تاريخ الإضافة : 22.03.2010 10:26

للإصلاح كلمة

كلمة الإصلاح هذه المرة أكتبها احتفاء بالاستقلال الداخلي للغة العربية في تصريح الوزير الأول في تخليد يومها .

أقول لا شك أن ما كانت تفعله السلطات الموريتانية للغة العربية ليس إهمالا لها فقط بل هو إهانة لهذه اللغة التي أراني غنيا عن الإشادة بها وموقعها من اللغات الأخرى في قلب المسلم ولا سيما بين شعب غالبيته هم سدنتها وأساتذتها وباختصار هم أحق بها وأهلها .

ولكن هذه الإهانة تمثلت في رفعها منطوقا إلى أعلى السيادة ،وبعد ذلك تركها تسقط من أعلى تلك السيادة إلى حضيض الإهانة لتتحطم على صخرة الاستهزاء بريائها وكبريائها.

فمن المعروف أن دستور البلاد هو أعلى وثيقة تحكم سير البلاد تشريعا وثقافة إلى آخره ،ومن المعلوم أيضا أن هذا الدستور مكتوب بين دفتيه ثوابت تنحصر فيها معنى السيادة للدولة وهي العلامة الكبرى للاستقلال والسيادة.

ومن بين هذه الثوابت الوحدة الوطنية والعلم واللغة والنشيد ....الخ .
ومع وضوح هذا كله فقد عمدت السلطات الموريتانية إلى استثناء واحدة من هذه الثوابت ووضعتها على الأرض تحت أقدامها لتكون من الأسفلين ، مع أنها هي أشرف هذه الثوابت وأعمقها وأوضحها سيادة ، فهي من الثوابت الناطقة والمعبرة عن الهوية والسيادة في أي مكان تصل إليه الأقدام الموريتانية .

أما أنواع هذه الإهانة التي قامت بها السلطة الموريتانية فقد اتخذت أشكالا :

فبعض هذه الأشكال مادي وبعضها معنوي .

فالمادي هو أن السلطة الموريتانية قامت بإصلاح للتعليم وقررت إجبارية تعلم هذه اللغة وحدها لكل من ينطق بها عائليا ولم تفرض تعلمها على من لم ينطق بها عائليا كأن عنده لغة خاصة به عائليا يمكن له أن يتعلمها .

ومن المعلوم أن مستقبل التعليم هو أمل كل شخص في سعادته ماديا ، واستمرت أجيال شبابية على هذه الوضعية المفروضة من السلطة .

ومن المعلوم كذلك أن هذه الأجيال لا تصل كلها إلى الدراسات العليا فالكثير منها يتسرب من جميع مراحل التعليم لأسباب قاهرة ومتفرقة .
و كان من المفروض أن تكون لكل مرحلة من التعليم فرصة عمل تناسبها سواء داخل جهاز الدولة في القطاع العام وكذلك القطاع الخاص ويكون من المفروض على الجميع استقبال طلبات أي درجة من التعليم بفتح المسابقات الوطنية باللغة الرسمية الوطنية ، ولكن تحت هذه الصورة الواقعية ، ماذا عملت السلطات الموريتانية ؟.

لقد حرمت السلطات الموريتانية جميع هذه الأجيال التي تسربت مبكرا من التعليم وهي أغلب الشباب ولا سيما من أبناء الفقراء حرمتهم من العمل في الأسلاك من فئة (د.و.س.و.ب) مع أنهم يتقنون جيدا لغتها وتنظيم كتابتها.

وقد اتبع القطاع الخاص السلطات الموريتانية في تصرفها، بل لا يقبل أبدا عمل الناطقين اللغة العربية وحدها في القطاع الخاص فلم نجد في هذا الوطن أو محفوظاته أو سجلاته أو كتابة إداراته العمومية أي حرف عربي كتبه عامل باللغة العربية إلا النزر القليل حتى أصبحت اللغة العربية وهي اللغة الرسمية الوطنية في البلاد كأنها لا تصلح إلا لمكان "اللثام" من السلطة لإلقائها في الحفلات فلا يمكنها في نظرهم أن تستر سوءاتهم في المكاتب سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص وكانت النتيجة عندئذ ما يلي :

جميع من تسرب من الشباب من الدراسة مبكرا(واللغة العربية ليست لغة عائلته) يجد بسرعة في القطاع العام والقطاع الخاص العمل المناسب لتعليمه لغة العمل في المكاتب الموريتانية وهي اللغة الأجنبية حتى أصبح العمل أكثر من الطلب في فئات أسلاك العمل السفلى المحجوز للغة واحدة حتى أصبح شبه الأمي باللغة الفرنسية لا كتابة ولا نطق يتربع على قمة كل كتابة عمومية أو خصوصية وأصبح أصحاب الشهادات العربية لا يجدون عملا إلا إذا كانت الشهادات عالية ، وفي هذه الحالة يكون كتابهم باللغة الفرنسية .

وأصبح المسؤول الأول المعرب في الإدارة يوقع على شيء لم يستوعبه تعبيرا ولا معنى ، ويصبح الكاتب المتفرنس شبه الأمي يتحكم في أسلوب المسؤول في الاستقبال والإرسال .

مع أن أجيال تلك الفترة الإجبارية في تعليم العربية يصلحون عمليا للعمل في المكاتب العامة والخاصة.

ونظرا إلى كثرة الوساطات فقد تكدس كثير منهم ولا سيما النساء في تلك المكاتب التي لا ينتجون فيها إلا شغل المقاعد وتارة يضجعن إذا ضاقت عنهن المقاعد وينظرن فقط إلى زميلهن أو زميلتهن إذا كان يعرف أو تعرف التهجي بالفرنسية .
فهو أو هي صاحبة المكتب بلا نزاع ولو كانت الجالسات أو المضجعات "قس بن ساعدة" في العربية (وأرجوا هنا زيارة الوزارات للتأكد من هذه الظاهرة القاتلة معنويا لهذه اللغة ).

