تاريخ الإضافة : 25.02.2010 11:01
المشروع العزيزي: إنجازات وأخطاء وثغرات.. مساهمة في النقد البناء
بقلم: محمد محمود ولد محمد ـ باحث وكاتب صحفي
منذ صعود السيد محمد ولد عبد العزيز إلى واجهة المجال السياسي في موريتانيا أثر انقلاب 2005 والجدل محتدم حول تنامي حضوره في المشهد السياسي بين مؤيد متحمس ومعارض ناقم ومتحفظ حائر يقول لسان حاله:« تعرف منه وتنكر».
وكاتب هذا المقال ـ الذي يعد نفسه من أنصار المشروع الاجتماعي للسيد ولد عبد العزيز ـ يسعى هنا إلى المساهمة في ترشيد هذا المشروع من خلال استكشاف مكانته في المشهد السياسي، وتحديد أهم انجازاته حتى الآن، وتشخيص بعض الأخطاء والثغرات التي لا تزال تحول دون اكتمال نجاحه.
مفاجأة 18 يوليو
شكل فوز ولد عبد العزيز في الشوط الأول من انتخاب 18 يوليو مفاجأة من العيار الثقيل أربكت المحللين والعامة على السواء. وإذا كان أغلب المعارضين للرجل قد شككوا في نتائج الانتخابات ورفضوا في البداية الاعتراف بها بل ذهب بعضهم إلى القول بوجود "حيلة كيميائية" كانت وراء النتائج، فإن كثيرا من المراقبين قد استوعبوا المفاجأة معتبرين أنها تتويج لجهود سياسية ودعائية ضخمة ما فتئ ولد عبد العزيز يضاعفها منذ اعتلائه سدة الحكم بعد انقلاب أو تصحيح 6 أغسطس 2008، وقد نجحت هذه الجهود -حسب هؤلاء المراقين - في جذب أصوات " الأغلبية الصامتة" من الشعب الموريتاني التي سئمت وعود النخب السياسية وتجرعت باستمرار خيبات أمل عديدة فأصبحت تتوق لنمط جديد من الحكم لا يخلو من إثارة ومفاجأة وجرأة قد يتوفر عليها أصحاب النياشين والخوذات أكثر مما يتحلى بها ساسة مخضرمون ومنهكون.
إن الأمر في نظر هؤلاء جد بسيط، فمن الناحية الحسابية يشكل الفقراء والمهمشون والمحبطون أغلبية ساحقة من الشعب وهم ينجذبون إلى الدعايات الشعبوية ذات الآثار الملموسة و"الإجراءات الاستعجالية" وينفرون ـ بطبعهم ـ من الوعود والتنظيرات وكأنهم يرددون مع اللورد كينز: " على المدى البعيد نكون قدمتنا جميعا".
ومن هنا جاء لقب " رئيس الفقراء" الذي اختاره ولد عبد العزيز لحملته وما رافقه من شعارات مكافحة الفساد ليفعل مفعوله السحري فكانت المفاجأة.
ولكن ما ذا بعد النجاح والحصول على الشرعية؟ هل يملك الرجل مشروعا اجتماعيا لإعادة بناء البلاد وانجاز تنميتها المنشودة له تكتيكاته و خططه الإستراتيجية ورؤيته السياسية والفكرية؟ أم أن الأمر لا يتعدى حزما من الإجراءات الاستعجالية وقرارات " الطوارئ" لا تنظمها خطة تنموية محكمة أو إطار استراتيجي؟
سؤال محوري ما يزال في الساحة انقسام حاد حول الإجابة عليه.
وتنطلق هذه المحاولة من افتراض الشق الأول من هذا السؤال.
خصوم محترفون ومتربصون
إن المتابع للساحة الوطنية يستطيع دونما صعوبة تذكر أن يعرف خصوم مشروع ولد عبد العزيز داخليا وخارجيا. أما داخليا، فإن أغلب خصومه ما فتئ يعلن معاداته لهذا المشروع ويعبئ جهوده لعرقلته وإفشاله على أن قلة منهم ما تزال مندسة في نظام الرجل مشكلة طابورا خامسا لا يألوا جهدا في التشويش على المشروع عبر الاستشارات الخائنة والوشايات والمغالطات.
وأما على المستوى الخارجي، فإن ثمة قوى دولية ترى في مشروع ولد عبد العزيز تهديدا مباشرا لمصالحها في البلد والمنطقة وستكون مستعدة لاستغلال أي فرصة لإضعاف هذا المشروع أو إسقاطه. ويمكن اعتبار إسرائيل في المقام الأول وفرنسا ودول ما يسمى بمحور الاعتدال العربي في المقام الثاني من المرشحين لأن يكونوا الخصوم الخارجين للمشروع.
ويمكن القول إجمالا إن أبرز الخصوم الداخليين هم:
1-أغلبية الطبقة السياسية التقليدية ممن يوصفون ـ في نظرة الرأي العام ـ ب "المفسدين وأكلة المال العام" الذين كانوا يظنون أنهم قد ضمنوا أن يستمر اختطافهم للبلد ليظل دولة بينهم ينهبون أمواله ويورثون مناصبه لأبنائهم وأتباعهم ومريديهم مكرسين ثقافتهم اللاخلاقية القائمة على الزبونية والمحاباة والانتهازية، فهذه الطبقة وجه إليها المشروع ضربات قاضية عبر إجراءاته الجريئة المتعلقة بمكافحة الفساد والإطاحة ببعض رؤوسه والسعي إلى إضفاء الأخلاق على الحياة العامة. وهي فئة تمتلئ صدورها غيظا على نظام ولد عبد العزيز وتتربص به الدوائر وتتألف أساسا من غالبية شيوخ القبائل وقدماء الإداريين وبعض رجال الأعمال وقدماء الضباط ويرتبط بهؤلاء جيش من المرتزقة والأتباع والطفيليين.
