تاريخ الإضافة : 09.06.2010 15:33
لقاءات لم توفق مع الجابري
محمد عابد الجابري علم ثقافي شامخ طبع الساحة العربية ابتداء من العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، واحتل منها حيزا كبيرا بإشعاعه الفكري التنويري المتواتر و دخوله الجامح في الحفر داخل التراث العربي الإسلامي سعيا لإضاءة الحواف المعتمة من مكوناته و مسيرة أصحابه التاريخية في المساهمة في الفكر والحضارة العالميين.
ويذهب كثير من الباحثين في الفكر الفلسفي والدراسات الإنسانية والسياسية إلى أنه من أكثر الشخصيات العلمية نشاطا معرفيا في الوقت الحاضر، وأنه استطاع إثراء الفكر الفلسفي والثقافة النقدية العربية من داخلهما على نحو لم يتحقق إلا لقلائل من بداية عصر التدوين إلى اليوم، ولهذا شكل رحيله المفاجئ قبل أسابيع خسارة كبيرة لمؤسسات البحث العلمي والجامعات العربية خصوصا المغاربية منها، كما شكل خسارة أكبر للدراسات السياسية العربية الجارية اليوم على مستوى تحديث الفكر القومي ورفده بعناصر التجدد، ذلك أن الجابري كان في طليعة مفكري الاتجاه القومي الذين انتبهوا إلى ضرورة نقده ومراجعة مساره، وذلك في مطالبته بقيام ما دعا إليه وسماه "الكتلة التاريخية".
ففي دراسة نشرتها مجلة اليوم السابع الفلسطينية الصادرة في باريس- ع: 26 أكتوبر 1987يقول " إن المطلوب هو قيام كتلة تاريخية تنبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك، في العمق ومن العمق، جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب: المصلحة الموضوعية التي تعبر عنها شعارات الحرية والأصالة والديمقراطية والشورى والعدل وحقوق أهل الحل والعقد، وحقوق المستضعفين وحقوق الأقليات وحقوق الأغلبيات. ذلك لأن الحق المهضوم في الواقع العربي الراهن هو حقوق كل من يقع خارج جماعة المحظوظين المستفيدين من غياب أصحاب الحق عن مراكز القرار والتنفيذ. إنه بدون قيام كتلة تاريخية من هذا النوع لا يمكن تدشين مرحلة تاريخية جديدة يضمن لها النمو والاستمرار والاستقرار.
وإلى جانب هذه المكانة العربية والعالمية للجابري فقد حاز موقعا رمزيا راسخا في وجدان أجيال عديدة من الموريتانيين، خصوصا الذين اشرأبت أعناقهم إلى هذا الاسم في مستهل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الحصول على شهادة الباكلوريا حلما يراود سواد الشباب الأعظم لكونها شهادة تمثل بوابة الدخول في أفياء التعليم الجامعي سواء داخل موريتانيا أو خارجها، وكانت مادة الفلسفة هي إحدى المواد الأساسية في شعبتها الأدبية، ويعتبر مقررها الرسمي هو كتاب " دروس في الفلسفة" لمحمد عابد الجابري في طبعته الأولى ذات اللون الذهبي التي شكلت بوابة تلك الأجيال الأولى إلى الفكر والتأمل والحداثة والتنوير، وهو ما انعكس في طريقة استقبال نخب البلاد للجابري في زيارته لنواكشوط 1986، خصوصا في تنظيم محاضرته في دار الشباب وطبيعة التفاعل والأسئلة والاختمارات التي تميزت بها ووردت على أسئلة جمهورها الواسع والمتنوع.