أما الإهانة المادية لهذه اللغة فهي تتجسد في وجود شكليات في كل أنواع عناوين العمل مكتوبة بأحرف عربية كبيرة ولكنها مثل البقال لا تلد فوق الأراضي الموريتانية فكلمة الوزير أو الأمين العام المكتوبة بالعريية لا تجد تحتها إلا مواضيع بلغة فرنسية قد تكو ركيكة وقد تكون مفهومة.

وتذكرني هذه العناوين في المكاتب بوجود "ضوال" الإبل تنظر أهل الإبل الحاضرين يسقون إبلهم ، أما هي فرافعة رؤوسها تنظر إلى الساقي كأنها تتشفع ولكن لا شفاعة عنده لها .
وقد حان للقلم أن يكتب تقييما للاحتفال بيوم اللغة العربية وتصريح الوزير الأول في شأنها .
أولا : أقول في هذا التقييم لقد كان من المفروض قبل هذه اللفتة الكريمة وهذا المقال الضارب على أكثر وتر حساسية لسكان هذا الوطن أن يسبق بخطوة عملية تبشر بالعمل المستقبلي لهذه اللغة .

وهذه الخطوة تشتمل على انجازين هامين في هذا الصدد وهما :
أولا: القيام بإحصاء لكل الإدارات في انواكشوط وفي الداخل وفتح مسابقة للكتاب من فئة (د.س و ب) باللغة العربية بثلاثة أضعاف عدد الإدارات حتى يصبح ثلاث كتاب لكل إدارة .

ثانيا: إصدار مرسوم يحظر على كل إدارة رسمية أن تكتب داخل موريتانيا بأي لغة غير عربية ويحتم على القطاع الخاص ألا يرسل رسالة إلى القطاع العام إلا باللغة العربية ولا تقضي للقطاع الخاص أي فاتورة إلا إذا كتبت بالعربية وكان أصل دينها مكتوب بالعربية .

فعندما نعيش شهرا واحدا بعد صدور هذه الأوامر ويأتي هذا اليوم أو ذلك الخطاب فستستمع الناس له بنباهة واعتزاز .
وأنا أخاف أن يكون هذا الخطاب كما يقول المثل الحساني "الصيحة كبيرة والميت فأرا".
ويحضرني مثل آخر من أمثال العادات الموريتانية أعيذ هذا الاحتفال بهذا اليوم وخطاب الوزير الأول أن يكون مثل تلك العادات .

فبعض المناطق الموريتانية عندما يأتي رجل صهرا لعائلة في المكان الموجودة فيه يرسلون له ما يسمي ( معروفا) والمعلوم عند الناس أن الصهر لا يقرب هذا المعروف بل يستحي منه فأصبحت الناس لا تبالي بحقيقة ما في إناء المعروف فإذا كان في النهار يأخذون قدحا ويجعلون على أعاليه (الدهن) ويجعلون داخله حجرا ثقيلا لأن الصهر لا يكشف ذلك الغطاء عادة وإذا كان في الليل يأخذون قدحا من الماء ويصبون فوقه رغوة لبن فالصهر سوف لا يدري هل هو الماء بل يكتفي في كل هذا بالرد والتشكر عليه .

وأنا أخاف أن يكون الاحتفاء باليوم معروفا نهاريا وخطاب السيد/ الوزير الأول معروفا ليليا لأن الناس إذا تنادت لتجهيز ميت ولم يسرع في هذا التجهيز فإن الجنازة سوف تتغير فالعربية كانت ومازالت ميتة غير مدفونة وهنا أعطي مثالا يجب الاقتداء به .

فمعلوم أننا من المغرب العربي ودول المغرب العربي "أفرنس" منا وأكثر تعريبا كذالك وذلك بأن مكان السيادة وهي الإدارة معربة إجباريا والتعليم العالي مفرنس لأنه لا علاقة له بالإدارة أو السيادة .

فقد قال لي مواطن أن كلية الهندسة في تونس لا يوجد في تعليمها حرف عربي ولا يوجد في إدارتها حرف فرنسي .

فعندما يكتبون جدول الامتحانات ويعلقونه على الجدران فغير الناطقين بالعربية لا يعرفون أسماء مواد الامتحان ولا تواريخها ويضطرون إلى سؤال زملائهم عن هذه المعلومات .

وعندما طلبوا من الإدارة ترجمة هذه المعلومات أجابوهم بأن الإدارة ممنوعة من غير اللغة العربية .

أليس لنا أسوة حسنة في تلك الدول من هذه الناحية فقط فإذا كنا قد تشجعنا وأدخلنا هذه اللغة في دستورنا كلغة سيادة فلماذا لا نتشجع ونحافظ على تلك السيادة ولم نلبس الحق بالباطل ونأخذ بثأرنا على من ظلمنا وإذا لم يتبع هذا الاحتفال وذلك الخطاب ما كتبنا أعلاه فنقول للسلطة "جنت براقش على نفسها "

وخير ما نحجل به هذا المقال أبياتا للشاعر محمد المصطفي ولد مباركو حيث يقول :

خراب ساعدت فيه البنات وداء هاج كامنه الأساة
ومجد حطمته حماة عز وعار شاد ركنيه الأباة
أري الفصحى تسام اليوم هونا وسائمها بنوها والبنات
نسوا منها المحامد أو تناسوا وضلت عن هداه الذكريات



والله ولي التوفيق

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026