2-أغلب قادة وأنصار المعارضة التقليدية الذين ذاقوا الأمرين تحت الأحكام العسكرية الشمولية السابقة ولذا يتهمون المشروع العزيزي بأنه استبدادي وشمولي كما أن بعض هؤلاء كان يظن أن دوره قد حان ليتسلم السلطة فجاء هذا النظام واختطفها دونه.
ويبرر بعض هؤلاء مخاوفهم من المشروع بما يلاحظونه من اعتماده على أفراد من الطبقة الحاكمة السابقة، وبما يرونه من استقطاب الحزب الحاكم لمناضلين منسحبين من أحزاب المعارضة وهي (شنشنة يعرفونها من أخزم).
ولعل غياب الفصل بين المناصب السياسية والمنصب الإدارية ـ وهو ما يسمح بولوج الأطر الأكفاء من المعارضة والموالاة إلى المناصب الإدارية دون تمييز على أساس الإنتماء السياسي ـ هو أكثر ما يعزز مخاوف هؤلاء من كون المشروع العزيزي مشروعا إقصائيا لا مكان فيه لمن لا يدور في فلك " حزب الدولة".
3-مجموعات من المثقفين والأكاديميين ونشطاء المجتمع المدني لديهم نفور متأصل إن لم نقل " عقدة" من تدخل العسكر في السياسة ويعتبرون أن هذا التدخل يشكل خطرا كبيرا على الحريات العامة بما فيها حرية التعبير وحرية التجمع. ولا يعدم هؤلاء بعض الأخطاء التي يبررون بها مخاوفهم مثل سجن بعض الصحفيين وتغريمهم، وتسخير الإعلام العمومي للحزب الحاكم، وما يبدو من تدخل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء.
إن هؤلاء الخصوم المتعددون في دوافعهم يمتازون بالمهارة والخبرة ويستطيعون ـ إن لم ينجح المشروع العزيزي في احتوائهم أو تحييدهم ـ أن يعملوا على خلق جو من الاحتقان والتوتر قد يشكل بيئة خصبة لنشوب أزمة سياسية جديدة.
أنصار هواة.. وانتهازيون
إن الصدمة التي أحدثها انقلاب ولد عبد العزيز 2008 والمفاجأة التي أحدثها فوزه 2009 جعلت المناصرين لمشروعه عبارة عن خليط غير متجانس يتألف من:
1-أغلبية مما يمكن أن نسميه ـ بنوع من التجاوزـ "الطبقة الوسطى" يتشكل أساسا من متوسطي وصغار الموظفين والتجار والأطر الشابة والضباط الشباب ومجموعات من المثقفين الملتزمين ويجمع بين هؤلاء الاعتقاد بفشل السياسات السابقة، وإخفاق الطبقة السياسية التقليدية، وضرورة القيام بإصلاحات عاجلة تعيد إلى الدولة مصداقيتها وهيبتها.
غير أن هؤلاء تعوزهم التجربة والخبرة السياسية كما يفتقدون الإجماع على خطوط عريضة لمشروع التغيير أو بعبارة أخرى يفتقدون " إيديولوجيا ثورية " كما أشار إلى ذلك الكاتب محمد العربي ولد محمد الكوري في مقال سابق ـ مقابل توفر الخصوم على "إيديولوجيا للفساد" أو " إيديولوجيا لإفشال عسكرة النظام".
إن غياب "إيديولوجيا ثورية" لدى المشروع العزيزي قد يضعف تماسك أنصاره ويجعل بعضهم يتأثرون بتشكيكات الخصوم. لأنه يصعب إنجاز إصلاح دون مصلحين.
2-أغلبية ساحقة من الطبقة الفقيرة التي مازالت تعلق على مشروع ولد عبد العزيز آمالا كبرى لتحسين أوضاعها الهشة وللتخفيف من معاناتها المزمنة أو على الأقل لإيقاف تفاقم تلك الهشاشة والمعاناة. ويعزز آمال هؤلاء كل إجراء يتم اتخاذه في سبيل تأكيد هيبة الدولة ومحاربة الفساد وتكريس الشفافية حتى ولو لم ينعكس مباشرة في واقعهم اليومي غير أن قدرة هؤلاء على الصبر حتى يؤتي المشروع ثماره تظل محدودة ويخشى نفادها في ظل عدم فاعلية الجهاز الحكومي وبيروقراطيته. وقد عبر عن هذه الفئة الصحفي الكبير الحسين ولد مدو بحزب "المرجليين".
3- مجموعات من الطبقة السياسية التقليدية لم تعلن توبتها ـ ظاهرا على الأقل ـ عن ممارساتها السابقة ولكنها سارعت إلى تأييد مشروع ولد عبد العزيز أملا في الحصول على مكاسب معينة وامتيازات خاصة ولا يجد الواحد من هؤلاء حرجا في تبديل جلده ولسانه ليلعن الماضي ويمجد الحاضر ويسلق المعارضين بألسنة حداد.
