تاريخ الإضافة : 26.06.2010 13:42

حماية المستهلك وأزمة البحث عن قانون!!

الخليل ولد خيري
الأمين العام للجمعية الموريتانية لحماية المستهلك ومحاربة الغلاء
Kalile24@gmail.com
إن تتعدد مجالات حماية المستهلك وارتباطها بأوجه النشاط الاقتصادي يجعل هذه الحماية في منزلة لا تقل بحال عن الحماية الصحية أو البيئية بل إن هاتين الاخيرتين متفرعتين عنها باعتبارها هي الاصل وبالتالي فهي مناط أي إصلاح ورهان أي تقدم وتنمية.

ولا شك أن هذا الفهم الشمولي لحماية المستهلك يتعارض مع الرؤية التبعيضية-إن صح التعبير – لجهود حماية المستهلك والتي لا تريدها أن تتعدى الرقابة على الاسعار والكشف عن الموازين وحتى في هذه هناك من يحصر الرقابة على أسعار المواد الاستهلاكية فقط، ولا زلت أذكر عندما دعت جمعيتنا إلى تدابير أكثر حزما في مواجهة الانقطاعات المتكررة للكهرباء الصيف الماضي كيف أن احد المسؤولين انزعج من هذا الموقف،وقال لي بالحرف الواحد :انتم لا علاقة لكم إلا بما يستهلكه المواطن من مطعم ومشرب!! وغاب عن بال هذا المسؤول أن الخدمات الاساسية اضحت من الضرورات في مجتمع المدينة بحيث لا يمكن تامين الحياة بدونها.

ومن هنا تأتي أهمية التأكيد على أن عمل حماية المستهلك هو في دائرة الضرورات وليس التحسينات أو حسب القاموس التجاري دائرة المستهلكات وليس الكماليات.
وإن المرء ليعجب من ذلك التناقض الحاصل في بلادنا عندما تكون المواد الاستهلاكية أغلى سعرا من السلع الكمالية، وعندما يتهافت البعض على إشباع احتياجاتهم الكمالية قبل الضرورية وكلها مظاهر من انعدام التوازن وضعف الوعي الاستهلاكي يمكن التطرق لها في مقال آخر .

لكن قبل الدخول في صلب الموضوع يمكن القول إن نفس الفهم السابق يصدق على مفهومي "الحماية التي هي نوع من الوقاية واتخاذ كل تدابير وضمانات عدم المساس بمصالح المستهلك وبين مفهوم العلاج أو مواجهة المشاكل القائمة والبحث لها عن حلول .

إن الاحداث والمواقف التي تمر بالبلاد العربية جعلت المواطن –حسب عديد المراقبين –مفعولا به أكثر من فاعل أو منفعلا أكثر من متفاعل وبالتالي فهو رهين ردة الفعل الآنية على الأحداث، ومن النادر أن يتدبر الموقف ويخطط للأمر قبل وقوعه، ولعل الفرق بين المفهومين يتجلى أكثرفي المقولة المعروفة :"درهم وقاية خير من قنطار علاج "لذا فإن حماية المستهلك تعنى باتخاذ كل التدابير والاحتياطات للازمة لرعاية مصالحه والارتقاء بحقوقه حتى قبل ظهور ما يشكل خطرا ويمثل تهديدا لهذه المصالح، هذا فضلا عن مواجهة وعلاج ما يجد من مشاكل، والحماية بهذا المعنى لا تبتعد كثيرا عن المفهوم القرآني في التحذير من الفواحش والمنكرات بمنع مجرد الاقتراب منها أحرى الوقوع فيها "ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا ...الآية" وفي هذا السياق تتنزل مطالب جمعيتنا بضرورة الاسراع في المصادقة على مدونة خاصة بالمستهلك الموريتاني تجمع شتات القوانين المتعلقة بهذه الحماية، وتمنع التضارب في الاختصاص بين الجهات المعنية بها من مصالح وإدارات حكومية وجمعيات أهلية، كما أنها تشكل سندا قانونيا لا غنى عنه لتنظيم هذا القطاع والارتقاء به فضلا عما تسنه مواد هذه المدونة من ضمانات للجودة والرقابة على الاسعار ودرء الغش والاحتكار والتزوير ..الخ
إن مصادقة البرلمان مؤخرا على قانون خاصة بالمقاييس والجودة وعلى مدونة للصحة الوقائية خطوة إيجابية على طريق الاسراع في المصادقة على مدونة خاصة لحماية المستهلك الموريتاني، وهو أمر لا غنى عنه لتفعيل واستكمال العمل بالقوانين المصادق عليها.

