تاريخ الإضافة : 23.07.2010 14:44

طبقات المتسولين

محمد محمود ولد أحمذي / Ahmdya@gmail.com

محمد محمود ولد أحمذي / Ahmdya@gmail.com

لم تزل ظاهرة التسول معروفة في التاريخ في أقدم فتراته، ولم تزل ظاهرةً مذمومة تُلحِق بصاحبها عارا يُنَكِّس رأسه وذلا يلازمه كظله، ولم تزل الأمم تسمع حكماءها يقدمون حلولا وعلاجا لها، وظلت محل نقاش طويل بين الشعوب في مختلف مراحل تاريخها، وليس هناك أمة بإمكانها أن تتدعي خُلُوها من ظاهرة التسول إطلاقا.

والمجتمع الموريتاني كبقية المجتمعات كان بعضُ أفراده تُلجئهم الفاقة إلى تلك الممارسة، وكان الناس في عمومهم يعالجون حالة الفقر ويَعْطِفُونَ على المُبْتَلَى بها، وكان للعلماء والأمراء دور لا ينكر في ذلك. ومع ميلاد الدولة الحديثة ومع سنوات الجفاف هاجر كثيرون إلى العاصمة والمدن مدفوعين بأمل العيش الرغيد الذي طال ما حلموا به، فلما تكسرت آمال الناس على صخرة البؤس الذي كان يومها يلف البلد كله لم يكن أمام جُموع منهم إلا امتهانَ حرفة الذل. واجتمع الفقراء مع الأيتام والمساكين ليشكلوا مجتمعا مجهولا مُهملا ظل مع الزمن ينموا ويتكاثر. وأصبحت العين لا تخطئ طوابير هؤلاء وهم يستبقون السيارات، ويستظلون بالأشجار، يعلو وجوههم الذل والانكسار، وملابسهم تعلوها الأوساخ، ويطبعها القدم بطابعه، وأحيانا ينضم لهؤلاء مجموعة من المجانين الذين يحتفظون لأنفسهم- في إطار التسول- ببعض أساليبهم الخاصة التي تضفي على الممارسة نوعا من الطرافة. تلك هي طبقة التسول التقليدية والتي تَعْتَبِرُ نفسها الأقدم والأحق بالمهنة من كل الوجوه، وقد عانت هذه الطبقة من هجرة متسولين أغلبهم من دول إفريقيا المجاورة، وبَدَأْتَ تلاحظ لذلك التسول الوافد حضورا مكثفا في العديد من المدن الموريتانية وقد أضاف المهاجرون طُرُقًا وأفكارا لم تكن قطعا معروفة هنا.

إلا أن هؤلاء جميعا لم يستطيعوا احتكار المهنة الذليلة، بل عرفت الساحة أقواما ظاهرهم نظيف وباطنهم دنس يتسولون باسم الدين، والعلم، والشرف، يقدمون ما بأيديهم من علم وثِقَلٍ اجتماعي في سبيل الحصول النفع المادي ولو كان زهيدا تافها، ولا شك أن تجارة هؤلاء راجت أيام الأزمات وأوقات التقلبات السياسة، والحق أن هذه الطبقة كبيرة ومتعددة التخصصات، فمنها من يتسول تحت عنوان الرقية الشرعية، ويستغل جهل العوام ليبيعَهم الوعودَ والمستقبلَ والصحةَ والمالَ الكثيرَ وهزيمةَ الحساد. ومنهم من سافر إلى الخليج ليظهر هناك في صورة المستغيث الذي ترك قومه هَلْكَى وَجَوْعَى، أو في صورة العالم الذي ترك طلابه بلا مَأْوَى، ثم تجلب تلك الأموال لاحقا إلى الحسابات الشخصية لتصبح بقدرة قادر إبلاً وسياراتٍ وعمارات.
ثم انتبهت الطبقة السياسة والمثقفة إلى ما في المهنة الذليلة من المكاسب المادية الكبيرة، فمارسها السياسيون في مستويات لم تكن متاحة للطبقات السابقة، فالتزلف والنفاق في هذا المستوى يجلب المشاريع العملاقة والشيكات المنتفخة، وهذا واقع يُغري ويسيل اللعاب. لذلك فقد لعب المال دورا خبيثا في إفساد الطبقة السياسية التي أَنْشَأَتْ سوقا سوداء تباع فيها المواقف والمناصب وحتى التصريحات. وليست طبقة الإعلاميين استثناءً في ذلك، بل لعل التسول بجميع مظاهره أكثر حضورا فيها من غيرها، خاصة أنها تعتبر خادمة للطبقة السياسية، ورجالُها - إضافة إلى رجال القضاء- يعتبرون الأهم والأقرب إلى رجال السياسة والمال، ومن الحقائق أن التسول استشرى في تلك الطبقتين كلتيهما ولا داعي للمزيد من ضرب الأمثلة.