غير أن التاريخ قد أثبت أن هذا النوع من الأنصار لا يمكن التعويل عليه لأنه يدور مع السلطة ويميل مع المال.
والواقع أن هذه المجموعات تعتبر من أخطر من يعتمد عليهم ولد عبد العزيز إذ أن أغلبهم ـ والحكم للظاهر ـ يشكل بطانة سوء تعمل على تقديم مشورات خاطئة ومضللة تسيء إلى المشروع أكثر مما تخدمه، كما أن الذين عينوا منهم في مناصب كبيرة يمثلون مصدرا للتشويش على صدقية المشروع العزيزي من طرف خصومه والتشكيك في مصداقيته لدى أنصاره من العامة.
إنجازات بحاجة للتأصيل.. والتوصيل
إن مرور ما يقارب عاما ونصفا من حكم ولد عبد العزيز عسكريا وديمقراطيا قد يسمح بالحديث عن أهم الإنجازات التي حققها مشروعه رغم أن الوقت ما يزال مبكر على تقويم هذا المشروع، لكن تلمس هذا الانجازات يهدف إلى البحث في مدى انسجامها مع مقاربة "الطوارئ" أو مقاربة "الخطة المحكمة".
ولعل أبرز هذه الإنجازات هي:
1- تطبيق سياسة صارمة لصيانة المال العام من الفساد والتبذير عبر مكافحة الفساد ومعاقبة بعض المفسدين وتغريمهم ما أفسدوه. وهذا الانجاز وإن كان استراتيجيا إلا أنه تم بطريقة أقرب إلى الأسلوب الاستعجالي الإرتجالي ولم يرافقه تأصيل قانوني وتوصيل إعلامي ومعالجة قضائية، مما فتح الباب أمام الخصوم لوصفة بالانتقائية والانتقامية، فحد ذلك من ألقه وتأثيره.
وعلى كل حال فقد أصبح من الصعب اختلاس المال العام وبدأ يسود شعور بالخوف منه يترجم نوعا من استعادة هيبة الدولة التي كادت تتلاشى في الماضي.
2-القيام بإجراءات نوعية لتدعيم الوحدة الوطنية وتضميد جراح الماضي من خلال إيجاد تسويات ودية لبعض ملفات الإرث الإنساني (العسكريون ضحايا أحداث 1989 ـ 1991)، ومتابعة الجهود السابقة في مجال إعادة اللاجئين والحد من الآثار السلبية لمخلفات الرق وتمثل هذه الإجراءات تحولا نوعيا في التعاطي مع هذه الملفات حيث أصبح التصدي لها بشجاعة وصراحة هو المنهج بدلا من إنكارها والعمل على إبقائها مطمورة في خانة المحظورات.
3- تطبيق سياسة صارمة لعقلنة نفقات الدولة وترشيدها وهو ما مكن من توفير مبالغ ضخمة ساعدت الدولة على تمويل بعض المشاريع التنموية، وعلى احتواء أزمة التمويلات التي نجمت عن العقوبات جراء الانقلاب لكن يظل نقص الشفافية وعدم التشاور مع الفاعلين مما يشوش على هذا الإنجاز.
ويوظف الخصوم هنا ما حصل من تعديل قانون ميزانية الدولة أكثر من مرة في السنة الماضية، وما يثار من تساؤلات حول مصير المبالغ التي تم اقتطاعها من بعض الميزانيات في إطار حملة عقلنة الموارد.
4-ترشيد استغلال المصادر البشرية عبر الإجازة الشخصية للإحصاء السابق لعمال الدولة لإيقاف عمل الأشخاص المتقاعدين والوهميين والمكررين والموتى من أجل خلق فرص جديدة للتوظيف، ولتوفير مبالغ معتبرة يمكن استخدامها لتحسين ظروف عمال الدولة.
لكن هذه الإنجاز شوشت عليه أمور منها عدم التشاور مع النقابات، وإسناد مهمة إقرار العلاوات إلى لجنة فنية تفكر بعقلية " الحرس القديم" فجاء مشروع المرسوم الذي صادقت عليه الحكومة مؤخرا مجحفا في حق السواد الأعظم من عمال الدولة الذين هم فقراء وحلفاء طبيعيون للمشروع العزيزي.
إن ردود الفعل الغاضبة التي أثارها قرار الحكومة الأخير بتعليق رواتب آلاف الموظفين الذين لم تتم إجازتهم في الإحصاء الأخير، وما شاب عملية وضع اللائحة من أخطاء فادحة، تعد مثالا واضحا على فساد الجهاز الإداري و الحاجة الملحة إلى تطهيره من العاجزين والمتآمرين وضخ طاقات جديدة من الشباب المخلصين في مختلف مفاصل الإدارة.
5- تحقيق إنجازات هامة في البني التحتية كالطرق والسدود والتجهيزات الصحية والمدرسية، غير أن الخصوم يرددون أن هذه الانجازات كانت مبرمجة وممولة في عهد الرئيس ولد الشيخ عبد الله فعرقل تنفيذها الانقلاب. وهنا يظهر مرة أخرى غياب التغطية الإعلامية الناجحة التي تستطيع توصيل الحقيقة إلى الرأي العام.
6- تفعيل وتيرة هيكلة الأحياء الهامشية في المدن الكبرى ويواجهها الخصوم بنفس الاعتراض السابق.
7- مراجعة السياسة الخارجية لجعلها في خدمة التنمية.