وقد كنت ضمن من سافروا للدراسة بالخارج في بداية التسعينيات إلى المملكة المغربية، ومكنني التسجيل في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس من الاقتراب من هذه الشخصية العلمية الفريدة، فهو مدرس نشط بالكلية رغم نشاطة التأليف الغزير، ورغم سكنه خارج مدينة الرباط، فمن النادر طيلة عقد من السنوات، ابتداء من 1992 حتى 2002 أن يمر أسبوعان إلا وهو منغمس في نشاط علمي داخل هذه الكلية: يناقش أطروحة، أو يقدم كتابا ألفه حديثا، أو يقدم محاضرة، ولعل من أبرز تلك المناقشات وأشدها سخونة، نقاشه لأطروحة الدكتورة محمد سبيلا حول الحداثة، صحبة عبد السلام بن عبد العالي وما أثارته تلك الجلسة العلمية العاصفة من أسئلة ومقاربات متعلقة بالمعرفة الإنسانية والطبيعة والثقافة والإيديولوجيا والحداثة عموما، والحداثة السياسية على وجه الخصوص، وحقوق الإنسان.. وآخر ما حضرت منها كان الندوة التي نظمت في ربيع 2002 بمدرج الإدريسي ليقدم فيها الجابري نفسه كتاب "العقل الأخلاقي العربي" الدراسة التحليلية النقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، وهو الجزء الرابع والأخير من في مشروعه الفكري الكبير حول العقل العربي، وجاء كما يؤكد صاحبه، ليملأ الفراغ الذي تعاني منه المكتبة العربية، والتي تخلو من مؤلفات في تاريخ الفكر الأخلاقي العربي ولو من النوع الذي كتب في تاريخ الفلسفة العربية سواء من طرف مستشرقين أو أساتذة عرب.
ورغم هذه المدة الطويلة التي قضيتها طالبا في كلية الآداب لا أواظب على متابعة نشاط علمي داخل مدرجاتها قدر متابعتي لنشاطه هو وأستاذ علم الاجتماع الكبير محمد جسوس، فإنني لم أسع ـ للأسف الشديد ـ لإقامة علاقة خاصة به إلا في وقت متأخر، رغم أن تواضع الرجل وصلته المباشرة بطلاب الجامعة وباحثيها العاديين كانا يتيحان ذلك بسهولة لأمثالي، فكثيرا ما رأيته واقفا في أحد الممرات أو أمام م قاعة أو مدرج من مدرجات الكلية وأحيانا عند باب سيارته يناقش باحثا أو طالبا في أمور عادية من أمور البحث العلمي، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا مع اغلب أساتذة الكلية الذين يشترطون لنقاش أي أمر أخذ موعد محدد لذلك. وكنت أكتفي بالسلام عليه وتحيته بشكل عابر، مكتفيا بصلة خاصة عابرة به، كانت خارج الكلية، تمت من خلال المرحوم باهي محمد الكاتب المغربي المعروف، ـ من أصل الموريتاني ـ حين سمعته مرة يتحدث بإسهاب عن الجابري في لقاء عائلي جمعه ببعض الشخصيات العلمية الموريتانية، فاعتبرت في البداية علاقة الرجل بالجابري ضمن العلاقات الفكرية المعرفية العامة، لكنني سأتبين لاحقا أنهما كانا صديقين حميمين خاضا الجزء الأهم من تجاربها السياسية والمعرفية والنضالية برفقة بعضهما البعض، وأن البداية تعود إلى مشاركتهما معا في مسابقة أجرتها جريدة " العلم" الناطقة باسم حزب الاستقلال لاكتتاب موظفين اثنين ونجاح الباهي متفوقا على الجابري مع تحريف مطبعي لاسمه نقله من " أباه" وهو لقب العالم الكبير محمد فال ولد باب الذي حمل في الأصل اسمه إلى باهي محمد، وهو شخصية نالت من الشهرة في المشرق العربي ـ بيروت ودمشق ـ والمغرب الأقصى والجزائر ما لم تنل عشر معشاره في بلاد شنقيط. وسوف أعرف لاحقا أن قوة العلاقة وحميميتها بين الاثنين هي التي دفعت الجابري إلى المطالبة رسميا بفتح تحقيق في وفاة باهي المفاجئة إثر أزمة قلية ألمت به بمطار الدار البيضاء في خضم استعداد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للتحولات السياسية بالمغرب نهاية القرن الماضي والتي أفضت إلى ترأسهم للحكومة المغربية 1998. إذ اعتبر الجابري أن وفاة باهي كانت بفعل الضغط النفسي الكبير الذي مارسه منافسوه في معركة وصراع أجنحة الحزب على تسيير مؤسساته الإعلامية، بعد أن أوكل الكاتب العام للحزب عبد الرحمن اليوسفي إدارة جريدة " الاتحاد الاشتراكي" للباهي واستقدمه من باريز الذي ستوطنها من نهاية السبعينيات.
