكن مرور شهر دون صدور أي اعتذار لأي منا عما خلفته تصريحات الوزيرة من إساءة، وبالنظر إلى أن تضمن خطابك هجوما على مجموعة من أشخاص القطاع التابع لك يعتبر تنازلا غير ملائم وفقا للتقاليد الإدارية التي تأبى أن يتنازل الرئيس إلى مستوى تولي مهمة شن هجوم على بعض مرؤوسيه – كل ذلك - لم يترك لي خيارا آخر.
زد على ذلك أنني انتظرت أن ينطلق حوار مباشر بيننا وبينكم بعد "موقعة البرلمان" دون جدوى. ثم بادرت ببذل جهود للاتصال هذه المرة بمديري المباشر باباه ولد سيدي عبد الله، الذي كان قائدا فاعلا في تلك الموقعة، لكنني لمست منه تجنبا لمقابلتي. و المعروف أن لسان الحال ابلغ من لسان المقال، و لا شك أن ذلك يتأكد إذا كان اتجاه الحال و المقال واحدا.
عندها تحققت أنكم لستم جاهزين بعد للاعتراف بنا كموظفين عاملين في هذا القطاع، يستحقون على الأقل الاستماع إليهم عند ما يرفعون قضيتهم إلى مستويات عالية كهذه. و لم يكن ثمة بد من أن أعود. أعود لأكتب من جديد، لا طلبا للتعيين أو للحصول على "رسوم طريق" بقيمة 500 أو 300 دولار يوميا من مثل ما يمنح لأعضاء الوفد المرافق لك أو للمقربين الذين يبعثون في تكوينات إلى الخارج، و إنما دفاعا عن "رأسمال رمزي" و ثقة معنوية بالنفس هي أغلى عندي من كل الرواتب والرسوم بالعملات الصعبة، شعرت أن في خطاب السيدة الوزيرة محاولة لتجريدي و زملائي منها .
الظالمون المظلومون و المظلوم بهم
عند قراءة الملخص الذي دونته لخطاب الوزيرة أمام النواب، وجمع الفقرات 1و2 و3 لمقارنتها فستكتشف أنها متكاملة، وأن تكاملها مساعد على تبين جانب من التناقض الحاصل في هذه الخرجة الدعائية ضد " الدبلوماسيين المهنيين" ال 35 .
اعترفت الوزيرة بداية أن المدراء والأمناء العامين السابقين قد استجلبوا خاصتهم إلى القطاع، ثم تحدثت عن جماعة المظلومين الذين صبروا "صبر أيوب" لمدد تتراوح بين 20 و15 سنة، لكنها لم تنتبه إلى أن الجزء الأكبر من "المظلومين" محل الاستشهاد ينتمون إلى فئة أولئك المستجلبين إلى قطاع الخارجية بطريقة غير شرعية.
أما بقية المستجلبين فهم أولئك الذين وجدتهم وزيرتنا في البعثات الدبلوماسية في الخارج. و يمكن أن نسمي الأخيرين "المظلوم بهم"، و إلا فكيف نفهم كون المجموعة المثبتة في الداخل مظلومة إن لم يكن ذلك بسبب قيام آخرين باحتلال مقاعدها المستحقة في الخارج. و هؤلاء الذين ظلم بهم أولئك هم من قالت الوزيرة إنها فضلت منحهم فرصة أخرى لتجربهم و تراقب أداءهم، رغم أنهم مقيمون في "مخابر السفارات" منذ عقود. و الجديد اليوم هو انضمام المظلومين إلى من بهم ظلموا.
أما الحقيقة فهي أن أشخاص هاتين المجموعتين معا ظالمون لا مظلومين. إنهم ظلموا أعدادا وفيرة من الشباب الموريتاني الذي ذهب إلى الخارج وسهر الليالي في الجامعات وتخرج بشهادات عليا في العلوم السياسية والقانون الدولي والاقتصاد والإدارة، دون أن تفتح أمامهم أية مسابقة تمكنهم من احتلال مواقعهم الطبيعية في السلك الدبلوماسي" لأن المواقع كانت قد منحت ظلما لأولئك المستجلبين دون شهادة أو مسابقة.
الخلاصة التي أوصلتني إليها ثلاث سنوات من العمل في هذه الوزارة هي أن أزيد من 90% من موظفيها في البعثات الدبلوماسية في الخارج أو في الإدارة المركزية بنواكشوط ينتمون إلى فئة المستجلبين من طرف الوزراء والأمناء العامين السابقين التي أقرت السيدة الوزيرة بوجودها، ملمحة إلى أنها غير معنية بتصحيح ذلك الخطأ السابق عليها.
هاتان المجموعتان كلاهما ظالمة لا مظلومة، ظالمة لأنها تسللت في الظلام وفي غياب أية منافسة حرة ونزيهة، واحتلت مقاعد كان يفترض أن تفتح المسابقات لشغلها وكان الأولى بها أولئك الشباب الموريتانيون الذين سهروا الليالي وبذلوا الجهود المضنية حتى تحصلوا على شهادات جامعية عليا في العلوم السياسية والقانون والاقتصاد، ثم اضطروا بعد ذلك للعمل في المخابز أو الحنفيات أو المشاركة في مسابقات تكوين المعلمين أو الأساتذة، وبعضهم انتهى به المطاف مهاجرا في بلد آخر بحثا عن لقمة العيش، ليستفيد ذلك البلد من خبرته وعبقريته.
و إنهم ظالمون قبل ذلك للدبلوماسية الموريتانية عند ما استنفدوا كلما لديها من وسائل دون أن تكون لديهم أية قدرة على تعويض خسائر البلد وإنفاقاته عليهم. تجد الواحد منهم يخطف تكوينا في بلد آنجلو- سكسوني موجه إلى وزارة أخرى ويشترط في المشارك فيه أن يكون متمكنا من اللغة وخبيرا في المجال التخصصي للتكوين، فيذهب هو ويعود دون أن يفهم كلمة واحدة مما قيل هناك، بعد أن يكون قد فضح موريتانيا وقدمها في صورة بلد بدون كوادر. و الكثيرون يعرفون قصة الفنانة الكبيرة لبابة منت الميداح مع رجلي الأعمال الذين رافقاها إلى مؤتمر موسيقي منظم في مصر، و لا مشروع لهما في الحقيقة سوى التزود من البضاعة، و التذاكر على حسابك يا شنقيط.
وخل عنك ظلمهم لموريتانيا بإصرارهم على تمثيلها في مؤتمرات لا تحتاج إلى أكثر من يومين لكنهم يسحبون من الأمانة العامة للحكومة مصاريف باهظة لعشرة أيام، ولا يسكنون إلا في فنادق لا تليق بسمعة البلد. ثم يعودون من المؤتمر دون فعل أكثر من الجلوس على المقعد المخصص لموريتانيا. ومعلوم أنهم لن يقدموا تقريرا عن إنجازاتهم هناك لأنهم لم يفهموا أصلا ما قيل، فأحرى أن يبدعوا ويبادروا فيه.
ولن أطيل بقصص الفئة "المظلوم بها" أو المحظية بالعمل في البعثات الدبلوماسية. فالموريتانيون في الخارج يعرفونهم ويدركون جيدا ما إذا كانوا هناك لتمثيل موريتانيا أم لحساب التحويلات القادمة من وزارة المالية، وتمثيل مكاتب الاستيراد والتصدير الخصوصية، وفتح صرافات السوق السوداء في المكاتب الدبلوماسية والقنصلية لموريتانيا.
مرتنة التناوب الدبلوماسي
ما أروعها و أعظمها و أرشدها من سياسة تجديدية في مجال تسيير أشخاص الدبلوماسية الموريتانية - اقترح تدريسها في شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة - ستكون ثمرتها مصالحة و عدالة تمحو الأحقاد. سياسة ستؤدي إلى نسيان النزلاء الجدد ل "المخبر الدبلوماسي" لأحقادهم على من ظلمهم بمجرد أن يحظوا بدورهم بمقابلة محاسب السفارة، و ستقود إلى قطع السنة مثيري الضجة في وزارة الخارجية من أمثال الفقير إلى رحمة ربه كاتب هذا المقال، و تكشف لهم أن لموريتانيا مساهمتها الخاصة في المجال، وهي الأكثر تطورا بالمقارنة إلى مختلف التقاليد العالمية في هذا الذي يسمونه "التناوب الدبلوماسي".
و من يتأمل جيدا يدرك أن التناوب الدبلوماسي في "مفهومه الغربي" هو ظلم لا عدل. و الأخطر في الأمر أن الدبلوماسيين الذين ذاقوا طعم رواتب السفارات لا يمكنهم القبول به، و قد يدفعهم إلى ثورة أو "تفجيرات" في وزارة الخارجة لا قدر الله. ولهذه الأسباب أصدرنا "الطبعة الموريتانية من التناوب الدبلوماسي".
و يجدر التنبيه هنا إلى أن السيدة الوزيرة عبرت في اجتماعاتها ببعض كوادر الوزارة عن أسفها لكونها لم تستدع إلى الداخل أولئك الذين قضوا سنوات طويلة في الخارج، و لكنها خشيت من ضغوط الوساطات القوية التي تحمي هؤلاء، و أنها قامت هذه المرة بنقل بعضهم من بلد إلى آخر ترويضا لهم على أن التنقل، و ذلك لتحضيرهم نفسيا للعودة المحتملة – لا أدري متى - إلى نواكشوط،. و ربما كان عليكم أن تضيفوا ذلك إلى نظريات "التناوب الدبلوماسي الموريتاني".