وفي هذا الإطار تم وضع حد للعلاقات مع الدولة الصهيونية وتم الإنفتاح على أقطاب جديدة (أمريكا اللاتينية وآسيا غير العربية: تركيا إيران الهند..).
وهذه السياسة الخارجية لا تخلو من جرأة تعبر لدى الأنصار عن ممارسة حقيقة للسيادة ولدى الخصوم عن مغامرة غير محسوبة النتائج ولكنها تبدوا لنا إيجابية إذا تمت تقوية الجبهة الداخلية.
8- انتهاج سياسة الحوار والتشاور في بعض الملفات الهامة (السلفيين، قطاع النقل..) لكن هذا الحوار كان ينبغي أن يسبقه حوار مع المعارضة وفاء لبنود اتفاق دكار واستجابة لدعوات الشركاء في التنمية ولاسيما الإتحاد الأوربي وسيفضي هذا الحوار المنشود إذا تم بنجاح إلى تأسيس أرضية مشتركة توفر مناخا من الثقة سيسمح بنجاح كل حوار أو تشاور حول جميع الملفات الوطنية، غير أنه يظهر أن هناك جهات من الحرس القديم تعمل باستماتة على الإنفراد بالنظام وترفض أي حوار مع المعارضة ولا تألوا جهدا في العمل على " شيطنة المعارضة" وتحذير النظام من " مؤامراتها" و "ومخططاتها الخبيثة".
أخطاء ..بعضها استراتيجي
إن أي عمل بشري معرض للوقوع في الخطأ ولاسيما إن كان عملا سياسيا يتم في بيئة ملتبسة ومعقدة. وقد يكون للخطأ دور إيجابي في توجيه المسيرة وترشيدها عند ما تم الاعتراف به وتصحيحه.
وإذا كان المعارضون للمشروع العزيزي يعتبرنه "سلسلة من الأخطاء والمغامرات"، فإن المخلصين من أنصاره يفتخرون بإنجازاته ولكنهم ـ إشفاقا عليه ـ يلاحظون بعض الأخطاء التي بدأت تتولى معكرة صفو المسيرة ومهددة بإفشالها والعودة بالبلد إلى مربع الأزمات والاحتقانات.
وإذا كان البعض من بطانة السوء المحيطين بالرئيس ولد عبد العزيز يغرقون سمعه بالإطراء ويعملون على حجب الحقائق والمشاكل ومنع وصول شكاوى وتظلمات أنصار مشروعه إليه، فإن أمثلة حية وقعت في الأشهر الأخيرة تدل على حسن نية الرئيس وشجاعته في التراجع عن بعض الأخطاء التي تعرض لمسيرة المشروع ومن هذه الأخطاء التي تم تصحيحها:
أ- قضية "لغريكة" تلك المنطقة غير الملائمة للسكن التي رحلت إليها بعض الأسر من الحي الساكن وبعد تعالى صيحات وشكاوي هؤلاء تم تصحيح الخطأ ورحلوا إلى منطقة ملائمة في حي" الإتحادية" وعوقب المسؤولون عن المشكلة.
ب-قضية ديون القرض الزراعي: حيث وضع في البداية حل يحابي رجال الأعمال على حساب المزارعين الصغار وبعد تظلم هؤلاء وضع حل يراعي ظروفهم.
إن ثمة أخطاء وقع فيها المشروع العزيزي ينبغي تصحيحها حتى لا تتفاقم الأمور وأبرز هذه الأخطاء.
1-قضية الصحفيين "حنفي " و"عبد الفتاح"
دون أن ندخل في تفاصيل هاتين القضيتين فإنه لا يمكن لأحد أن يتجاهل مال "السلطة الرابعة" من دور محوري في مكافحة الفساد وكشف فضائح المفسدين، وإذا كانت حرية الصحافة قد تدفع البعض من أصحابها إلى ارتكاب تجاوزات في حق بعض المواطنين، فإنه من الأكيد أن المصلحة في وجود صحافة حرة وجريئة تنتقد الواقع وتكشف أخطاء كل من النظام والمعارضة أكبر بكثير من المصلحة في معاقبة هذا الصحفي أو ذلك على ما يدعي أنه ضرر تم إلحاقه بفلان أو فلان.
إن معاقبة الصحفيين الجريئين في هذه المرحلة تبعث برسالة خطيرة مؤداها أن الأقلام الجريئة والشجاعة سيطالها العقاب إن هي تطاولت على "المتنفذين". وما أكبرها من هدية تقدم إلى المفسدين حينما يتم إضعاف خصمهم الأبدي (الصحافة الجريئة).
إن صحافة حرة جريئة لهي أكبر حليف استراتيجي لأي مشروع إصلاحي وإن من مصلحة أعداء المشروع أن يوقعوا بين قيادته والصحافة الجريئة ليتخلصوا منهما معا.
2- قضية تدخل السلطة التنفيذية في القضاء.
تابع المهتمون في الفترة الأخيرة سجالات حادة بين النيابة العامة من جهة ونقيب المحامين ولفيف الدفاع عن الصحفي حنفي من جهة أخرى.
وقد تبادل الطرفان تهما خطيرة حول صحة فهم كل منهما للنصوص القانونية وحول قانونية مطالب كل منهما. ولكن إذا تجاوزنا تلك المماحكات ـ التي لا يخرج المتلقي منها بأمر ذي بال سوى أن قطاع العدالة يعاني أزمة كبرى ـ فإن قرار إعادة محاكمة صحفي انتهت محكوميته وأمضى فترة بعد ذلك في حبس احتياطي والحكم عليه بعقوبة تزيد على ضعف العقوبة السابقة، وقرار تغريم صحفي آخر صدر في السابق بحقه عفو رئاسي، كلها أمور تبعث على الشك في استقلالية الجهاز القضائي.