كان الجابري من أنشط الشخصيات العلمية والفكرية في الوسط السياسي المغربي والعربي الذي هب لتأبين باهي محمد بعد وفاته في 06 يونيو 1996، إلى جانب الكاتب القومي والروائي الكبير عبد الرحمن منيف الذي خصه بكتاب نعي مميز وراعف بالحزن والألم حمل عنوان " عروة الزمان الباهي" وتبين لاحقا أنه كان نعيا للثلاثة باهي، منيف، الجابري الذين رحلوا بشكل مفاجئ إثر نوبات قلبية متشابهة. وشاءت القدرة الإلهية أن يكون رحيلهما وتأبينهما محاذيين للخامس من حزيران شهر الحزن العربي، فها هي أربعينية الجابري تصادف يوم 08 فيه بينما كانت وفاة باهي يوم 06 .
لقد كان لي لقاءان مع الجابري شاءت الأقدار أن يقعا في ظروف مأساوية وأن لا يتواصلان. الأول منهما كان في مايو 1996 حين طلبت من باهي محمد رحمه الله أن يسمح لي بلقاء منه أتحدث معه فيه حول تاريخ الحركة القومية في المغرب العربي، لأن المعلومات المتوفرة لدي تذهب إلى أنه من مؤسسيها الأوائل، ولم أكن متأكدا من موافقته، لكنه فاجأني بالموافقة حين خاطبني مازحا بتواضع المناضلين والمفكرين الكبار: أنا أكثر منك رغبة في حصول هذه المقابلة لحاجتي إلى ما لديك من معلومات! وطلب أن يتم اللقاء في اليوم الموالي بمقهى "البستان" بعد أن تأكده من معرفتي للمكان، وكانت مفاجأتي الثانية وأنا أراقب شارع الأبطال بعد أن أخذت مكانا جانبيا في المقهى المطل عليه، أن باهي يقطع الشارع صحبة محمد عابد الجابري يسيران بهدوء وملامح صحراوية بارزة إلى جانب مسحة حزن مشتركة لا تخطئها الملاحظة البسيطة بادية على محيا كل منهما. وبتواضع جم قدم باهي "زميله" وحاول جاهدا أن يبحث لي عن صفة يقدمني بها، وهي في الواقع غير موجودة، فأنا مجرد طالب يحضر المراحل الأولى لدبلوم الدراسات العليا. وبعد الجلوس، أخبرني باهي محمد أنه ارتبط بعدي بموعد لم يستطع تجنبه، وأصبح من المناسب ترتيب مواعيد أكثر فائدة لي تجمعني مع آخرين أكثر اطلاعا على الموضوع منه، منبها إلى أن أفضل من يتحدث حوله هو المناضل القومي الاتحادي الكبير الفقيه البصري الذي من المفترض أن يستقر في الرباط بعد إقامته الطويلة في المنفى، وذلك في أفق المصالحة والعفو الملكي العام الذي كانت المملكة تعيش بداية أجوائه تلك الأيام، أما هو فسيقوم بمدي بالوثائق الموجودة لديه بعد أن يكمل ظروف استقراره بالرباط قادما من منفاه الاختياري بالعاصمة الفرنسية باريز، ورغم أنني اعتبرت " العذر" تخلصا فقد تفهمت ظروفه ومنيت نفسي بلقاءات لاحقة مع شخصية قد توصلني إلى شخصيات من حجم وعيار محمد عابد الجابري، والفقيه البصري. لكن المفاجأة الحزينة هي أني سأطالع في اقل من أسبوعين بعد ذلك الجرائد المغربية متشحة بالسواد تعلن وفاة باهي محمد رحمه الله. وتشاء الظروف أن يتأخر "لقائي" الثاني بالجابري إلى صيف 2000 حين اجتمعت به صحبة شخصية موريتانية أخرى هو الزميل سيدي ولد امناه الباحث في الفلسفة والدراسات الإسلامية، حيث طلب مني مرافقته للقاء مع الجابري في كلية الآداب بالرباط للحديث معه حول كتاب ابن رشد في النحو، والظروف التي عثر فيها الباحث على نسخة من هذا الكتاب المختفي داخل مكتبة أهل الشيخ سيديا بأبي تيليميت، وهي النسخة الوحيدة التي عثر عليها لحد الآن، وقد أخبرنا الجابري ببحثه الدؤوب عنه في كثير من مكتبات العالم الإسلامي ضمن مجهوده المتواصل في الحفر داخل البناء الفكري والمعرفي للفيلسوف الكبير ابن رشد، لكن بحثه استمر دون طائل إلى أن فاجأته الصحراء بكنز من كنوزها المعرفية، واذكر أنه في ذلك الصباح تحدث عن الموريتانيين بكثير من الإطراء والزهو وذكر عينات من نبوغ من التقى وعرف منهم، خصوصا باهي محمد، كما حدثنا عن سفره الأول إلى نواكشوط ومناخها الصحراوي وشبهه بمناخ مسقط رأسه مدينة " افكيك " المغربية. وفي نهاية اللقاء دعانا إلى زيارة لمنزله نكمل فيها الحديث بعد عودة سيدي من السفر إلى مدينة أكادير التي كانت تحتضن ندوة علمية يشارك فيها مع زميلنا المرحوم يحفظ، ووافقه المرحوم سيدي بغبطة وسرور، دون علم منه أن الموت سيختطفه في اليوم الموالي مع زميله بين أكادير ومراكش في حادثة سير مؤلمة. حاولت الاتصال بالجابري لأخبره بوفاة زميلي وتلميذه بعد عودتي ، مراسيم دفن المرحومين في مدينة تارودانت جنوب المغرب، لكنني لم أتمكن من لقائه إلا بعد مرور وقت طويل حين حضرت تقديم كتابه " العقل الأخلاقي العربي" في ربيع 2002.