فقط أحيطكم علما بان مجموعة معتبرة من رؤساء المصالح في وزارة الخارجية المعينين منذ سنوات لم يدخلوا مكاتبهم، بل لم يدخلوا الوزارة ولا حتى التراب الموريتاني ببساطة لأنهم كانوا في السفارات و العمل في الوزارة إهانة لهم. و ربما يحتاج المدير الذي يعملون تحت إمرته إلى حراسة خاصة قبل أن يكون قادرا على مطالبتهم بزيارة مجاملة لمكاتبهم. و أنا اعتقد أن الوزيرة حينما اتهمت مجموعتنا بكونهم يعتقدون بان العمل الدبلوماسي هو العمل في الخارج وحده إنما كانت تقصد هؤلاء، و لكنها كنت بنا عنهم، فمسؤولوا الخارجية يخافونهم عادة، و ليسو "الحائط القصير" شأننا نحن.
المستشارون الشباب المظلوم الأكبر
إذا كان تسيير الموظفين الدبلوماسيين يخضع في مختلف بلدان العالم لمعايير فنية ثابتة، يستند بعضها إلى مواد من "اتفاقية فيينا" قد أصبح وفقا لخطاب وزيرتنا مسألة عدالة في توزيع الأنصبة، فلابد من تذكير الوزيرة بواحدة من أكبر المظالم في وزارتها. وهي واقعة على مجموعة خصتها هي في خطابها بقدر كبير من الثناء. ألا وهي مجموعة مستشاري الشؤون الخارجية المتخرجين منذ سنة من المدرسة الوطنية للإدارة.
ولست بحاجة هنا إلى الحديث عن الشهادات العالية لهذه المجموعة فقد تحدثت عنها الوزيرة وأشادت بها فتركيزي سيكون على نقطة هي الأهم لم تتناولها هي، وهي أن هؤلاء الشباب وصلوا إلى ما هم فيه من رتبة في السلك الدبلوماسي بدون تدخل من آبائهم ولا أمهاتهم ولا شيخ قبيلتهم، لديها هي أو الأمين العام أو أي وزير أو أمين عام قبلهم، وإنما بفضل نتائجهم التي حصلوا عليها في مسابقة شفافة، أعلن عنها وفتح الباب للترشح لها أمام كل الشباب الموريتاني الحاصلين على شهادة المتريز فما فوق في مجالات القانون والاقتصاد والإدارة.
وترشح لتلك المسابقة 1000 مترشح وأذكر أن امتحانهم ألغي في أسبوعه الأول عند ما انتشرت شائعات تسرب الموضوع وأعيد إجراء الامتحان في الأسبوع الموالي في ظروف شهد الجميع بنزاهتها. وتمت تصفية مجموعة الـ19 التي هي اليوم - رغم أنوف الحاسدين - مجموعة من مستشاري الشؤون الخارجية، وهي الرتبة العليا في السلك الدبلوماسي ما تحت رتبة الوزير المفوض.
وكان الأحرى بمستشاري الوزيرة أن يكونوا دقيقين ويفيدوها بأن المستشار رقم 20 في المجموعة هو كاتب ضبط سابق خدم سنوات طويلة في وزارة العدل التي وصل فيها إلى وظيفة الكاتب الخاص لوزير العدل وتسابق على مقعده مع عدد كبير من الموظفين في مختلف الوزارات ليفوز هو بالمقعد الوحيد الداخلي. ويجب التنويه إلى ذلك حتى لا يقال له: أنت جديد وليست لك خبرة إدارية سابقة.
وهؤلاء الشباب عند ما سافروا بعد تخرجهم مباشرة في دورة تدريبية بوزارة الخارجية المغربية قدموا صورة مشرفة عن موريتانيا باعتراف زملائهم في المغرب. وأتذكر أن أحدهم كان نجما في وفد الدبلوماسيين الموريتانيين الذي نظمت لصالحه دورة تكوينية في المعهد الدبلوماسي بطرابلس، وشرفنا ورفع هاماتنا عندما حاضر – وهو الشاب الأصغر سنا من بيننا – أمام دكاترة ودبلوماسيي المعهد، حول الدبلوماسية الموريتانية.
لكن هذه المجموعة وقعت منذ وصولها إلى الوزارة تحت نير مظالم يندر من يصبر على مثلها، فبعد أن فشل لوبي الفساد في الوزارة في منعهم من حقهم في الرتبة التي حصلوا عليها بالقانون وهي رتبة مستشار الشؤون الخارجية، ضغط على حلفائه في وزارة المالية وفرض عليهم العلامة القياسية الخاصة برتبة سكرتير الشؤون الخارجية، ما جعل رواتبهم اليوم ضمن مستوى الرواتب الأخفض على مستوى الوظيفة العمومية. فهلا أعطيتهم سيدتي نصيبهم من العدالة التي توزعونها، وطالبتم وزير المالية بمواءمة رواتبهم مع صفتهم الإدارية القانونية.
ويلزم التنبيه هنا على أن العدالة المطلوبة في قطاعنا هي قبل كل شيء وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، وإذا كان هؤلاء الشباب المتحمسين متواضعين جدا، فعليكم أن تدركوا أنهم لم يشاركوا في المسابقة ويخضعوا للتكوين في المدرسة الوطنية للإدارة ليصبحوا عمالا في السكرتارية أو الاستندر. ووفق التقاليد الدبلوماسية العالمية لكل رتبة في البعثة الدبلوماسية أو في الوفد مستوى مهني مواز له. وقانون الوظيفة العمومية والنظام الخاص بالأسلاك الدبلوماسية والقنصلية كلاهما يتضمنان نصا وروحا إشارة إلى ضرورة توزيع المسؤوليات وفقا لدرجات السلم الوظيفي. وعليه فإن الفئة(أ) من أسلاك الوظيفة العمومية – التي ينتمي إليه مستشارو الشؤون الخارجية – هي فئة القيادة وبناء التصور، في حين أن التنفيذ من اختصاص الفئة (ب). أما الفئة (ج) – التي يفترض أن ينتمي إليها عمال السكرتارية – فهي فئة عمال الدعم.
15 ذمهم مدحهم
تميز خطاب الوزيرة بتركيز الهجوم على مجموعة المستشارين الـ15 الذين دخلوا السلك الدبلوماسي بعد مسابقة داخلية. وذهبت الوزيرة إلى حد اتهام المجموعة بأنهم من يقف وراء هذه الضجة، قبل أن تعود وتقول إنهم بالأساس خمسة عناصر تعرفها جيدا، في لهجة تتضمن تهديدا واضحا.
وبخصوص ما ورد في خطاب الوزيرة حول مجموعتنا هناك ملاحظات تستحق مني الوقوف عندها:
الملاحظة الأولى: أن الأمر لا يتعلق بـ15 أستاذا وإنما 14. أما المستشار الـخامس عشر فهو إداري قديم كان يشغل قبل النجاح في المسابقة منصب رئيس مصلحة الترجمة بإدارة التشريع والترجمة والجريدة الرسمية. وإذا كانت صفة أستاذ عيبا فيلزم التنويه بذلك حتى يسلم صديقي من هذا الذم، وإذا كان صاحبها موعودا بالعقوبة فالأمر يتأكد.
و هو تنويه ضروري كي يدرك الجميع أن هؤلاء الأساتذة لم يصلوا إلى هنا لمجرد كونهم أساتذة، فالمسابقة فتحت لكل قطاعات الإدارة ممن يتوفرون على أقدميه لا تقل عن 15 سنة في الفئة (أ) من أسلاك الوظيفة العمومية، لكن الإداريين لم ينجح منهم سوى أكثرهم كفاءة وكان واحدا والأساتذة كذلك وكانوا أربعة عشر.
الملاحظة الثانية: انتماء هذه المجموعة إلى السلك الدبلوماسي أمر لا رجعة فيه وذلك منذ إعلان اللجنة الوطنية للمسابقات لنتائج المسابقة يوم 26 نوفمبر 2007. و تتراوح رتبهم بين وزير مفوض (2) ومستشار شؤون خارجية درجة أولى رتبة سادسة (9) ومستشار شؤون خارجية درجة أولى رتبة خامسة (4). وقد تجاوز الأخيرون منذ سنة إلى الرتبة السادسة.
ويستحق الذين دأبوا على عزف أغنية "أنتم أساتذة ولستم دبلوماسيين" منذ وصولنا إلى وزارة الشؤون الخارجية الرد بأنه يكفيهم تعبا فلا جدوى من ذلك. عليكم أن تتعلموا أن تسيير المسارات المهنية لموظفي أسلاك الوظيفة العمومية هو من اختصاص الأخيرة لوحدها. وفي تلك الوزارة هنالك إدارة خاصة بتسيير الموظفين ومصلحة خاصة بتسيير المسارات المهنية. ومهما ألقيتم من خطب وبثثتم من شائعات تقول بأننا لا نتوفر على الخبرة الدبلوماسية، لن تنزلونا عن مواقعنا الأكثر تقدما في السلك الدبلوماسي، ولن تنجحوا في فرض أنفسكم على وظيفة عمومية هي آخر من يعلم بوجودكم المهني.