إن المعهود أن تكون إعادة المحاكمة في القضايا الجنائية من أجل إعطاء المتهم فرصة جديدة إذا ظهرت أدلة قد تكون في صالحه أما أن يكون الهدف من إعادة المحاكمة هو التشديد على المتهم ومضاعفة عقوبته فهو أمر بعث على التساؤل والقلق.
لاشك أن وجود قضاء مستقل وذي مصداقية هو أكبر ضمان لنجاح أي مشروع تنموي إذ يؤدي إلى شيوع الطمأنينة في نفوس المواطنين والأجانب وخاصة المستثمرين الذين تتنافس الدول على اجتذابهم. أما إذا أشيع ـ حقا أو باطلا ـ أن قضاء دولة ما غير مستقل، فإن ذلك سيكون خسارة كبرى للوطن وعائقا أمام أي تنمية.
3-قضية مرسوم علاوات النقل لعمال الدولة: جاء هذا المرسوم بعد انتظار طويل ووعد من "رئيس الفقراء" في خطاب الاستقلال بعلاوات معتبرة، وبعد اجتماعات ماراتونية للحكومة، لكنه كان مخيبا لآمال السواد الأعظم من موظفي ووكلاء الدولة، إذ أنه حابى قلة من أصحاب المناصب السامية على حساب الأغلبية الساحقة من عمال الدولة المحدودي الدخل.
والمفارقة أنه لم يتم التشاور بشأن هذا المرسوم مع النقابات، كما أن علاوة السكن أصبح يلفها الغموض وينظر إليها في أوساط الطبقة العاملة بكثير من القلق.
فهل هذا الإقرار غير الموفق لعلاوات النقل عائد إلى تأثير" النواة الصلبة للحرس القديم" من حاشية الرئيس التي تريد معاقبة النقابات على موقفها الرافض للانقلاب خلال الفترة الانتقالية الأخيرة، على الرغم من أن هذه النقابات سارعت فور صدور نتائج الانتخابات إلى فك الارتباط مع شركائها السياسيين لتتفرغ للعمل النقابي الصرف؟ هل نحن أمام شكل آخر من السعي إلى الوقيعة بين " رئيس الفقراء" وحلفائه الطبيعيين؟
إن التطورات الأخيرة على الساحة العمالية والتي وصلت إلى إيداع إخطار بالإضراب في منتصف شهر مارس المقبل تدل على أنه بات من اللازم إجراء مراجعة "استعجالية" للعلاقة بين المشروع العزيزي والطبقة العمالية.
ثغرات .. آن أن تسد
لقد كان ولد عبد العزيز موفقا تماما حينما لخص مشاكل البلد في كلمة واحدة هي (الفساد) والواقع أن هذه النظرة تحظى بإجماع كل المشتغلين في مجال الشأن العام بمختلف أطيافهم ومراجعة سريعة لبرامج الأحزاب والمترشحين للإستحقاقات الانتخابية الماضية تكشف هذا الإجماع اللفظي على الأقل.
وكل يدعي وصلا لليلي ** وليلي لا تقر لهم بذاكا
وإذا كانت تعريفات الفساد قد تعددت ـ مع تنامي الاهتمام بالظاهرة على المستوى الدولي ـ فإنه يمكن الاستغناء عن كل تلك التعريفات الأكاديمية والأخذ بتعريف في غاية البساطة والإيجاز هو أن الفساد " كل مخالفة للقانون"، ذلك أنه ما من واقعة أو سلوك في الحياة المدنية الحديثة إلا وثمة قاعدة قانونية ما تحكمه ولا يكون الفساد إلا عندما يتم خرق هذه القاعدة الملزمة والمجردة، وقديما قيل: «لو أنصف الناس لا ستراح القاضي».
إن أي محاولة في النقد البناء لمشروع " التغيير البناء" لا يمكن إلا أن تكشف عن بعض الثغرات أو النواقص التي يلزم سدها وتكميلها. ولعل من أبرز هذه الثغرات:
1-عدم تطبيق الفصل الصارم بين الوظائف السياسية والوظائف الإدارية
على الرغم من أن برنامج الرئيس ولد عبد العزيز قد نص على هذا الفصل بصورة صريحة لا تقبل التأويل في إطار حديثه عن إصلاح الإدارة، فإنه لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن رغم أن ما يعبر عنه هذا الفصل من " عدم تسييس الإدارة" أمر استعجالي لا يقبل الإبطاء.
ذلك أنه إذا كانت الوظائف السياسية خاضعة للسلطة التقديرية للرئيس الذي عليه أن يعتمد في التعيين فيها معايير الكفاءة والولاء والتمثيلية والتوازن، فإن الوظائف الإدارية ولاسيما الفنية منها ينبغي أن تعتمد على الكفاءة والنزاهة والوطنية وأن لا يطغي عليها تأثير الإنتماءات السياسية أو الثقافية أو الفكرية، كما يبغي أن توضع نصوص قانونية تحدد طرق التعيين في هذه الوظائف.