لم ألتق بعد ذلك بالجابري إلا قبل شهرين من وفاته، حين صادفته خارجا من الباب الجانبي لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وفهمت من تحيته أنه لم يتذكرني، ولم أشأ إيقافه أيضا، لأن الجو كان باردا وماطرا، والمفكر الكبير بدت عليه علامات التقدم في السن، لكنني منيت النفس بأنه سيعود في الأسبوع القادم إلى الكلية، وهو ما لم يقع.
وكنت قد سمعت من مدير مكتبة "عالم الفكر" بالرباط أن المكتبات تنتظر وصول كتاب الجابري الأخير " في غمار السياسة: فكرا وممارسة" الذي طبع في بيروت في بداية هذا العام، وينتظر وصوله إلى المكتبات المغربية في بداية شهر مايو لكن المأساة تكررت من جديد، ووصل في ذلك التاريخ خبر رحيل الجابري المفاجئ، وتأكد أنه ليست السياسة وحدها كما عبر الجابري نفسه هي مجال ممارسة الغمار بل الوجود الإنساني برمته هو المجال الواسع لذلك.
رحم الله الجابري وعوض الفكر العربي التنويري خسارته فيه
ويذهب كثير من الباحثين في الفكر الفلسفي والدراسات الإنسانية والسياسية إلى أنه من أكثر الشخصيات العلمية نشاطا معرفيا في الوقت الحاضر، وأنه استطاع إثراء الفكر الفلسفي والثقافة النقدية العربية من داخلهما على نحو لم يتحقق إلا لقلائل من بداية عصر التدوين إلى اليوم، ولهذا شكل رحيله المفاجئ قبل أسابيع خسارة كبيرة لمؤسسات البحث العلمي والجامعات العربية خصوصا المغاربية منها، كما شكل خسارة أكبر للدراسات السياسية العربية الجارية اليوم على مستوى تحديث الفكر القومي ورفده بعناصر التجدد، ذلك أن الجابري كان في طليعة مفكري الاتجاه القومي الذين انتبهوا إلى ضرورة نقده ومراجعة مساره، وذلك في مطالبته بقيام ما دعا إليه وسماه "الكتلة التاريخية".
ففي دراسة نشرتها مجلة اليوم السابع الفلسطينية الصادرة في باريس- ع: 26 أكتوبر 1987يقول " إن المطلوب هو قيام كتلة تاريخية تنبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك، في العمق ومن العمق، جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب: المصلحة الموضوعية التي تعبر عنها شعارات الحرية والأصالة والديمقراطية والشورى والعدل وحقوق أهل الحل والعقد، وحقوق المستضعفين وحقوق الأقليات وحقوق الأغلبيات. ذلك لأن الحق المهضوم في الواقع العربي الراهن هو حقوق كل من يقع خارج جماعة المحظوظين المستفيدين من غياب أصحاب الحق عن مراكز القرار والتنفيذ. إنه بدون قيام كتلة تاريخية من هذا النوع لا يمكن تدشين مرحلة تاريخية جديدة يضمن لها النمو والاستمرار والاستقرار.
