تاريخ الإضافة : 19.03.2008 22:12

غزة...وكبرياء الجراح


بقلم: الشيخ أحمد ولد البان

شامخة كباسقات النخيل في زمن لبست أرضه حشائش السافانا المولعة بالخضوع.. باسمة كإشراقة الصبح رغم النوائب ..تتخضبين بدم العزة وتتدثرين بدثار الشرف.. وحدك تجاذبين القيد ..يا آبدة الصيد.. تزمجرين في زمن الصمت كبحرك الهادر بهتافات الانعتاق وبلابلك الصادحة بتلاحين الحرية وحجارتك التي دحرت دبابات الميركافا المصفحة ..عفوا بأبطالك أطفالك يوم يحمل الواحد منهم حجرا تضيق كفه عنه يحسب الجبناء ألف حساب وتعلن حالة الطوارىء.. عفوا ثانية.. برجالك الألى خبر العدو جلادهم يوم الروع وعرف هزأهم بسلاسل القيود وشبابيك القضبان ..بأمهات النضال ..المودعات فلذات الكبد وأحبة القلوب الوداع الأخير بكلمة الفصل :"مت في سبيل القدس وموعدنا جنة الخلود"..المتهاديات الورود يوم يزف الشهيد الابن ..الزوج ..الأخ
ولوكان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
لا عليك يا غزة العزة..ليهنك القصف ..ليهنك الحصار.. فأنت المنتصرة بعزك والعزيزة بكبريائك ..فلو لم تكوني شامخة لما راموا كسرك ولو لم تكوني مستعلية لما همهم إذلالك..فـــ
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة أم الكسوف لغير الشمس والقمر
وهل يبتلى إلا المؤمنون ؟" أشد الناس بلاء الأنبياء فالأمثل الأمثل".
أيامك الغر موصولة بذمام غير منقضب بأيام بدر وأحد ..وذكريات كبريائك تعاويذ تحرق عنجهية المستكبرين ..ورعب يؤرق بني صهيون وهم في قرى محصنة ومن وراء جدر..عبق ريحك كأنما تهب نسماته من ظلال الفردوس ..مطوقة بسلاسل من أطواد الشهامة..فأنى لك أن تركعي لغير من أنبت زيتونك وأجرى عيونك ..موقرة أنت بلحظات الشرف..مغرية لياليك الغر لمخايل الشعراء ..تلمح في قسماتك أيادي "القسام" يوم كتب بدمه الزكي على أديم الأرض وثيقة الصدق فيما عاهد الله عليه..فتوالت قوافل الشهداء ..ليختار "عياش"العيش بين مخابر هندسة القنابل وخنادق المقاومة..ويزف في موكب من النور والملائكة إلى جنة الخلد..وتقرأ في محياك الطلق آيات "آيات" وهي تستبدل فستان العرس بحزام الموت وخاتم الخطوبة بفتيل النار..لتطبع أم نضال آخر قبلة على جبين صغيرها محمد لينضم إلى روضة براعم الفردوس ..جاعلا من تفجير جسده الطاهر رسوما لللحاق بموكب النور..في مشهد تماضري فريد(تماضر اسم الخنساء الصحابية)..وتمضي القافلة تخيط من قطع الليل تباشير الصباح ..تدحرجها عجلات كرسي الشهيد أحمد ياسين .. وتحدوها كلمات الرنتيسي الخالدة.. وتلذع القافلة صرخات هدى على ضفاف الشاطىء الغزي ..فلا تستطيب دون نصرتها المقام..مائة سنة إلا ثلاثين عاما..وأنت تلتاعين بقسوة الجرح وتتقلبين على لظى صروف غدارة ..تقبضين على جمر المبدإ الخالد..عجبا لأمرك إن أمرك كله عجب وليس ذلك إلا لك ..عجبا..كل يوم تحرقين لتخرجي كطائر الغرنيق من بين ألسنة اللهب متلفعة بالنور القدسي ..في كل لحظة تعيشين تجربة الموت والحياة..وحدك تلتاعين بقسوة الجرح لا لأنك وحدك الجريح فالجرح طافح بل لأنك وحدك من يتنفس الحياة وما لجرح بميت إيلام ..لا عليك يا أخت عاصمة الرشيد ..فدموع زيتونك دم يسربل جذوع النخيل في جنبات جسر الرصافة..ولوعة اليتامى فيك وخزة آصرة من نزيف سجين مفرد في عوالي الكرخ..من فلك الأخيار مطلعه.."رهين قيود الروم يلهو به الغدر"..بينكما قرابات الجراح ..وللجراح قرابات وأنساب..أنتما هناك تحترقان في صلوات المجد..تنزفان بجراح الشرف ..تحملان الأشلاء بيد وبأخرى وثيقة الصمود..تخطوان على طريق مبلط بهام السلاطين ..يوم وطئتهم قوافل الأطفال المنتفضة وهم في مواخير أوسلو..يوثقون عقد بيع الكرامة..أنتما هناك تنتزعان الحياة من أظافر الموت الناشبة..وهم هنالك كالموميات المحنطة .."لا انفعال ولا حراك ولا كلام" ..هم هنالك تعلوهم الغبرة وترهق وجوههم القترة يقرفصون على أرائك مبنية على" قوائم من جوع المساكين".. عاجزون حتى عن ذرف دموع التماسيح..ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم..لأن أرض الطهر لا يحررها الدم المغشوش..عبثا يحاول رعاة الكاوبوي وعصابات الهاجانا أن يكسزوا شمم بني "أنف الناقة"..عبثا يظنون الجوع يحمل الحرة على أن تأكل غير الطيب ..وأن العطش يرغم الطفل على شربة غير هنيئة..وعبثا يهرف الجبناء..بنصح الخذول..لا مقام لكم فارجعوا..إن بيوتكم عورة..لا طاقة لنا بجالوت وجنوده..ناسين في رهبة الخوف أن قوة الحق أبقى من حق القوة..وأن ما أخذ بالعنف لايرد إلا بالضعف..صبرا أيتها الأرملة الثكلى..ووداعا أيها الرضيع الشهيد ..وقدما أيها الأبطال المغاوير فإن كل قطرة دم تروي أرض الوطن ستنبت زرعا نضيرا من الموت للمحتل.. وسيبزغ فجر النصر من بين ثنايا الأمهات المبتسمات في وجه النائبات..وستقدح حجارة الأطفال زند الأمل وستقطف بنات غزة الزيتون من وراء تل آبيب ..وسيجرف الفرات غثاء الغزاة..وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026