الملاحظة الثالثة: لسنا جددا على العمل في الوزارة ولسنا متخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة، لا بالأمس القريب ولا بالأمس البعيد.
لقد دخلنا السلك الدبلوماسي يوم 26 نوفمبر 2007 و أقدميتنا خارج السلك محسوبة لنا كأقدمية في السلك، بمقتضى القرار الإداري الذي يعيد ترسيمنا وبمقتضى القوانين الخاصة بالمسابقات الداخلية. وذلك مجال خاض فيه لوبي الفساد طويلا في معركته معنا، وحسمت قضيته منذ وقت بعيد من طرف الجهة المسئولة وهي الوظيفة العمومية.
ولسنا جددا كذلك، إذ أن المديرين اللذين كانا يجلسان في المقاعد خلف الوزيرة في البرلمان يعرفان الجهود والخدمات المتميزة التي قدمتها مجموعتنا في إدارتيهما، كما في مختلف الإدارات الأخرى، وكل مسئول منصف في هذه الوزارة يدرك أننا كنا دوما الركيزة الأساسية للعمل في مختلف الإدارات التي عملنا بها. وواقع الحال هذه الأيام في الإدارة المركزية شاهد على ذلك.
والصحيح من جهة أخرى، أنني وأنا من آخر المجموعة تخرجا قد حصلت على المتريز من جامعة نواكشوط عام 1990 وتخرجت من المدرسة العليا للتعليم عام 1991، ووقعت عقدي مع الوظيفة العمومية سنتين قبل ذلك أي عام 1989، بعد النجاح في مسابقة دخول المدرسة العليا للتعليم. ويوجد في مجموعتنا من تخرج عام 1983.
أما علاقتنا بالمدرسة الوطنية للإدارة فلا تعدو أن تكون علاقة تدريب يشبه كل التدريبات التي مر بها أفراد مختلفون منا في معاهد دبلوماسية في ليبيا ومصر والصين والهند وباكستان وإيران وغيرها.
الملاحظة الرابعة: هذا الهجوم المركز على مجموعتنا ونعتها بأنها لا تصلح لتمثيل البلد والتلميح بدرجة تقارب التصريح إلى أنها مجموعة غير مرغوب فيها، ينتمي إلى نوع الجهود التي تسعى إلى تقويض أهم مبادئ القانون الإداري عموما وقانون الوظيفة العمومية خصوصا وهو مبدأ المسابقة الخارجية كشرط للترسيم والمسابقة الداخلية كأساس لإعادة الترسيم. المسابقة التي تعتبر الضمانة الأولى للشفافية في تسيير المصادر البشرية، والضمانة الأولى كذلك للحصول على كوادر ذات كفاءات حقيقية.
سيدتي الوزيرة،
لقد انتهى العهد الذي كان فيه مزاج ورأي الوزير أو الأمين العام أو المدير هي المرجع الوحيد في الاكتتاب والتعيين في الوظائف الفنية، منذ أن دخلنا عهد المسابقات والشفافية، الذي تتخذ في ظله كافة التدابير لضمان النزاهة في التقويم، وتصدر فيه النتائج عن لجان ومجالس على نحو يضمن التجرد من الذاتية والميول الخاصة.
وجميع أفراد مجموعتنا الـ15 خضعوا للمسابقة عند اكتتابهم في ثمانينيات القرن الماضي، وخضعوا عام 2007 لمسابقة شارك فيها مائة إطار من مختلف أسلاك الوظيفة العمومية، ووفقا للنتائج ولقرار اللجنة الوطنية للمسابقات، فنحن قد عمدنا نخبة للنخبة في أشخاص الوظيفة العمومية.
الملاحظة الخامسة: أما ذمنا بأننا أساتذة قدماء فلو كنت وزير الشؤون الخارجية وأشار علي المستشارون باستخدام مثل هذه الحجة لعزلتهم فورا إذ أنني سأتأكد عندها أنهم يسخرون مني. سيما و أن بعض السفراء اليوم و نخبة من مستشاري السفارات أساتذة، ما تزال الصفة حاضرة في وثائقهم المالية و الإدارية، خذي مثلا الوزير السفير الشيخ احمد ولد الزحاف ثم الأستاذ الفيلسوف، و خذي مثلا المستشار محمد ولد الطالب وقبل ذلك الشاعر و أمير الشعراء و أستاذ اللغة العربية، و اللائحة طويلة.
و على ذكر الشعر و الأدب اعتقد أن من الممكن إدراج هذا التصريح ضمن الشواهد النثرية لما يعرف عند خبراء البلاغة والنقد القديم بـ"المدح بما يشبه الذم". ويستشهد له شعرا بقول النابغة الذبياني يمدح المنذر الغساني وقومه:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهــم بهن فلول من قراع الكتائــب
و وحدهم الذين يعتبرون كمية ما لديك من نقود ورقية المرجع في تحديد قيمتك، يمكنهم التقليل من احترام مهنة الأستاذ، بل مهن جملة المشتغلين بمجال المعرفة. لكن أصحاب هذا النوع من المحاسبة يعتبرون متخلفين جدا في تصورهم لمفهوم الغنى والثراء. ولو لم يكونوا كذلك لأدركوا أن المعلومات في عالم اليوم هي الثروة الأولى. انظر مثلا الرقم المالي ل"غوغل" وانظر فاتورة بيع "فيسبوك"، لتدرك أن المعرفة هي اليوم المصدر الأول للثروة، وأن الجهل مصدر للفقر.
وإذا كان الشاعر القديم قد قال:
العلم يرفع بيتا لا عماد لـــه والجهل يهدم بيت العز والشــرف
فلنا أن نقول اليوم: "العلم يغني أكثر البيوت فقرا والجهل يفقر أكثر البيوت غنى" و ذلك في عصر أصبحت اعتبارات العز و الشرف تتبع مؤشرات السوق.
دبلوماسية إقصاء السلك الدبلوماسي
الحقيقة أن هذا الجدل الطويل حول جملة هذه القضايا التي ورطتمونا فيها مع وزيرتنا لا يهدف إلا إلى التغطية على جوهر الموضوع، و يبدو أنكم قد نجحتم جزئيا حيث و ضعنمونا في موقع الدفاع الذي هو موقعهم الطبيعي. لكنني الآن سأعري حصنكم الأخير وسأكشف لنواب الشعب الذين كانت جمعيتهم الموقرة مسرحا لهذه المناقشة، كما لجماهير شعبنا الذين تابعوها عبر الإذاعة والتلفزيون، وقبلهم جميعا للسيدة الوزيرة، إذا كانت مستعدة لسماع الصوت الآخر في قطاعها، الغابة التي تحاول إخفاءها الشجرة.
أن مقصود كل تلك الجهود هو إقصاء مهنيي السلك الدبلوماسي من مراكز القرار والمشورة في قطاعهم. وأنتم تعرفون بأنه لا ضير في أن يقود قطاع الشؤون الخارجية شخص لا ينتسب إلى السلك الدبلوماسي، ولكنكم تعرفون أنه من غير المعقول أن يسير الوزير حتى ولو كان دبلوماسيا مهنيا القطاع بنجاح دون أية مشاركة ولا مشورة ولا حتى حضور للدبلوماسيين المهنيين.
فإن ردوا بأن: الوزيرة تعتمد على رأي الدبلوماسيين ذوي الخبرة الطويلة وهي لا تجد حاجة في الاستعانة بأشخاص جدد على السلك وليست لهم تجربة ميدانية. فإنني أجيبهم: ليس الأمر كذلك، فقدامى الدبلوماسيين المهنيين اليوم عاطلين عن العمل والقليل ممن يوجد منهم في مكاتب الوزارة مهمش لا يتم اللجوء إلى خدماته ولا رأيه في الملفات المهمة. وهذا الوضع هو الذي يفسر التخلي النهائي عن الملتقى السنوي للسفراء الموريتانيين الذي اعتبر دوما فرصة لسماع عروض من قدامى الدبلوماسيين المهنيين مع مناقشات متخصصة للسياسة الخارجية للبلاد ونهج تسييرهم القطاع والموارد البشرية والعلاقة بين البعثات في الخارج والإدارة المركزية.
وهذا الهدف بالذات هو الذي يسمح لك بفهم كيف تم وأد موضوع العلاوة الخاصة بالسلك الدبلوماسي التي طرحت أصلا كمطلب على الوزيرة من قبل مجموعة الـ35 ولكنها وجدت دعما قويا من الأمين العام، وهو ينتمي إلى السلك الدبلوماسي و معه مجموعة من قدامى الدبلوماسيين المهنيين الذين أصبحوا على أبواب التقاعد دون أن يحصلوا يوما على علاوة خاصة بهم.
وبعد أن تم إنهاء الدراسة الضرورية للعلاوة بالمقارنة مع العلاوات التي منحت لأسلاك موازية كالأساتذة الجامعيين والقضاة وكتاب الضبط وغيرهم وأحالها الأمين العام إلى الوزيرة قصد رفعها إلى الوزير الأول، قامت بإسكات الموضوع وحفظ الملف دون متابعة، و هو الملف الذي ما يزال نائما في ادراج مكتبها منذ شهور.
