تاريخ الإضافة : 01.08.2010 09:59

..نحو استيراتيجية وطنية للتشغيل

مكي ولد عبد الله ولد الخوماني                                                                  اقتصادي

مكي ولد عبد الله ولد الخوماني اقتصادي

استضاف التلفزيون الوطني منذ فترة قصيرة وزير التشغيل و التكوين المهني والتقنيات الجديدة السيد محمد ولد خونه , وذلك ضمن برنامج الحكومة في الميزان . وقد تطرق السيد الوزير إلى سياسة الدولة العامة والإستراتيجية المطبقة في ميدان التكوين المهني والتشغيل وإن كان قد تحدث عن الجانب الآخر من اختصاص القطاع إلا أنه ركز على التكوين المهني والتشغيل وبما أن وقت البرنامج لم يف بالمقصود إلا أنه سلط الأضواء على القضايا الأساسية . والغريب في الأمر أن سيادة الوزير يقر بأنهم نجحوا في التكوين وفشلوا في التشغيل وهي شهادة من شخصية في موقع القرار لا يمكن إغفالها .

لذا , أردت , من باب الهم العام , أن أدلي بدلوي في هذه القضية المهمة .

فمنذ إنشاء الدولة الموريتانية لم تفلح الأنظمة المتعاقبة في بلورة رؤية واضحة لمشكل التكوين والتشغيل , وظلت هذه الرؤى قاصرة دون أن تقدم نموذجا يحتذي وكانت كل الإستراتيجيات مرتجلة وغاية في البساطة من حيث التصور والنتائج , ليتفاقم الأمر مع مرور الزمن وتزايد حملة الشهادات . ولا يمكن أن نغفل هنا الدور الأساسي الذي لعبته المنظومة التربوية في هذا المجال.

ونحن ننتظر من النظام الذي يرفع شعار"التغيير البناء" أن يقر سياسة واضحة في هذا المجال , إذ لا مجال لتنمية مستديمة في ظل رؤية ضبابية تحكم قطاعا من أهم القطاعات .

وأعتقد أن البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز لسنة : 2009 كان غنيا بالدلالات , فقد شخص المسألة بكل أبعادها ورأي " أن الاقتصاد الموريتاني بما أنه يفتقر إلى التنوع والقدرة على التنافس ويركز على التجارة والخدمات , فإنه لا يشجع على التشغيل . وذلك لسيطرة القطاع غير المصنف الذي يوفر لوحده 80 % من فرص العمل الحضرية "

وكل هذا – حسب برنامج رئيس الجمهورية – فاقم من الضغوط الاجتماعية , إذ أن نسب النمو التي بلغت 4% كمتوسط من سنة 2000 إلى 2004 لم تعكس ما كان مرجوا منها , حيث تجاوزت نسبة البطالة 32.5 % بغض النظر عن المستوى العلمي للشخص العاطل عن العمل . وهو – أي البرنامج – يطرح ثلاثة حلول في غاية الأهمية هي توفير نظام إعلامي للتشغيل(قاعدة بيانات تخص القوة العاملة ) والجمع بين المقاربة القطاعية ( الوزارة المعنية والبعد الأفقي للتشغيل ) ثم استحداث آليات للتمويل الذاتي (قروض , تمويلا , النهوض بالمشاريع الصغير والمتوسطة ...).

ونحن نعتقد أن هذا البرنامج الطموح إذا ما كتب له أن يطبق بصورة جيدة فإنه قد يأتي بحلول مرضية لمشكل البطالة والتشغيل .وذلك لقطع الطريق أمام فئة شاءت لها المقادير أن تنقطع عن الدراسة مما يجعلها عرضة للانجراف نحو المجهول كالعنف والمخدرات والجريمة المنظمة وغيرها من طرق الانحراف.

وقد تكلم السيد الوزير عن التكوين المهني وكاد أن يختزله في التكوين المتوسط. وهو في الحقيقة ليس إلا وسيلة من وسائل التشغيل , وإلا فماذا نعمل مع آلاف من حملة الشهادات العليا الذين قضوا كل هذا الزمن الطويل في التحصيل في مؤسسات وطنية وأجنبية . فلا يمكن أن نأمرهم بحرق شهاداتهم والركون إلى مستقبل تجهل معالمه . فمشكلة البطالة والتشغيل لا يمكن تصورها بهذه المقاربة التي قدمها الوزير . وإن كنا نفترض فيه حسن النية ونقر بمعرفته للقطاع , إذ لا يمكن أن نترك الكلام فيها للجهة المختصة ( الوزارة ) فهي تحتاج لأيام تشاوريه كغيرها من القضايا الوطنية كالتعليم – الصحة – النقل ......ويجب أن يشترك في هذا التصور قطاعات معينة كالمالية والوظيفة العمومية والاقتصاد والتنمية بوصفها المسؤولة عن التخطيط, إضافة إلى حملة الشهادات ومراكز البحوث والتنظيمات النقابية التي تمثل الشغيلة الوطنية وأهل الخبرة .وقديما قيل إذ ازدحمت العقول خرج الصواب . ونحن لا نقلل من شأن التكوين المتوسط لكن نرى أنه ليس إلا جزءا من الكل .