وإلى جانب هذه المكانة العربية والعالمية للجابري فقد حاز موقعا رمزيا راسخا في وجدان أجيال عديدة من الموريتانيين، خصوصا الذين اشرأبت أعناقهم إلى هذا الاسم في مستهل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الحصول على شهادة الباكلوريا حلما يراود سواد الشباب الأعظم لكونها شهادة تمثل بوابة الدخول في أفياء التعليم الجامعي سواء داخل موريتانيا أو خارجها، وكانت مادة الفلسفة هي إحدى المواد الأساسية في شعبتها الأدبية، ويعتبر مقررها الرسمي هو كتاب " دروس في الفلسفة" لمحمد عابد الجابري في طبعته الأولى ذات اللون الذهبي التي شكلت بوابة تلك الأجيال الأولى إلى الفكر والتأمل والحداثة والتنوير، وهو ما انعكس في طريقة استقبال نخب البلاد للجابري في زيارته لنواكشوط 1986، خصوصا في تنظيم محاضرته في دار الشباب وطبيعة التفاعل والأسئلة والاختمارات التي تميزت بها ووردت على أسئلة جمهورها الواسع والمتنوع.
وقد كنت ضمن من سافروا للدراسة بالخارج في بداية التسعينيات إلى المملكة المغربية، ومكنني التسجيل في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس من الاقتراب من هذه الشخصية العلمية الفريدة، فهو مدرس نشط بالكلية رغم نشاطة التأليف الغزير، ورغم سكنه خارج مدينة الرباط، فمن النادر طيلة عقد من السنوات، ابتداء من 1992 حتى 2002 أن يمر أسبوعان إلا وهو منغمس في نشاط علمي داخل هذه الكلية: يناقش أطروحة، أو يقدم كتابا ألفه حديثا، أو يقدم محاضرة، ولعل من أبرز تلك المناقشات وأشدها سخونة، نقاشه لأطروحة الدكتورة محمد سبيلا حول الحداثة، صحبة عبد السلام بن عبد العالي وما أثارته تلك الجلسة العلمية العاصفة من أسئلة ومقاربات متعلقة بالمعرفة الإنسانية والطبيعة والثقافة والإيديولوجيا والحداثة عموما، والحداثة السياسية على وجه الخصوص، وحقوق الإنسان.. وآخر ما حضرت منها كان الندوة التي نظمت في ربيع 2002 بمدرج الإدريسي ليقدم فيها الجابري نفسه كتاب "العقل الأخلاقي العربي" الدراسة التحليلية النقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، وهو الجزء الرابع والأخير من في مشروعه الفكري الكبير حول العقل العربي، وجاء كما يؤكد صاحبه، ليملأ الفراغ الذي تعاني منه المكتبة العربية، والتي تخلو من مؤلفات في تاريخ الفكر الأخلاقي العربي ولو من النوع الذي كتب في تاريخ الفلسفة العربية سواء من طرف مستشرقين أو أساتذة عرب.
ورغم هذه المدة الطويلة التي قضيتها طالبا في كلية الآداب لا أواظب على متابعة نشاط علمي داخل مدرجاتها قدر متابعتي لنشاطه هو وأستاذ علم الاجتماع الكبير محمد جسوس، فإنني لم أسع ـ للأسف الشديد ـ لإقامة علاقة خاصة به إلا في وقت متأخر، رغم أن تواضع الرجل وصلته المباشرة بطلاب الجامعة وباحثيها العاديين كانا يتيحان ذلك بسهولة لأمثالي، فكثيرا ما رأيته واقفا في أحد الممرات أو أمام م قاعة أو مدرج من مدرجات الكلية وأحيانا عند باب سيارته يناقش باحثا أو طالبا في أمور عادية من أمور البحث العلمي، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا مع اغلب أساتذة الكلية الذين يشترطون لنقاش أي أمر أخذ موعد محدد لذلك. وكنت أكتفي بالسلام عليه وتحيته بشكل عابر، مكتفيا بصلة خاصة عابرة به، كانت خارج الكلية، تمت من خلال المرحوم باهي محمد الكاتب المغربي المعروف، ـ من أصل الموريتاني ـ حين سمعته مرة يتحدث بإسهاب عن الجابري في لقاء