أضف إلى ذلك أن مذكرة التعيينات الأخيرة التي شملت تعيين 33 موظفا غير دائم تجاهلت إضافة إلى مجموعة الـ35 مجموعة من منتسبي السلك الدبلوماسي الذين كانوا يعملون منذ سنوات طويلة في مصالح الإدارة المركزية، وعند ما تطلب مني الأمثلة سأقدمها. ثم يوصف لنا أشخاص لا علاقة لهم بالسلك الدبلوماسي ولا حتى بأي من أسلاك الوظيفة العمومية بأنهم دبلوماسيون قدماء مظلومون.
والصورة التي رأيناها في الجمعية الوطنية ممثلة للمشهد الأمامي للوزارة تحمل دلالة معبرة حول المكانة الممنوحة للسلك الدبلوماسي. فأمامنا وزيرة لا تنتمي إلى السلك الدبلوماسي وخلفها صحفي لامع وأستاذ جامعي متميز وكلاهما ليسا دبلوماسيين مهنيين.
سيقال لي: هذا خطاب احتكاري يريد حرمان الوزارة من الخبرات الكبيرة التي يتوفر عليها أمثال هذين الإطارين الكبيرين.
فارد: ليس ذلك هو القصد، وحتى لو أردته فهو مستحيل تماما الآن، إذ أن أفراد السلك الدبلوماسي غير المتقاعدين اليوم يصلون بالكاد 100 فرد، وهو عدد بعيد من أن يؤمن للدبلوماسية الموريتانية اكتفاءها الذاتي في مجال الموارد البشرية.
لكن المقصود هو أنه ما كان يجوز أن نصل إلى هذا الحد من قلب الموازين ومن انعدام التوازن. حد أصبح معه منسوبو القطاع مهمشين فيه إلى درجة أن يطالبوا بمقعد يجلسون عليه في وزارتهم، بينما يحتل من تم اللجوء إليهم للدعم والمساندة مراكز القيادة والتوجيه. حد نحتاج معه نحن الدبلوماسيين المهنيين إلى الدفاع عن حقنا في هذه الصفة. ويعتبر منحها لمن لا يستحقها واحدة من البديهيات.
الشوك بدل الورد للدبلوماسيين المتدربين
خذ مثلا صارخا أختم لك به هذه الشواهد على سيطرة اللاتوازن على هذا الصعيد.
لدينا اليوم 60 دبلوماسيا قيد التكوين في شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة، يعدون للتخرج في السنة المقبلة. وقد وصلت هذه المجموعة إلى مكاتب الوزارة منذ أشهر في إطار تدريب لمدة شهرين، بإشراف مؤطرين من أساتذتهم. وقد كانت تلك تجربة قاسية جدا ومؤلمة لكل من بقيت لديه ذرة إحساس في هذه الوزارة.
60 شابا من خيرة من خرجتهم الجامعات في موريتانيا ومختلف بلدان العالم، يأتون إلى وزارتهم – التي يعلم الله كم هي بحاجة إليهم – فلا يجدون من الورود سوى وجوه عابسة تقول لك صمتا – إن لم تقل لك نطقا – لا مرحبا بكم. ولا يجدون حتى مقاعد للجلوس في الممرات، ويقضون بذلك فترة التدريب كاملة.
ولم أطلع على تقارير التدريب التي أعدوها لكنني متأكد أن أي تقرير نزيه منها سيعلن في الخلاصة أن الدبلوماسيين المهنيين غير مرحب بهم، وأن الوزارة ملك لدبلوماسيي "البذلة" و"رسوم الطريق" و"خطف التكوينات من البريد الوارد قبل وصولها إلى وجهتها".
وصلت مبكرا إلى مباني الجمعية الوطنية صبيحة ذلك اليوم، حيث كان علي أن أضع اللمسات الأخيرة على حملة التحسيس وتوزيع الوثائق التي قمت بها طيلة أيام في صفوف النواب. و كنت حريصا خصوصا على توزيع نسخ ورقية من مقالتي المنشورة في موقع تقدمي على شكل رسالة إلى النواب.
و كان فكري ممتلئا من حقيقة أن التي ستكون محلا للمساءلة في ذلك اليوم هي صانعة القرار فيما يخص شؤون وزارتنا. و كان معنى ذلك بالنسبة لي أنني احضر شيئا أهم بكثير من مجرد محاضرة أو حوار تلفزيوني أو مسرحية من مثل هذه الألوان الكثيرة من العروض التي نتابعها أو لا، نستمع إليها جزئيا أو نصرف عنها الاهتمام بالكامل، و الكل سواء. جلست في قاعة الجمهور الخلفية و أنا انتظر قرارات ووعودا فعلية وإجابات حاسمة.
وتعرفون في العادة أن هنالك فرقا كبيرا بين أن يكون صاحب القرار هو الذي سيتحدث وبين أن يكون الحديث لنائبه أو مستشاره أو الناطق الرسمي باسمه أو محاميه. فصاحب السلطة المباشرة في التسيير واتخاذ القرارات عادة يتحدث عن معرفة واسعة وسيطرة كاملة على الملف، ويجيب على كل ما يطرح عليه الآن وفورا إذ أنه لا ينتظر أوامر من طرف أي كان.
و كلي أسف الآن لكون السيدة وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون لم تظهر ولم تتحدث ولم تسلك وفقا لهذه الشروط في ذلك الجمع بل على نحو مختلف. لقد دخلت قاعة البرلمان متأخرة في حدود الساعة الثانية ظهرا. وبدلا من أن تأتي مصحوبة بأمينها العام ومجموعة من مديريها المركزيين الذين يسيرون الملفات الرئيسية، جاءت رفقة مدير الاتصال ومدير الشؤون القانونية والقنصلية اللذين يشغلان على التوالي موقع المستشار الإعلامي والمستشار القانوني وذلك ما يعني منذ اللحظة الأولى أنها لم تأت للتجاوب مع المطالب وحل المشاكل التي ستطرح عليها مما ينتمي إلى دائرة الفعل، وإنما جاءت للدعاية لسياستها والدفاع عنها أي لتبرير فعل سابق. و يعلم الجميع أن مثل هذا القصد ليس أولويات صاحب القرار و انه دور الإعلامي والمحامي اللذين يروجان لما يقوم به هو ويدافعان عنه. بل يمكن القول إن صاحب سلطة القرار عندما يركز على هذين الدورين فإنه ينزل عن مستواه الاعتباري.
والأخطر هو ما رأيناه – ورآه نواب الشعب معنا – بأم العيون من تسليم الوزيرة بالكامل لمقاليد الشأن لمستشاريها الإعلامي والقانوني، حيث رأينا في حالات كثيرة مدير الاتصال ومدير الشؤون القانونية وهما يحرران الإجابة مباشرة أثناء أسئلة البرلمانيين، ويسلمان قصاصاتهما الورقية إلى الوزيرة لقراءتها، ما يعني أنها توقع فورا على كل ما قاله الرجلان. و حاشاي أن أقول إن الوزيرة قد تنازلت عن المسؤوليات التي أوكلها إليها رئيس الجمهورية ووزيره الأول وسلمتها إلى آخرين ليتحملوها عنها، لكنني أردت أن أشير إلى أن وزيرتنا بالغت كثيرا في اقتناعها بقدرات وكفاءات هذين الإطارين حتى استغنت بهما عن مبادراتها و خياراتها هي، و لجان العمل التي من المفترض أن تكون قائمة و يلجأ إليها في مثل هذه الحالات. و تفسيري الخاص لتنازل الوزيرة عن مهمة الصياغة لمستشاريها في ذلك اليوم هو أنها لم تكن مهتمة بمضمون ما ستدلي به من تصريحات و لا بمدى صحته ودقته، بل إن تركيزها كان على لأثر الدعائي الذي ستخلفه تلك التصريحات على النواب الحاضرين، و لدى الجمهور العريض من مستمعي الإذاعة ومشاهدي التلفزيون، و الرجلان من الصنف الذي لا يبارى في مثل هذا الميدان.
لكن ما يؤسف له حقا أنه عند ما انقلبت الأدوار على هذا النحو فإن أداء الوزيرة قد جاء تحت مستوى التوقعات بكثير، وتميز خطابها بالقلب الكامل في ترتيب الأولويات، حيث مالت إلى التفصيل والتدقيق في قضايا تعتبر أقل أهمية في حياة الوزارة وفي مهمة الوزير، بينما أجابت إجابات مجتزأة وتهربت أحيانا من الجواب في حالة الأسئلة الأكثر أهمية ومحورية.
وكما لو أن الوزيرة قرأت مقالتي في موقع تقدمي 24 ساعة قبل جلسة البرلمان ورسمت لنفسها هدفا مركزيا هو الرد علينا وإثبات أنه لا حق لنا فيما نطلبه والتقليل من شأننا
عند النواب والرأي العام. وكان ذلك على حساب الإعداد الجيد للرد على السؤال المطروح عليها وسيل الأسئلة الأخرى التي وردت أثناء الجلسة.