والكلام عن التكوين المهني والتشغيل لا يتم دون الحديث عن تجربة الوكالة الوطنية لترقية تشغيل الشباب بعد فشل مفوضية الدمج .فنموذج الوكالة موجود في الدول المجاورة وقد أثبت جدوائيته في تونس والمملكة المغربية والجزائر ويكفي أنها تجربة موجودة في دولة متطورة كفرنسا, إذ هي تصلح أن تكون مرفقا عموميا معنيا بالتشغيل لو توفرت لها ظروف ملائمة .فخلال عمرها القصير استطاعت الوكالة أن تحقق عدة إنجازات مهمة تمثلت في 1136 مشروعا قائما , كل مشروع يوفر فرصتي عمل على الأقل مما ساهم في تقليص حجم البطالة دون أن ننسى ما وفرته من فرص العمل الدائمة وغير الدائمة هذا فضلا عن الكادر البشري الذي يسيرها والبالغ 98 موظفا و64 خبيرا في مجال التكوين على تسيير المؤسسات الصغير والمتوسطة , وفي مجال متابعة وتقييم برامج التشغيل الذاتي .

وتأسيسا على ما سبق , فليس من المقبول أن يظل هذا المرفق العمومي الرائد دون خطاب تكليف من السلطات التنفيذية , بموجبه تنطلق الوكالة في مسيرة جديدة إلا إذا كانت البيروقراطية لا تزال سائدة في الإدارة وهي الصنو الوحيد للفساد الذي يشن عليه رئيس الجمهورية حربا لا هوادة فيها .

لذا أقترح أن يبادر الوزير المعني بالقطاع إلى إصدار خطاب تكليف يتضمن تعميما من الوزير الأول بموجبه تصبح كافة القطاعات العمومية ملزمة بالرجوع إلى الوكالة وقت الاكتتاب , ونفس الشيء بالنسبة للقطاع الخاص , فلا معنى لتخلفه عن تصور يناقش مشكلا وطنيا بهذا الحجم .

فلدى الوكالة قاعدة بيانات غنية يمكن الرجوع إليها وقت الحاجة . وهنا نستأنس بالنموذج التونسي الذي استطاع أن يوفر 7000 آلاف فرصة عمل كل سنة في مجال التشغيل الذاتي ويقوم هذا البرنامج على اكتشاف فكرة جديدة قابلة للتطبيق ومشفوعة بدارسة جدوائية يتم تنفيذها و متابعتها من قبل الوكالة , حتى تسترجع المبالغ التي استثمرت في المشروع , فيما يبقى المشروع قائما بعد ذلك .

وما دمنا في هذا المجال فليس من السائغ الحديث عن إدارة الدمج ولا مشروع دعم قدرات فاعلي التمويلات الصغيرة المعروف اختصار(PRECAMF) فالأولى لم تستطع أن تقدم شيئا ملموسا حين كانت تتمتع بموارد مالية هائلة , وبصفتها مفوضية معنية بالدمج والتشغيل وهي الآن لا تعدو كونها إدارة سلبية من إدارات الوزارة , فيما يبقى مشروع (PRECAMF) غائبا عن التنمية فقلة من الناس هم الذين يعرفون شيئا عن هذا المشروع , إذ تؤكد المعطيات أنه يتلقى سنويا ما يناهز 3.8 مليار أوقية مقدمة من طرف البنك الإفريقي للتنمية (BAD ) يصرف منها 1.5 مليار أوقية في مجال التكوين و التحسيس فيما يشبه عملية وهمية ومن حيث النتيجة فهو جعجعة بلا طحين .

وكل هذه الأموال الطائلة التي تصرف على هذين المرفقين هي جهود ضائعة كان الأولى أن يعهد بها للوكالة , لكونها أثبتت جدارتها ولأن لها القدرة على التنفيذ .

وطيلة البرنامج التلفيزيوني ظل الوزير يتحدث عن التكوين المهني إلا أنه بقي في إطار التكوين الكلاسيكي . فهو لا يمكن أن يبقى دون تطوير, إذ التكوين في مجالات الكهرباء و اللحامة والنجارة ..... غير كاف لوحده , وقد تكون السوق الوطنية في حاجة لمجالات جديدة . فعلينا , من باب الإبداع في العمل الإداري , أن نخلق مجالات جديدة تتماشى مع المعطيات الاقتصادية للبلد . حيث يتم التكوين في ميدان الصيد والصناعات المتعلقة به, أو الزراعة وميادينها, أو التنمية الحيوانية كصناعة اللحوم والألبان ومشتقاتها والأعلاف ودباغة الجلود ....... وذلك في ظل أول تجربة من نوعها في البلد . حيث أنشأت الحكومة مؤسسة تعنى بالقرض الحيواني .

هذا دون أن ننسى التكوين في مجال الصناعات التعدينية وكذلك ميدان السياحة الذي لا يزال بكرا.

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026