إن الفصل بين هذين النوعين من الوظائف كفيل بأن يبدد مخاوف المعارضة من الإقصاء، كما أنه سيمنح الموظفين في المناصب الفنية شعورا بالاطمئنان يسمح لهم بحسن أداء مسؤولياتهم دون أن يكون إرضاء مزاج ساكني القصر الرمادي وبطانته همهم الأول. وأيضا فإن هذا الفصل سيجعل من العمل السياسي نشاطا خاصا لا يعتبر هو المنفذ الوحيد للحصول على التعيين في وظيفة بالدولة. وبدون هذا الفصل سيظل " حزب الدولة" بالمفهوم الشمولي والاقصائي واقعا لا يمكن تغيره.
ومن المفارقة أن الأيام التشاورية للأغلبية التي عقدت مؤخرا حول موضوع الحكامة تجاهلت تماما موضوع "الحكامة الإدارية" وتحدثت عن الحكامة السياسية، والحكامة الإقتصادية، والحكامة القضائية.
هل الأمر يعود أيضا إلى حرص خصوم الإنصاف والشفافية في أحزاب الأغلبية على الالتفاف على هذا البند الثوري من بنود المشروع العزيزي؟
2-غياب آلية للتظلم والشكوى من تجاوزات السلطات ضد المواطنين
إن أفضل طريقة لضمان حسن تطبيق القانون ـ وبالتالي مكافحة الفساد ـ هي توفير آلية تسمح للمتضرر من أي ممارسة من ممارسات الفساد الكثيرة أن يتظلم لدى جهة مختصة وفعالة ويكشف الظلم الذي وقع عليه دون أن يكون معرضا للعقوبة والتهديد.
إن وجود" هيئة للمظالم" يجعل المفسدين ـ بالقوة أو بالفعل ـ يفكرون كثيرا قبل ممارسة الفساد لأنهم يعلمون أن الضحايا سيخترقون جدار الصمت ويرفعون شكاويهم إلى تلك الهيئة.
إن انتشار ثقافة " الإفلات من العقوبة " هو أكبر داعم لقوي الفساد وإن خلق هيئة للمظالم لما يكرس ثقافة الإنصاف والمسؤولية والمواطنة.
إن المواطنة الحقيقية تقوم على فكرة الطاعة الواعية للقانون الذي يعبر عن الإرادة الكلية للأمة ولا تقوم على الخضوع المستعبد لأوضاع غير قانونية يفرضها بعض الأشخاص بأمزجتهم ووسائل الإكراه لديهم.
لقد تداولت الصحافة إبان تشكيل الحكومة الأولى بعد فوز ولد عبد العزيز أنباء عن عزمه تشكيل ديوان للمظالم، بل قيل حينذاك إن إعداد النصوص المنظمة لهذا الديوان هو ما يؤجل إعلان الحكومة الأولى! لكن ما لبث الأمر أن اختفى فجأة، فلماذا؟
3- غياب هيئة وطنية لتزكية المرشحين للتعيين في الوظائف السامية للدولة
إن انتشار الفساد ولواحقه في الحقب الماضية من تاريخ الدولة قد أدى إلى سيادة قدر كبير من انعدام الثقة " لدى غالبية الشعب في النخبة الوطنية ومعلوم أن ذلك يؤثر سلبا على نجاح المشروع التنموي الذي يعبر المواطن محور ارتكازه.
ومن أجل استعادة ثقة المواطن في النخبة الوطنية ينبغي القيام بإحراء لتعزيز هذه الثقة وذلك عن طريق خلق هيئة وطنية مستقلة لتزكية المرشحين لتعين في المناصب السامية ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى انتهاج أساليب الأحكام المسبقة والإقصاء والإنتقام، بل يعني دراسة الماضي المهني للمرشحين للتمييز بين من هم صالحون للتعيين إما لنقاء ماضيهم من الشبهات، أو لظهور "توبتهم" من الشبهات المنسوبة إليهم، وبين منهم ليسوا كذلك.
وقد صدرت في الماضي عدة دعوات لتشكيل هيئة من هذا القبيل
4- ضعف الأداء ونقص المهنية لدى الإعلام الرسمي
لقد عملت عقود الفساد الماضية على رسم صورة سيئة عن الإعلام الرسمي في أذهان المواطنين مما جعلهم ينصرفون عنه ويفقدون الثقة في برامجه. ورغم التحسن الملحوظ في أداء هذا الإعلام إلا أن مظاهر سلبية ما تزال سائدة في القطاع منها إصرار أصحابه على استعمال لغة خشبية وأساليب بائدة تقوم على تمجيد القيادة وإقصاء الرأي الآخر وتزييف الوقائع. وهذا ما يتطلب القيام بإصلاح عاجل للقطاع يشمل السياسات والأشخاص والأساليب.
إن أي مشروع إصلاحي بحاجة إلى إعلام صالح وفعال ومهني.
5- عدم احترام الحد الأدنى من استقلالية أعضاء البرلمان وخاصة من الأغلبية
لقد أصبح من المألوف لدى الرأي العام أن دور نواب الأغلبية يكاد ينحصر في الموافقة التلقائية على مقترحات الحكومة والدفاع المستميت عنها والرد بعنف على انتقادات نواب المعارضة والتأكيد على سوء مقاصدها والتشكيك في وطنيتها وقد أدى هذا السلوك إلى إضعاف أداء البرلمان وتعزيز مخاوف شرائح واسعة من المواطنين من تحول هذه السلطة الدستورية إلى ما كانت عليه في السابق من دور "غرفة التسجيل".