وهذا ما جعل ردها على السؤال حول سياسة موريتانيا فيما يخص الصداقة والتحالفات على المستوى الدولي في صورة تهرب من السؤال، بينما جاء ردها بخصوص الخيارات المتاحة أمام الموريتانيين في أوربا كتبرير صريح لفرض أوربا لقوانينها على المهاجرين وعدم وجود حق لهؤلاء الأخيرين في حماية خصوصيتهم الثقافية والدينية في بلدان المهجر. وذهبت الوزيرة إلى حد مطالبتهم بالعودة إلى الوطن، متناسية بذلك أن المهاجرين هم المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في البلد وأن الموجودين هناك يعيلون مئات آلاف المقيمين هنا. وبخصوص ملف رجال الأعمال الموريتانيين في الصين زودت الشرطة والقضاء في الصين بوسائل للذهاب أبعد في قمع التجار الموريتانيين عند ما أكدت المعلومات التي أفادت بأنهم تحايلوا على الصينيين في مبالغ تصل إلى 3 مليارات أوقية.
وفي اعتقادي أن الوزيرة لو كانت قد أشركت قطاعا أوسع من الفنيين التابعين لها في تحضير جلسة الاستجواب واهتمت بما هو أبعد من شن الحملة على الدبلوماسيين المهنيين، ما كانت لتقع في مثل هذه الأخطاء الصارخة في خطابها. والمعروف أن خطاب وزير الخارجية يفترض أن يكون خطابا ممثلا للإرادة العامة للأمة الموريتانية جميعها ولخطاب حكومتها إزاء العالم المحيط.
رد الوزيرة حول تظلم الدبلوماسيين المهنيين
المفارقة والقلب الأكثر خطورة في هذا الخطاب هو أن وزيرة الخارجية همشت الأسئلة التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمجال اختصاصها وركزت على مجال فني تفصيلي هو عادة من اختصاص الأمين العام والمدير الإداري والمالي. وذهب بها الحماس في هذا الموضوع إلى حد نسيان أن مذكرات تعيين أشخاص البعثات الدبلوماسية ما تحت السفراء يوقعها الأمين العام، شأنها شأن المناصب الفنية في الإدارة المركزية. ثم ذهبت أبعد من ذلك في منح الأولوية لهذه القضية لحد طلبها للرأي فيها من المشرعين، الذين لا ترتبط مهمتهم إلا بما هو في أعلى درجات التعميم والكلية.
ويمكن تلخيص أبرز ما قالته بهذا الخصوص في نقاط أربع:
1 - إذا كان بعض الوزراء والأمناء العامين السابقين استجلبوا معهم إلى وزارة الشؤون الخارجية بعضا من أقاربهم وخاصتهم فانا لم استجلب شخصا واحدا.
2 - عندما سلمت لي هذه المسؤولية وجدت في هذه الوزارة مجموعة من قدماء الدبلوماسيين خدم بعضهم 20 سنة والبعض الآخر 15 وتعاقب عليهم وزراء وأمناء عامون كثيرون دون أن تتغير وضعياتهم، بينما عين في البعثات الدبلوماسية الغرباء على الوزارة القادمون من كل الجهات، و بقوا هم مظلومين مقهورين يتحملون لوحدهم متاعب العمل والمعاناة في مكاتب وأروقة وزارة الشؤون الخارجية، فقمت بإنصافهم ورفع الظلم عنهم بتعيينهم في البعثات الدبلوماسية في الخارج.
3 - وجدت دبلوماسيين يعملون في البعثات الدبلوماسية في الخارج قبلي وكان من الممكن أن استدعيهم للعمل في الإدارة المركزية، غير أني فضلت التريث ومنحهم فرصة أخرى لأراقب عن كثب أداءهم قبل الحكم عليهم.
4 - هنالك بالمقابل مجموعة تتكون من 35 إطارا جديدا على الخدمة في وزارة الخارجية تتوزع إلى مجموعتين:
- المجموعة الأولى: 15 أستاذا قادمين من التعليم الابتدائي والثانوي خضعوا لتكوين 4 أشهر في المدرسة الوطنية للإدارة. وهؤلاء هم الذين يثيرون كل هذه الضجة. فبماذا تشيرون علي أيها النواب المحترمون ؟ هل تعتقدون أن أساتذة قضوا أربعة أشهر فقط في المدرسة الوطنية للإدارة يستطيعون تمثيل موريتانيا في الخارج ؟ هذا شيء غير معقول ولا يمكن القبول به.
ثم إن العمل الدبلوماسي لا يقتصر على العمل في الخارج. وإذا كان هؤلاء يعتقدون أنهم وصلوا إلى الخارجية ليبعثوا مباشرة للعمل في السفارات فهم قد ضلوا الطريق.
- المجموعة الثانية تتكون من 20 شابا تكونوا لمدة سنتين في المدرسة الوطنية للإدارة وهم حائزون على شهادات جامعية عليا. وهؤلاء شباب متواضعون مستعدون للعمل في أي مستوى وجاهزون حتى للقيام بأدوار السكرتاريا والاستقبال.
وختمت الوزيرة كلامها بأن على الجميع إدراك بأنه حتى الحاصل على دكتوراه في الفلك لن يعين في الخارج قبل المرور بالخبرة الميدانية. التي تعني ضمن ما تعنيه هنا المرور بالاستندر والسكرتارية، وعالم الفلك الذي لا يقبل ذلك هو عالم قد ضل طريقه.
هدنة ما بعد موقعة البرلمان
سيدتي الوزيرة، ما كان لواحد من مرؤوسيك مثلي أن يقوم بنشر رد على تصريحاتك لما في ذلك من تجاوز لتقاليد التعامل الإداري السليم، لكن مرور شهر دون صدور أي اعتذار لأي منا عما خلفته تصريحات الوزيرة من إساءة، وبالنظر إلى أن تضمن خطابك هجوما على مجموعة من أشخاص القطاع التابع لك يعتبر تنازلا غير ملائم وفقا للتقاليد الإدارية التي تأبى أن يتنازل الرئيس إلى مستوى تولي مهمة شن هجوم على بعض مرؤوسيه – كل ذلك - لم يترك لي خيارا آخر.
زد على ذلك أنني انتظرت أن ينطلق حوار مباشر بيننا وبينكم بعد "موقعة البرلمان" دون جدوى. ثم بادرت ببذل جهود للاتصال هذه المرة بمديري المباشر باباه ولد سيدي عبد الله، الذي كان قائدا فاعلا في تلك الموقعة، لكنني لمست منه تجنبا لمقابلتي. و المعروف أن لسان الحال ابلغ من لسان المقال، و لا شك أن ذلك يتأكد إذا كان اتجاه الحال و المقال واحدا.
عندها تحققت أنكم لستم جاهزين بعد للاعتراف بنا كموظفين عاملين في هذا القطاع، يستحقون على الأقل الاستماع إليهم عند ما يرفعون قضيتهم إلى مستويات عالية كهذه. و لم يكن ثمة بد من أن أعود. أعود لأكتب من جديد، لا طلبا للتعيين أو للحصول على "رسوم طريق" بقيمة 500 أو 300 دولار يوميا من مثل ما يمنح لأعضاء الوفد المرافق لك أو للمقربين الذين يبعثون في تكوينات إلى الخارج، و إنما دفاعا عن "رأسمال رمزي" و ثقة معنوية بالنفس هي أغلى عندي من كل الرواتب والرسوم بالعملات الصعبة، شعرت أن في خطاب السيدة الوزيرة محاولة لتجريدي و زملائي منها .
الظالمون المظلومون و المظلوم بهم
عند قراءة الملخص الذي دونته لخطاب الوزيرة أمام النواب، وجمع الفقرات 1و2 و3 لمقارنتها فستكتشف أنها متكاملة، وأن تكاملها مساعد على تبين جانب من التناقض الحاصل في هذه الخرجة الدعائية ضد " الدبلوماسيين المهنيين" ال 35 .
اعترفت الوزيرة بداية أن المدراء والأمناء العامين السابقين قد استجلبوا خاصتهم إلى القطاع، ثم تحدثت عن جماعة المظلومين الذين صبروا "صبر أيوب" لمدد تتراوح بين 20 و15 سنة، لكنها لم تنتبه إلى أن الجزء الأكبر من "المظلومين" محل الاستشهاد ينتمون إلى فئة أولئك المستجلبين إلى قطاع الخارجية بطريقة غير شرعية.
أما بقية المستجلبين فهم أولئك الذين وجدتهم وزيرتنا في البعثات الدبلوماسية في الخارج. و يمكن أن نسمي الأخيرين "المظلوم بهم"، و إلا فكيف نفهم كون المجموعة المثبتة في الداخل مظلومة إن لم يكن ذلك بسبب قيام آخرين باحتلال مقاعدها المستحقة في الخارج. و هؤلاء الذين ظلم بهم أولئك هم من قالت الوزيرة إنها فضلت منحهم فرصة أخرى لتجربهم و تراقب أداءهم، رغم أنهم مقيمون في "مخابر السفارات" منذ عقود. و الجديد اليوم هو انضمام المظلومين إلى من بهم ظلموا.