لذا فإن المصادقة على هذا القانون يظل ضرورة ملحة ليس فقط لتأخر بلادنا في هذا المجال مقارنة بغيرها من البلدان المجاورة التي يتمتع مستهلكوها بالحماية القانونية بل إن من شأن هذا القانون أن يعصم الجهود الحكومية والاهلية المبذولة في مجال حماية المستهلك من التشتت وأن يقيها غائلة التضارب وغياب الجدوائية، وأن يحدد مجالات تدخل هذه الجهات فلا تبقى الحماية رهنا لإرادة حكومية عرجاء ولا لمبادرات أهلية تعدم أبسط الوسائل والامكانات وتعاني من شح الموارد وضعف التجاوب مع أهدافها وأنشطتها.

إن الواقع المزري لحماية المستهلك ينبغي أن يستنفر كل الطاقات والجهود لحلحلته وتغييره ، ولاشك أن الخطوة الاولى تكمن في الضغط والمطالبة بإيجاد إطار قانوني لحماية المستهلك في بلادنا حتى تتضح أهداف ومجالات الدفاع عن مصالح المستهلكين ويضرب بقوة القانون على أيدي المضاربين ومروجي المزور والسلع الاستهلاكية التالفة ومحترفي الغش والخداع والتغرير..

إن نظرة عابرة على أسواقنا وخدماتنا تكشف كم الحاجة ماسة إلى تنظيم هذه الاسواق والوقوف أمام طوفان المزور والمغشوش الذي أصبح ماركة خاصة بها بسبب غياب الرقابة وتدني الوازع الاخلاقي وضعف الوعي بأهمية إيجاد مستهلك واع وإيجابي قادر على الدفاع عن حقوقه ومستوف لكل الشروط المادية والمعنوية لصيانة حقوقه والارتقاء بها وهو مالن يتأتى إلا بالمصادقة على مدونة للمستهلك الموريتاني.

إن جمعيتنا التي تعمل في الميدان منذ ست سنوات لا تدعي أنها قدمت كل مالديها من أجل تطوير حقوق المستهلك لكن التجربة أثبتت أن غياب إطار قانوني كان عائقا حقيقيا إن لم يكن سيفا مسلطا في وجه المناشط والفاعليات التي تنظمها من أجل الدفاع عن مصالح المستهلك والتبصير بحقوقه، وهنا يمكن الحديث عن عائقين اثنين أولهما : غياب أي دعم من طرف الدولة للجمعية مقابل الانشطة والفاعليات التي تنظمها وذلك رغم حضور بعض ممثلي الادارة لبعض من هذه المناشط والندوات وإشادتهم بعمل الجمعية.

ثانيهما: ذلك التمييع المتعمد والخلط غير المبرر بين الجمعيات والروابط غير الحكومية العاملة في مجال حماية المستهلك ومحاولة ضرب بعضها ببعض رغم أن نظرة عابرة تكفي لتقييم أداء هذه الجميعات وتمييز غثها من سمينها والفاعل منها من المفتعل بل والمؤسسي منها من "الحقائبي"!!

وللاجابة على كل تلك الاشكالات وغيرها من المعوقات تتمسك الجمعية الموريتانية لحماية المستهلك ومحاربة الغلاء بمطلبها الاوحد والذي طالما كررته في بياناتها ومراسلاتها الاوهوالاسراع بالمصادقة على قانون خاص بالمستهلك الموريتاني وذلك خلال الدورة البرلمانية الجارية..ولذلك أيضا تدعو كل المهتمين وقادة الرأي إلى المشاركة في الندوة التي ستنظمها لهذا الغرض مساء الثلاثاء 29 من الجاري بفندق شنقيط بلاس..

إن مراسلة البرلمانيين وممثلي الجهات المهتمة بحماية المستهلك فضلا عن الندوة المزمع عقدها ليس سوى بداية حملة شعبية وتوعوية لتلبية مطلب جوهري كهذا ولن تنتهي إلا بالمصادقة على قانون خاص بالمستهلك الموريتاني يحمي مصالحه ويصون حقوقه ويضبط العلاقة بين الجهات المعنية بحمايته.وعندها يمكن الحديث عن فهم لمغزى هذا المصطلح واستيعاب لمفهومي :"الحماية والمستهلك".

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026