إنه من المفهوم أن يدافع النواب عن الخطوط العريضة لسياسة الحكومة التي سبق أن منحوها ثقتهم، ولكن ليس من المقبول أن لا يعطوا لأنفسهم الحق في تقويم مقترحات الحكومة التفصيلية لترشيدها وجعلها أكثر وفاء للسياسة العامة. ولابد للنائب من أن يعتقد أنه يمثل الشعب والمصلحة العامة أولا قبل أن يكون شريكا أو خصما لهذه الحكومة أو تلك.
تلك أفكار ومقترحات استعرضناها بنوع من التفصيل توقيا سوء بعض التأويلات وذلك قياما بواجب النصيحة وأملا في أن تمثل مساهمة في النقد البناء لمشروع نعد أنفسنا من أنصاره المخلصين المشفقين اللذين يعلقون على نجاحه أملا كبيرا لإعادة بناء البلد على أسس صلبة وقويمة.
وإذا تم ذلك فسيصبح الرئيس محمد ولد عبد العزيز ـ في اعتقادنا ـ المؤسس الثاني للدولة الموريتانية بعد الرائد والمؤسس الأول المرحوم المختار ولد داداه
« ولله الأمر من قبل ومن بعد» وهو ولي التوفيق
منذ صعود السيد محمد ولد عبد العزيز إلى واجهة المجال السياسي في موريتانيا أثر انقلاب 2005 والجدل محتدم حول تنامي حضوره في المشهد السياسي بين مؤيد متحمس ومعارض ناقم ومتحفظ حائر يقول لسان حاله:« تعرف منه وتنكر».
وكاتب هذا المقال ـ الذي يعد نفسه من أنصار المشروع الاجتماعي للسيد ولد عبد العزيز ـ يسعى هنا إلى المساهمة في ترشيد هذا المشروع من خلال استكشاف مكانته في المشهد السياسي، وتحديد أهم انجازاته حتى الآن، وتشخيص بعض الأخطاء والثغرات التي لا تزال تحول دون اكتمال نجاحه.
مفاجأة 18 يوليو
شكل فوز ولد عبد العزيز في الشوط الأول من انتخاب 18 يوليو مفاجأة من العيار الثقيل أربكت المحللين والعامة على السواء. وإذا كان أغلب المعارضين للرجل قد شككوا في نتائج الانتخابات ورفضوا في البداية الاعتراف بها بل ذهب بعضهم إلى القول بوجود "حيلة كيميائية" كانت وراء النتائج، فإن كثيرا من المراقبين قد استوعبوا المفاجأة معتبرين أنها تتويج لجهود سياسية ودعائية ضخمة ما فتئ ولد عبد العزيز يضاعفها منذ اعتلائه سدة الحكم بعد انقلاب أو تصحيح 6 أغسطس 2008، وقد نجحت هذه الجهود -حسب هؤلاء المراقين - في جذب أصوات " الأغلبية الصامتة" من الشعب الموريتاني التي سئمت وعود النخب السياسية وتجرعت باستمرار خيبات أمل عديدة فأصبحت تتوق لنمط جديد من الحكم لا يخلو من إثارة ومفاجأة وجرأة قد يتوفر عليها أصحاب النياشين والخوذات أكثر مما يتحلى بها ساسة مخضرمون ومنهكون.
إن الأمر في نظر هؤلاء جد بسيط، فمن الناحية الحسابية يشكل الفقراء والمهمشون والمحبطون أغلبية ساحقة من الشعب وهم ينجذبون إلى الدعايات الشعبوية ذات الآثار الملموسة و"الإجراءات الاستعجالية" وينفرون ـ بطبعهم ـ من الوعود والتنظيرات وكأنهم يرددون مع اللورد كينز: " على المدى البعيد نكون قدمتنا جميعا".
ومن هنا جاء لقب " رئيس الفقراء" الذي اختاره ولد عبد العزيز لحملته وما رافقه من شعارات مكافحة الفساد ليفعل مفعوله السحري فكانت المفاجأة.
ولكن ما ذا بعد النجاح والحصول على الشرعية؟ هل يملك الرجل مشروعا اجتماعيا لإعادة بناء البلاد وانجاز تنميتها المنشودة له تكتيكاته و خططه الإستراتيجية ورؤيته السياسية والفكرية؟ أم أن الأمر لا يتعدى حزما من الإجراءات الاستعجالية وقرارات " الطوارئ" لا تنظمها خطة تنموية محكمة أو إطار استراتيجي؟
سؤال محوري ما يزال في الساحة انقسام حاد حول الإجابة عليه.
وتنطلق هذه المحاولة من افتراض الشق الأول من هذا السؤال.
خصوم محترفون ومتربصون
إن المتابع للساحة الوطنية يستطيع دونما صعوبة تذكر أن يعرف خصوم مشروع ولد عبد العزيز داخليا وخارجيا. أما داخليا، فإن أغلب خصومه ما فتئ يعلن معاداته لهذا المشروع ويعبئ جهوده لعرقلته وإفشاله على أن قلة منهم ما تزال مندسة في نظام الرجل مشكلة طابورا خامسا لا يألوا جهدا في التشويش على المشروع عبر الاستشارات الخائنة والوشايات والمغالطات.
وأما على المستوى الخارجي، فإن ثمة قوى دولية ترى في مشروع ولد عبد العزيز تهديدا مباشرا لمصالحها في البلد والمنطقة وستكون مستعدة لاستغلال أي فرصة لإضعاف هذا المشروع أو إسقاطه. ويمكن اعتبار إسرائيل في المقام الأول وفرنسا ودول ما يسمى بمحور الاعتدال العربي في المقام الثاني من المرشحين لأن يكونوا الخصوم الخارجين للمشروع.