أما الحقيقة فهي أن أشخاص هاتين المجموعتين معا ظالمون لا مظلومين. إنهم ظلموا أعدادا وفيرة من الشباب الموريتاني الذي ذهب إلى الخارج وسهر الليالي في الجامعات وتخرج بشهادات عليا في العلوم السياسية والقانون الدولي والاقتصاد والإدارة، دون أن تفتح أمامهم أية مسابقة تمكنهم من احتلال مواقعهم الطبيعية في السلك الدبلوماسي" لأن المواقع كانت قد منحت ظلما لأولئك المستجلبين دون شهادة أو مسابقة.
الخلاصة التي أوصلتني إليها ثلاث سنوات من العمل في هذه الوزارة هي أن أزيد من 90% من موظفيها في البعثات الدبلوماسية في الخارج أو في الإدارة المركزية بنواكشوط ينتمون إلى فئة المستجلبين من طرف الوزراء والأمناء العامين السابقين التي أقرت السيدة الوزيرة بوجودها، ملمحة إلى أنها غير معنية بتصحيح ذلك الخطأ السابق عليها.
هاتان المجموعتان كلاهما ظالمة لا مظلومة، ظالمة لأنها تسللت في الظلام وفي غياب أية منافسة حرة ونزيهة، واحتلت مقاعد كان يفترض أن تفتح المسابقات لشغلها وكان الأولى بها أولئك الشباب الموريتانيون الذين سهروا الليالي وبذلوا الجهود المضنية حتى تحصلوا على شهادات جامعية عليا في العلوم السياسية والقانون والاقتصاد، ثم اضطروا بعد ذلك للعمل في المخابز أو الحنفيات أو المشاركة في مسابقات تكوين المعلمين أو الأساتذة، وبعضهم انتهى به المطاف مهاجرا في بلد آخر بحثا عن لقمة العيش، ليستفيد ذلك البلد من خبرته وعبقريته.
و إنهم ظالمون قبل ذلك للدبلوماسية الموريتانية عند ما استنفدوا كلما لديها من وسائل دون أن تكون لديهم أية قدرة على تعويض خسائر البلد وإنفاقاته عليهم. تجد الواحد منهم يخطف تكوينا في بلد آنجلو- سكسوني موجه إلى وزارة أخرى ويشترط في المشارك فيه أن يكون متمكنا من اللغة وخبيرا في المجال التخصصي للتكوين، فيذهب هو ويعود دون أن يفهم كلمة واحدة مما قيل هناك، بعد أن يكون قد فضح موريتانيا وقدمها في صورة بلد بدون كوادر. و الكثيرون يعرفون قصة الفنانة الكبيرة لبابة منت الميداح مع رجلي الأعمال الذين رافقاها إلى مؤتمر موسيقي منظم في مصر، و لا مشروع لهما في الحقيقة سوى التزود من البضاعة، و التذاكر على حسابك يا شنقيط.
وخل عنك ظلمهم لموريتانيا بإصرارهم على تمثيلها في مؤتمرات لا تحتاج إلى أكثر من يومين لكنهم يسحبون من الأمانة العامة للحكومة مصاريف باهظة لعشرة أيام، ولا يسكنون إلا في فنادق لا تليق بسمعة البلد. ثم يعودون من المؤتمر دون فعل أكثر من الجلوس على المقعد المخصص لموريتانيا. ومعلوم أنهم لن يقدموا تقريرا عن إنجازاتهم هناك لأنهم لم يفهموا أصلا ما قيل، فأحرى أن يبدعوا ويبادروا فيه.
ولن أطيل بقصص الفئة "المظلوم بها" أو المحظية بالعمل في البعثات الدبلوماسية. فالموريتانيون في الخارج يعرفونهم ويدركون جيدا ما إذا كانوا هناك لتمثيل موريتانيا أم لحساب التحويلات القادمة من وزارة المالية، وتمثيل مكاتب الاستيراد والتصدير الخصوصية، وفتح صرافات السوق السوداء في المكاتب الدبلوماسية والقنصلية لموريتانيا.
مرتنة التناوب الدبلوماسي
ما أروعها و أعظمها و أرشدها من سياسة تجديدية في مجال تسيير أشخاص الدبلوماسية الموريتانية - اقترح تدريسها في شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة - ستكون ثمرتها مصالحة و عدالة تمحو الأحقاد. سياسة ستؤدي إلى نسيان النزلاء الجدد ل "المخبر الدبلوماسي" لأحقادهم على من ظلمهم بمجرد أن يحظوا بدورهم بمقابلة محاسب السفارة، و ستقود إلى قطع السنة مثيري الضجة في وزارة الخارجية من أمثال الفقير إلى رحمة ربه كاتب هذا المقال، و تكشف لهم أن لموريتانيا مساهمتها الخاصة في المجال، وهي الأكثر تطورا بالمقارنة إلى مختلف التقاليد العالمية في هذا الذي يسمونه "التناوب الدبلوماسي".
و من يتأمل جيدا يدرك أن التناوب الدبلوماسي في "مفهومه الغربي" هو ظلم لا عدل. و الأخطر في الأمر أن الدبلوماسيين الذين ذاقوا طعم رواتب السفارات لا يمكنهم القبول به، و قد يدفعهم إلى ثورة أو "تفجيرات" في وزارة الخارجة لا قدر الله. ولهذه الأسباب أصدرنا "الطبعة الموريتانية من التناوب الدبلوماسي".
و يجدر التنبيه هنا إلى أن السيدة الوزيرة عبرت في اجتماعاتها ببعض كوادر الوزارة عن أسفها لكونها لم تستدع إلى الداخل أولئك الذين قضوا سنوات طويلة في الخارج، و لكنها خشيت من ضغوط الوساطات القوية التي تحمي هؤلاء، و أنها قامت هذه المرة بنقل بعضهم من بلد إلى آخر ترويضا لهم على أن التنقل، و ذلك لتحضيرهم نفسيا للعودة المحتملة – لا أدري متى - إلى نواكشوط،. و ربما كان عليكم أن تضيفوا ذلك إلى نظريات "التناوب الدبلوماسي الموريتاني".
فقط أحيطكم علما بان مجموعة معتبرة من رؤساء المصالح في وزارة الخارجية المعينين منذ سنوات لم يدخلوا مكاتبهم، بل لم يدخلوا الوزارة ولا حتى التراب الموريتاني ببساطة لأنهم كانوا في السفارات و العمل في الوزارة إهانة لهم. و ربما يحتاج المدير الذي يعملون تحت إمرته إلى حراسة خاصة قبل أن يكون قادرا على مطالبتهم بزيارة مجاملة لمكاتبهم. و أنا اعتقد أن الوزيرة حينما اتهمت مجموعتنا بكونهم يعتقدون بان العمل الدبلوماسي هو العمل في الخارج وحده إنما كانت تقصد هؤلاء، و لكنها كنت بنا عنهم، فمسؤولوا الخارجية يخافونهم عادة، و ليسو "الحائط القصير" شأننا نحن.
المستشارون الشباب المظلوم الأكبر
إذا كان تسيير الموظفين الدبلوماسيين يخضع في مختلف بلدان العالم لمعايير فنية ثابتة، يستند بعضها إلى مواد من "اتفاقية فيينا" قد أصبح وفقا لخطاب وزيرتنا مسألة عدالة في توزيع الأنصبة، فلابد من تذكير الوزيرة بواحدة من أكبر المظالم في وزارتها. وهي واقعة على مجموعة خصتها هي في خطابها بقدر كبير من الثناء. ألا وهي مجموعة مستشاري الشؤون الخارجية المتخرجين منذ سنة من المدرسة الوطنية للإدارة.
ولست بحاجة هنا إلى الحديث عن الشهادات العالية لهذه المجموعة فقد تحدثت عنها الوزيرة وأشادت بها فتركيزي سيكون على نقطة هي الأهم لم تتناولها هي، وهي أن هؤلاء الشباب وصلوا إلى ما هم فيه من رتبة في السلك الدبلوماسي بدون تدخل من آبائهم ولا أمهاتهم ولا شيخ قبيلتهم، لديها هي أو الأمين العام أو أي وزير أو أمين عام قبلهم، وإنما بفضل نتائجهم التي حصلوا عليها في مسابقة شفافة، أعلن عنها وفتح الباب للترشح لها أمام كل الشباب الموريتاني الحاصلين على شهادة المتريز فما فوق في مجالات القانون والاقتصاد والإدارة.
وترشح لتلك المسابقة 1000 مترشح وأذكر أن امتحانهم ألغي في أسبوعه الأول عند ما انتشرت شائعات تسرب الموضوع وأعيد إجراء الامتحان في الأسبوع الموالي في ظروف شهد الجميع بنزاهتها. وتمت تصفية مجموعة الـ19 التي هي اليوم - رغم أنوف الحاسدين - مجموعة من مستشاري الشؤون الخارجية، وهي الرتبة العليا في السلك الدبلوماسي ما تحت رتبة الوزير المفوض.
وكان الأحرى بمستشاري الوزيرة أن يكونوا دقيقين ويفيدوها بأن المستشار رقم 20 في المجموعة هو كاتب ضبط سابق خدم سنوات طويلة في وزارة العدل التي وصل فيها إلى وظيفة الكاتب الخاص لوزير العدل وتسابق على مقعده مع عدد كبير من الموظفين في مختلف الوزارات ليفوز هو بالمقعد الوحيد الداخلي. ويجب التنويه إلى ذلك حتى لا يقال له: أنت جديد وليست لك خبرة إدارية سابقة.