عائلي جمعه ببعض الشخصيات العلمية الموريتانية، فاعتبرت في البداية علاقة الرجل بالجابري ضمن العلاقات الفكرية المعرفية العامة، لكنني سأتبين لاحقا أنهما كانا صديقين حميمين خاضا الجزء الأهم من تجاربها السياسية والمعرفية والنضالية برفقة بعضهما البعض، وأن البداية تعود إلى مشاركتهما معا في مسابقة أجرتها جريدة " العلم" الناطقة باسم حزب الاستقلال لاكتتاب موظفين اثنين ونجاح الباهي متفوقا على الجابري مع تحريف مطبعي لاسمه نقله من " أباه" وهو لقب العالم الكبير محمد فال ولد باب الذي حمل في الأصل اسمه إلى باهي محمد، وهو شخصية نالت من الشهرة في المشرق العربي ـ بيروت ودمشق ـ والمغرب الأقصى والجزائر ما لم تنل عشر معشاره في بلاد شنقيط. وسوف أعرف لاحقا أن قوة العلاقة وحميميتها بين الاثنين هي التي دفعت الجابري إلى المطالبة رسميا بفتح تحقيق في وفاة باهي المفاجئة إثر أزمة قلية ألمت به بمطار الدار البيضاء في خضم استعداد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للتحولات السياسية بالمغرب نهاية القرن الماضي والتي أفضت إلى ترأسهم للحكومة المغربية 1998. إذ اعتبر الجابري أن وفاة باهي كانت بفعل الضغط النفسي الكبير الذي مارسه منافسوه في معركة وصراع أجنحة الحزب على تسيير مؤسساته الإعلامية، بعد أن أوكل الكاتب العام للحزب عبد الرحمن اليوسفي إدارة جريدة " الاتحاد الاشتراكي" للباهي واستقدمه من باريز الذي ستوطنها من نهاية السبعينيات.
كان الجابري من أنشط الشخصيات العلمية والفكرية في الوسط السياسي المغربي والعربي الذي هب لتأبين باهي محمد بعد وفاته في 06 يونيو 1996، إلى جانب الكاتب القومي والروائي الكبير عبد الرحمن منيف الذي خصه بكتاب نعي مميز وراعف بالحزن والألم حمل عنوان " عروة الزمان الباهي" وتبين لاحقا أنه كان نعيا للثلاثة باهي، منيف، الجابري الذين رحلوا بشكل مفاجئ إثر نوبات قلبية متشابهة. وشاءت القدرة الإلهية أن يكون رحيلهما وتأبينهما محاذيين للخامس من حزيران شهر الحزن العربي، فها هي أربعينية الجابري تصادف يوم 08 فيه بينما كانت وفاة باهي يوم 06 .
لقد كان لي لقاءان مع الجابري شاءت الأقدار أن يقعا في ظروف مأساوية وأن لا يتواصلان. الأول منهما كان في مايو 1996 حين طلبت من باهي محمد رحمه الله أن يسمح لي بلقاء منه أتحدث معه فيه حول تاريخ الحركة القومية في المغرب العربي، لأن المعلومات المتوفرة لدي تذهب إلى أنه من مؤسسيها الأوائل، ولم أكن متأكدا من موافقته، لكنه فاجأني بالموافقة حين خاطبني مازحا بتواضع المناضلين والمفكرين الكبار: أنا أكثر منك رغبة في حصول هذه المقابلة لحاجتي إلى ما لديك من معلومات! وطلب أن يتم اللقاء في اليوم الموالي بمقهى "البستان" بعد أن تأكده من معرفتي للمكان، وكانت مفاجأتي الثانية وأنا أراقب شارع الأبطال بعد أن أخذت مكانا جانبيا في المقهى المطل عليه، أن باهي يقطع الشارع صحبة محمد عابد الجابري يسيران بهدوء وملامح صحراوية بارزة إلى جانب مسحة حزن مشتركة لا تخطئها الملاحظة البسيطة بادية على محيا كل منهما. وبتواضع جم قدم باهي "زميله" وحاول جاهدا أن يبحث لي عن صفة يقدمني بها، وهي في الواقع غير موجودة، فأنا مجرد طالب يحضر المراحل الأولى لدبلوم الدراسات العليا. وبعد الجلوس، أخبرني باهي محمد أنه ارتبط بعدي بموعد لم يستطع تجنبه، وأصبح من المناسب ترتيب مواعيد أكثر فائدة لي تجمعني مع آخرين أكثر