إنني أتساءل: هل نحن حقا أصبحنا مجتمعا متسولا؟ لست أجزم ولكنني متخوف من كون هذه الظاهرة أصبحت عادية وهي تمارس في أعلى المستويات، ويمتهنها أفراد من مختلف الطبقات.

إن المجتمع لم يُحِسَّ بالتسول كمرض حتى الآن، ولم ينتبه لمهنة الذل كخطر يهدد العفة ويضرب المجتمع الموريتاني في ضميره وأخلاقه.

إن على الشرفاء من رجال الإعلام والسياسيين تسليطَ الأضواء الكاشفة على هذه الظاهرة، ودراسة تطورها وتضخمها وإظهارها للمجتمع كما كانت عارا وفضيحة، ومن ثم فإن على الدولة كعلاج للتسول:

1- إحياء فريضة الزكاة وإبراز دورها وتشجيع رجال الأعمال على دفعها، فالجميع يعلم أن هذه الفريضة عالجت مشكلة الفقر والتسول وقضت عليهما في بداية عمر الدولة الإسلامية وفي خلافة عمر ابن عبد العزيز، وقامت بِخَلْقِ توازن اجتماعي بين الأغنياء والفقراء.
2- محاربة الفساد والمفسدين وَأَكَلَةِ المال العام وعزلهم وتهميشهم. وهذه تعتبر خطوة أساسية نحو القضاء على التسول. فليس من العدل أن يظل المفسدُ هو المستفيدَ الوحيد من خيرات البلد وأموال الشعب، يتمتع بما لدينا من ثروات وإمكانيات، ويستخدمها لتجويع الناس وتركيعهم وابتزاز مواقفهم السياسية.
3- نشر ثقافة التبرع في أوساط الأغنياء ورجال الأعمال الذين يُبْدِعُونَ كثيرا في طرق التحصيل لكن القَلِيلَ منهم مع الأسف من يحمل هم الناس ويعيش ألمهم وبؤسهم، وهذه مفارقة مريرة، فبينما يتبرع الأغنياء الغربيون بمبالغ طائلة لصالح الكنيسة والجمعيات الأهلية والإنسانية نجد تقاصرا وأحيانا بُخلا من أغنياءنا مع ما يوفره الدين الإسلامي من محفزات في هذا المجال.هذه طبقات المتسولين وتلك بعض الاقتراحات، وإذا لم تقم الدولة بجهد حقيقي يوفر فرص العمل للعاطلين، ويغيث من فرضت عليه الظروف التسول فإن هذه الظاهرة ستظل تتمدد وتستقطب كل يوم وجوها جديدة، وإذا لم يتحرك المجتمع لعلاج هذه الظاهرة الآنَ فإن أمامه يوما سيتساءل فيه العقلاء: هل في مجتمعنا من لا يمارس التسول؟ وإني أتمنى أن لا يحصل ذلك.

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026