وهؤلاء الشباب عند ما سافروا بعد تخرجهم مباشرة في دورة تدريبية بوزارة الخارجية المغربية قدموا صورة مشرفة عن موريتانيا باعتراف زملائهم في المغرب. وأتذكر أن أحدهم كان نجما في وفد الدبلوماسيين الموريتانيين الذي نظمت لصالحه دورة تكوينية في المعهد الدبلوماسي بطرابلس، وشرفنا ورفع هاماتنا عندما حاضر – وهو الشاب الأصغر سنا من بيننا – أمام دكاترة ودبلوماسيي المعهد، حول الدبلوماسية الموريتانية.
لكن هذه المجموعة وقعت منذ وصولها إلى الوزارة تحت نير مظالم يندر من يصبر على مثلها، فبعد أن فشل لوبي الفساد في الوزارة في منعهم من حقهم في الرتبة التي حصلوا عليها بالقانون وهي رتبة مستشار الشؤون الخارجية، ضغط على حلفائه في وزارة المالية وفرض عليهم العلامة القياسية الخاصة برتبة سكرتير الشؤون الخارجية، ما جعل رواتبهم اليوم ضمن مستوى الرواتب الأخفض على مستوى الوظيفة العمومية. فهلا أعطيتهم سيدتي نصيبهم من العدالة التي توزعونها، وطالبتم وزير المالية بمواءمة رواتبهم مع صفتهم الإدارية القانونية.
ويلزم التنبيه هنا على أن العدالة المطلوبة في قطاعنا هي قبل كل شيء وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، وإذا كان هؤلاء الشباب المتحمسين متواضعين جدا، فعليكم أن تدركوا أنهم لم يشاركوا في المسابقة ويخضعوا للتكوين في المدرسة الوطنية للإدارة ليصبحوا عمالا في السكرتارية أو الاستندر. ووفق التقاليد الدبلوماسية العالمية لكل رتبة في البعثة الدبلوماسية أو في الوفد مستوى مهني مواز له. وقانون الوظيفة العمومية والنظام الخاص بالأسلاك الدبلوماسية والقنصلية كلاهما يتضمنان نصا وروحا إشارة إلى ضرورة توزيع المسؤوليات وفقا لدرجات السلم الوظيفي. وعليه فإن الفئة(أ) من أسلاك الوظيفة العمومية – التي ينتمي إليه مستشارو الشؤون الخارجية – هي فئة القيادة وبناء التصور، في حين أن التنفيذ من اختصاص الفئة (ب). أما الفئة (ج) – التي يفترض أن ينتمي إليها عمال السكرتارية – فهي فئة عمال الدعم.
15 ذمهم مدحهم
تميز خطاب الوزيرة بتركيز الهجوم على مجموعة المستشارين الـ15 الذين دخلوا السلك الدبلوماسي بعد مسابقة داخلية. وذهبت الوزيرة إلى حد اتهام المجموعة بأنهم من يقف وراء هذه الضجة، قبل أن تعود وتقول إنهم بالأساس خمسة عناصر تعرفها جيدا، في لهجة تتضمن تهديدا واضحا.
وبخصوص ما ورد في خطاب الوزيرة حول مجموعتنا هناك ملاحظات تستحق مني الوقوف عندها:
الملاحظة الأولى: أن الأمر لا يتعلق بـ15 أستاذا وإنما 14. أما المستشار الـخامس عشر فهو إداري قديم كان يشغل قبل النجاح في المسابقة منصب رئيس مصلحة الترجمة بإدارة التشريع والترجمة والجريدة الرسمية. وإذا كانت صفة أستاذ عيبا فيلزم التنويه بذلك حتى يسلم صديقي من هذا الذم، وإذا كان صاحبها موعودا بالعقوبة فالأمر يتأكد.
و هو تنويه ضروري كي يدرك الجميع أن هؤلاء الأساتذة لم يصلوا إلى هنا لمجرد كونهم أساتذة، فالمسابقة فتحت لكل قطاعات الإدارة ممن يتوفرون على أقدميه لا تقل عن 15 سنة في الفئة (أ) من أسلاك الوظيفة العمومية، لكن الإداريين لم ينجح منهم سوى أكثرهم كفاءة وكان واحدا والأساتذة كذلك وكانوا أربعة عشر.
الملاحظة الثانية: انتماء هذه المجموعة إلى السلك الدبلوماسي أمر لا رجعة فيه وذلك منذ إعلان اللجنة الوطنية للمسابقات لنتائج المسابقة يوم 26 نوفمبر 2007. و تتراوح رتبهم بين وزير مفوض (2) ومستشار شؤون خارجية درجة أولى رتبة سادسة (9) ومستشار شؤون خارجية درجة أولى رتبة خامسة (4). وقد تجاوز الأخيرون منذ سنة إلى الرتبة السادسة.
ويستحق الذين دأبوا على عزف أغنية "أنتم أساتذة ولستم دبلوماسيين" منذ وصولنا إلى وزارة الشؤون الخارجية الرد بأنه يكفيهم تعبا فلا جدوى من ذلك. عليكم أن تتعلموا أن تسيير المسارات المهنية لموظفي أسلاك الوظيفة العمومية هو من اختصاص الأخيرة لوحدها. وفي تلك الوزارة هنالك إدارة خاصة بتسيير الموظفين ومصلحة خاصة بتسيير المسارات المهنية. ومهما ألقيتم من خطب وبثثتم من شائعات تقول بأننا لا نتوفر على الخبرة الدبلوماسية، لن تنزلونا عن مواقعنا الأكثر تقدما في السلك الدبلوماسي، ولن تنجحوا في فرض أنفسكم على وظيفة عمومية هي آخر من يعلم بوجودكم المهني.
الملاحظة الثالثة: لسنا جددا على العمل في الوزارة ولسنا متخرجين من المدرسة الوطنية للإدارة، لا بالأمس القريب ولا بالأمس البعيد.
لقد دخلنا السلك الدبلوماسي يوم 26 نوفمبر 2007 و أقدميتنا خارج السلك محسوبة لنا كأقدمية في السلك، بمقتضى القرار الإداري الذي يعيد ترسيمنا وبمقتضى القوانين الخاصة بالمسابقات الداخلية. وذلك مجال خاض فيه لوبي الفساد طويلا في معركته معنا، وحسمت قضيته منذ وقت بعيد من طرف الجهة المسئولة وهي الوظيفة العمومية.
ولسنا جددا كذلك، إذ أن المديرين اللذين كانا يجلسان في المقاعد خلف الوزيرة في البرلمان يعرفان الجهود والخدمات المتميزة التي قدمتها مجموعتنا في إدارتيهما، كما في مختلف الإدارات الأخرى، وكل مسئول منصف في هذه الوزارة يدرك أننا كنا دوما الركيزة الأساسية للعمل في مختلف الإدارات التي عملنا بها. وواقع الحال هذه الأيام في الإدارة المركزية شاهد على ذلك.
والصحيح من جهة أخرى، أنني وأنا من آخر المجموعة تخرجا قد حصلت على المتريز من جامعة نواكشوط عام 1990 وتخرجت من المدرسة العليا للتعليم عام 1991، ووقعت عقدي مع الوظيفة العمومية سنتين قبل ذلك أي عام 1989، بعد النجاح في مسابقة دخول المدرسة العليا للتعليم. ويوجد في مجموعتنا من تخرج عام 1983.
أما علاقتنا بالمدرسة الوطنية للإدارة فلا تعدو أن تكون علاقة تدريب يشبه كل التدريبات التي مر بها أفراد مختلفون منا في معاهد دبلوماسية في ليبيا ومصر والصين والهند وباكستان وإيران وغيرها.
الملاحظة الرابعة: هذا الهجوم المركز على مجموعتنا ونعتها بأنها لا تصلح لتمثيل البلد والتلميح بدرجة تقارب التصريح إلى أنها مجموعة غير مرغوب فيها، ينتمي إلى نوع الجهود التي تسعى إلى تقويض أهم مبادئ القانون الإداري عموما وقانون الوظيفة العمومية خصوصا وهو مبدأ المسابقة الخارجية كشرط للترسيم والمسابقة الداخلية كأساس لإعادة الترسيم. المسابقة التي تعتبر الضمانة الأولى للشفافية في تسيير المصادر البشرية، والضمانة الأولى كذلك للحصول على كوادر ذات كفاءات حقيقية.
سيدتي الوزيرة،
لقد انتهى العهد الذي كان فيه مزاج ورأي الوزير أو الأمين العام أو المدير هي المرجع الوحيد في الاكتتاب والتعيين في الوظائف الفنية، منذ أن دخلنا عهد المسابقات والشفافية، الذي تتخذ في ظله كافة التدابير لضمان النزاهة في التقويم، وتصدر فيه النتائج عن لجان ومجالس على نحو يضمن التجرد من الذاتية والميول الخاصة.
وجميع أفراد مجموعتنا الـ15 خضعوا للمسابقة عند اكتتابهم في ثمانينيات القرن الماضي، وخضعوا عام 2007 لمسابقة شارك فيها مائة إطار من مختلف أسلاك الوظيفة العمومية، ووفقا للنتائج ولقرار اللجنة الوطنية للمسابقات، فنحن قد عمدنا نخبة للنخبة في أشخاص الوظيفة العمومية.