اطلاعا على الموضوع منه، منبها إلى أن أفضل من يتحدث حوله هو المناضل القومي الاتحادي الكبير الفقيه البصري الذي من المفترض أن يستقر في الرباط بعد إقامته الطويلة في المنفى، وذلك في أفق المصالحة والعفو الملكي العام الذي كانت المملكة تعيش بداية أجوائه تلك الأيام، أما هو فسيقوم بمدي بالوثائق الموجودة لديه بعد أن يكمل ظروف استقراره بالرباط قادما من منفاه الاختياري بالعاصمة الفرنسية باريز، ورغم أنني اعتبرت " العذر" تخلصا فقد تفهمت ظروفه ومنيت نفسي بلقاءات لاحقة مع شخصية قد توصلني إلى شخصيات من حجم وعيار محمد عابد الجابري، والفقيه البصري. لكن المفاجأة الحزينة هي أني سأطالع في اقل من أسبوعين بعد ذلك الجرائد المغربية متشحة بالسواد تعلن وفاة باهي محمد رحمه الله. وتشاء الظروف أن يتأخر "لقائي" الثاني بالجابري إلى صيف 2000 حين اجتمعت به صحبة شخصية موريتانية أخرى هو الزميل سيدي ولد امناه الباحث في الفلسفة والدراسات الإسلامية، حيث طلب مني مرافقته للقاء مع الجابري في كلية الآداب بالرباط للحديث معه حول كتاب ابن رشد في النحو، والظروف التي عثر فيها الباحث على نسخة من هذا الكتاب المختفي داخل مكتبة أهل الشيخ سيديا بأبي تيليميت، وهي النسخة الوحيدة التي عثر عليها لحد الآن، وقد أخبرنا الجابري ببحثه الدؤوب عنه في كثير من مكتبات العالم الإسلامي ضمن مجهوده المتواصل في الحفر داخل البناء الفكري والمعرفي للفيلسوف الكبير ابن رشد، لكن بحثه استمر دون طائل إلى أن فاجأته الصحراء بكنز من كنوزها المعرفية، واذكر أنه في ذلك الصباح تحدث عن الموريتانيين بكثير من الإطراء والزهو وذكر عينات من نبوغ من التقى وعرف منهم، خصوصا باهي محمد، كما حدثنا عن سفره الأول إلى نواكشوط ومناخها الصحراوي وشبهه بمناخ مسقط رأسه مدينة " افكيك " المغربية. وفي نهاية اللقاء دعانا إلى زيارة لمنزله نكمل فيها الحديث بعد عودة سيدي من السفر إلى مدينة أكادير التي كانت تحتضن ندوة علمية يشارك فيها مع زميلنا المرحوم يحفظ، ووافقه المرحوم سيدي بغبطة وسرور، دون علم منه أن الموت سيختطفه في اليوم الموالي مع زميله بين أكادير ومراكش في حادثة سير مؤلمة. حاولت الاتصال بالجابري لأخبره بوفاة زميلي وتلميذه بعد عودتي ، مراسيم دفن المرحومين في مدينة تارودانت جنوب المغرب، لكنني لم أتمكن من لقائه إلا بعد مرور وقت طويل حين حضرت تقديم كتابه " العقل الأخلاقي العربي" في ربيع 2002.
لم ألتق بعد ذلك بالجابري إلا قبل شهرين من وفاته، حين صادفته خارجا من الباب الجانبي لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وفهمت من تحيته أنه لم يتذكرني، ولم أشأ إيقافه أيضا، لأن الجو كان باردا وماطرا، والمفكر الكبير بدت عليه علامات التقدم في السن، لكنني منيت النفس بأنه سيعود في الأسبوع القادم إلى الكلية، وهو ما لم يقع.
وكنت قد سمعت من مدير مكتبة "عالم الفكر" بالرباط أن المكتبات تنتظر وصول كتاب الجابري الأخير " في غمار السياسة: فكرا وممارسة" الذي طبع في بيروت في بداية هذا العام، وينتظر وصوله إلى المكتبات المغربية في بداية شهر مايو لكن المأساة تكررت من جديد، ووصل في ذلك التاريخ خبر رحيل الجابري المفاجئ، وتأكد أنه ليست السياسة وحدها كما عبر الجابري نفسه هي مجال ممارسة الغمار بل الوجود الإنساني برمته هو المجال الواسع لذلك.
رحم الله الجابري وعوض الفكر العربي التنويري خسارته فيه