الملاحظة الخامسة: أما ذمنا بأننا أساتذة قدماء فلو كنت وزير الشؤون الخارجية وأشار علي المستشارون باستخدام مثل هذه الحجة لعزلتهم فورا إذ أنني سأتأكد عندها أنهم يسخرون مني. سيما و أن بعض السفراء اليوم و نخبة من مستشاري السفارات أساتذة، ما تزال الصفة حاضرة في وثائقهم المالية و الإدارية، خذي مثلا الوزير السفير الشيخ احمد ولد الزحاف ثم الأستاذ الفيلسوف، و خذي مثلا المستشار محمد ولد الطالب وقبل ذلك الشاعر و أمير الشعراء و أستاذ اللغة العربية، و اللائحة طويلة.
و على ذكر الشعر و الأدب اعتقد أن من الممكن إدراج هذا التصريح ضمن الشواهد النثرية لما يعرف عند خبراء البلاغة والنقد القديم بـ"المدح بما يشبه الذم". ويستشهد له شعرا بقول النابغة الذبياني يمدح المنذر الغساني وقومه:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهــم بهن فلول من قراع الكتائــب
و وحدهم الذين يعتبرون كمية ما لديك من نقود ورقية المرجع في تحديد قيمتك، يمكنهم التقليل من احترام مهنة الأستاذ، بل مهن جملة المشتغلين بمجال المعرفة. لكن أصحاب هذا النوع من المحاسبة يعتبرون متخلفين جدا في تصورهم لمفهوم الغنى والثراء. ولو لم يكونوا كذلك لأدركوا أن المعلومات في عالم اليوم هي الثروة الأولى. انظر مثلا الرقم المالي ل"غوغل" وانظر فاتورة بيع "فيسبوك"، لتدرك أن المعرفة هي اليوم المصدر الأول للثروة، وأن الجهل مصدر للفقر.
وإذا كان الشاعر القديم قد قال:
العلم يرفع بيتا لا عماد لـــه والجهل يهدم بيت العز والشــرف
فلنا أن نقول اليوم: "العلم يغني أكثر البيوت فقرا والجهل يفقر أكثر البيوت غنى" و ذلك في عصر أصبحت اعتبارات العز و الشرف تتبع مؤشرات السوق.
دبلوماسية إقصاء السلك الدبلوماسي
الحقيقة أن هذا الجدل الطويل حول جملة هذه القضايا التي ورطتمونا فيها مع وزيرتنا لا يهدف إلا إلى التغطية على جوهر الموضوع، و يبدو أنكم قد نجحتم جزئيا حيث و ضعنمونا في موقع الدفاع الذي هو موقعهم الطبيعي. لكنني الآن سأعري حصنكم الأخير وسأكشف لنواب الشعب الذين كانت جمعيتهم الموقرة مسرحا لهذه المناقشة، كما لجماهير شعبنا الذين تابعوها عبر الإذاعة والتلفزيون، وقبلهم جميعا للسيدة الوزيرة، إذا كانت مستعدة لسماع الصوت الآخر في قطاعها، الغابة التي تحاول إخفاءها الشجرة.
أن مقصود كل تلك الجهود هو إقصاء مهنيي السلك الدبلوماسي من مراكز القرار والمشورة في قطاعهم. وأنتم تعرفون بأنه لا ضير في أن يقود قطاع الشؤون الخارجية شخص لا ينتسب إلى السلك الدبلوماسي، ولكنكم تعرفون أنه من غير المعقول أن يسير الوزير حتى ولو كان دبلوماسيا مهنيا القطاع بنجاح دون أية مشاركة ولا مشورة ولا حتى حضور للدبلوماسيين المهنيين.
فإن ردوا بأن: الوزيرة تعتمد على رأي الدبلوماسيين ذوي الخبرة الطويلة وهي لا تجد حاجة في الاستعانة بأشخاص جدد على السلك وليست لهم تجربة ميدانية. فإنني أجيبهم: ليس الأمر كذلك، فقدامى الدبلوماسيين المهنيين اليوم عاطلين عن العمل والقليل ممن يوجد منهم في مكاتب الوزارة مهمش لا يتم اللجوء إلى خدماته ولا رأيه في الملفات المهمة. وهذا الوضع هو الذي يفسر التخلي النهائي عن الملتقى السنوي للسفراء الموريتانيين الذي اعتبر دوما فرصة لسماع عروض من قدامى الدبلوماسيين المهنيين مع مناقشات متخصصة للسياسة الخارجية للبلاد ونهج تسييرهم القطاع والموارد البشرية والعلاقة بين البعثات في الخارج والإدارة المركزية.
وهذا الهدف بالذات هو الذي يسمح لك بفهم كيف تم وأد موضوع العلاوة الخاصة بالسلك الدبلوماسي التي طرحت أصلا كمطلب على الوزيرة من قبل مجموعة الـ35 ولكنها وجدت دعما قويا من الأمين العام، وهو ينتمي إلى السلك الدبلوماسي و معه مجموعة من قدامى الدبلوماسيين المهنيين الذين أصبحوا على أبواب التقاعد دون أن يحصلوا يوما على علاوة خاصة بهم.
وبعد أن تم إنهاء الدراسة الضرورية للعلاوة بالمقارنة مع العلاوات التي منحت لأسلاك موازية كالأساتذة الجامعيين والقضاة وكتاب الضبط وغيرهم وأحالها الأمين العام إلى الوزيرة قصد رفعها إلى الوزير الأول، قامت بإسكات الموضوع وحفظ الملف دون متابعة، و هو الملف الذي ما يزال نائما في ادراج مكتبها منذ شهور.
أضف إلى ذلك أن مذكرة التعيينات الأخيرة التي شملت تعيين 33 موظفا غير دائم تجاهلت إضافة إلى مجموعة الـ35 مجموعة من منتسبي السلك الدبلوماسي الذين كانوا يعملون منذ سنوات طويلة في مصالح الإدارة المركزية، وعند ما تطلب مني الأمثلة سأقدمها. ثم يوصف لنا أشخاص لا علاقة لهم بالسلك الدبلوماسي ولا حتى بأي من أسلاك الوظيفة العمومية بأنهم دبلوماسيون قدماء مظلومون.
والصورة التي رأيناها في الجمعية الوطنية ممثلة للمشهد الأمامي للوزارة تحمل دلالة معبرة حول المكانة الممنوحة للسلك الدبلوماسي. فأمامنا وزيرة لا تنتمي إلى السلك الدبلوماسي وخلفها صحفي لامع وأستاذ جامعي متميز وكلاهما ليسا دبلوماسيين مهنيين.
سيقال لي: هذا خطاب احتكاري يريد حرمان الوزارة من الخبرات الكبيرة التي يتوفر عليها أمثال هذين الإطارين الكبيرين.
فارد: ليس ذلك هو القصد، وحتى لو أردته فهو مستحيل تماما الآن، إذ أن أفراد السلك الدبلوماسي غير المتقاعدين اليوم يصلون بالكاد 100 فرد، وهو عدد بعيد من أن يؤمن للدبلوماسية الموريتانية اكتفاءها الذاتي في مجال الموارد البشرية.
لكن المقصود هو أنه ما كان يجوز أن نصل إلى هذا الحد من قلب الموازين ومن انعدام التوازن. حد أصبح معه منسوبو القطاع مهمشين فيه إلى درجة أن يطالبوا بمقعد يجلسون عليه في وزارتهم، بينما يحتل من تم اللجوء إليهم للدعم والمساندة مراكز القيادة والتوجيه. حد نحتاج معه نحن الدبلوماسيين المهنيين إلى الدفاع عن حقنا في هذه الصفة. ويعتبر منحها لمن لا يستحقها واحدة من البديهيات.
الشوك بدل الورد للدبلوماسيين المتدربين
خذ مثلا صارخا أختم لك به هذه الشواهد على سيطرة اللاتوازن على هذا الصعيد.
لدينا اليوم 60 دبلوماسيا قيد التكوين في شعبة الدبلوماسية بالمدرسة الوطنية للإدارة، يعدون للتخرج في السنة المقبلة. وقد وصلت هذه المجموعة إلى مكاتب الوزارة منذ أشهر في إطار تدريب لمدة شهرين، بإشراف مؤطرين من أساتذتهم. وقد كانت تلك تجربة قاسية جدا ومؤلمة لكل من بقيت لديه ذرة إحساس في هذه الوزارة.
60 شابا من خيرة من خرجتهم الجامعات في موريتانيا ومختلف بلدان العالم، يأتون إلى وزارتهم – التي يعلم الله كم هي بحاجة إليهم – فلا يجدون من الورود سوى وجوه عابسة تقول لك صمتا – إن لم تقل لك نطقا – لا مرحبا بكم. ولا يجدون حتى مقاعد للجلوس في الممرات، ويقضون بذلك فترة التدريب كاملة.
ولم أطلع على تقارير التدريب التي أعدوها لكنني متأكد أن أي تقرير نزيه منها سيعلن في الخلاصة أن الدبلوماسيين المهنيين غير مرحب بهم، وأن الوزارة ملك لدبلوماسيي "البذلة" و"رسوم الطريق" و"خطف التكوينات من البريد الوارد قبل وصولها إلى وجهتها".