ويمكن القول إجمالا إن أبرز الخصوم الداخليين هم:
1-أغلبية الطبقة السياسية التقليدية ممن يوصفون ـ في نظرة الرأي العام ـ ب "المفسدين وأكلة المال العام" الذين كانوا يظنون أنهم قد ضمنوا أن يستمر اختطافهم للبلد ليظل دولة بينهم ينهبون أمواله ويورثون مناصبه لأبنائهم وأتباعهم ومريديهم مكرسين ثقافتهم اللاخلاقية القائمة على الزبونية والمحاباة والانتهازية، فهذه الطبقة وجه إليها المشروع ضربات قاضية عبر إجراءاته الجريئة المتعلقة بمكافحة الفساد والإطاحة ببعض رؤوسه والسعي إلى إضفاء الأخلاق على الحياة العامة. وهي فئة تمتلئ صدورها غيظا على نظام ولد عبد العزيز وتتربص به الدوائر وتتألف أساسا من غالبية شيوخ القبائل وقدماء الإداريين وبعض رجال الأعمال وقدماء الضباط ويرتبط بهؤلاء جيش من المرتزقة والأتباع والطفيليين.
2-أغلب قادة وأنصار المعارضة التقليدية الذين ذاقوا الأمرين تحت الأحكام العسكرية الشمولية السابقة ولذا يتهمون المشروع العزيزي بأنه استبدادي وشمولي كما أن بعض هؤلاء كان يظن أن دوره قد حان ليتسلم السلطة فجاء هذا النظام واختطفها دونه.
ويبرر بعض هؤلاء مخاوفهم من المشروع بما يلاحظونه من اعتماده على أفراد من الطبقة الحاكمة السابقة، وبما يرونه من استقطاب الحزب الحاكم لمناضلين منسحبين من أحزاب المعارضة وهي (شنشنة يعرفونها من أخزم).
ولعل غياب الفصل بين المناصب السياسية والمنصب الإدارية ـ وهو ما يسمح بولوج الأطر الأكفاء من المعارضة والموالاة إلى المناصب الإدارية دون تمييز على أساس الإنتماء السياسي ـ هو أكثر ما يعزز مخاوف هؤلاء من كون المشروع العزيزي مشروعا إقصائيا لا مكان فيه لمن لا يدور في فلك " حزب الدولة".
3-مجموعات من المثقفين والأكاديميين ونشطاء المجتمع المدني لديهم نفور متأصل إن لم نقل " عقدة" من تدخل العسكر في السياسة ويعتبرون أن هذا التدخل يشكل خطرا كبيرا على الحريات العامة بما فيها حرية التعبير وحرية التجمع. ولا يعدم هؤلاء بعض الأخطاء التي يبررون بها مخاوفهم مثل سجن بعض الصحفيين وتغريمهم، وتسخير الإعلام العمومي للحزب الحاكم، وما يبدو من تدخل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء.
إن هؤلاء الخصوم المتعددون في دوافعهم يمتازون بالمهارة والخبرة ويستطيعون ـ إن لم ينجح المشروع العزيزي في احتوائهم أو تحييدهم ـ أن يعملوا على خلق جو من الاحتقان والتوتر قد يشكل بيئة خصبة لنشوب أزمة سياسية جديدة.
أنصار هواة.. وانتهازيون
إن الصدمة التي أحدثها انقلاب ولد عبد العزيز 2008 والمفاجأة التي أحدثها فوزه 2009 جعلت المناصرين لمشروعه عبارة عن خليط غير متجانس يتألف من:
1-أغلبية مما يمكن أن نسميه ـ بنوع من التجاوزـ "الطبقة الوسطى" يتشكل أساسا من متوسطي وصغار الموظفين والتجار والأطر الشابة والضباط الشباب ومجموعات من المثقفين الملتزمين ويجمع بين هؤلاء الاعتقاد بفشل السياسات السابقة، وإخفاق الطبقة السياسية التقليدية، وضرورة القيام بإصلاحات عاجلة تعيد إلى الدولة مصداقيتها وهيبتها.
غير أن هؤلاء تعوزهم التجربة والخبرة السياسية كما يفتقدون الإجماع على خطوط عريضة لمشروع التغيير أو بعبارة أخرى يفتقدون " إيديولوجيا ثورية " كما أشار إلى ذلك الكاتب محمد العربي ولد محمد الكوري في مقال سابق ـ مقابل توفر الخصوم على "إيديولوجيا للفساد" أو " إيديولوجيا لإفشال عسكرة النظام".
إن غياب "إيديولوجيا ثورية" لدى المشروع العزيزي قد يضعف تماسك أنصاره ويجعل بعضهم يتأثرون بتشكيكات الخصوم. لأنه يصعب إنجاز إصلاح دون مصلحين.
2-أغلبية ساحقة من الطبقة الفقيرة التي مازالت تعلق على مشروع ولد عبد العزيز آمالا كبرى لتحسين أوضاعها الهشة وللتخفيف من معاناتها المزمنة أو على الأقل لإيقاف تفاقم تلك الهشاشة والمعاناة. ويعزز آمال هؤلاء كل إجراء يتم اتخاذه في سبيل تأكيد هيبة الدولة ومحاربة الفساد وتكريس الشفافية حتى ولو لم ينعكس مباشرة في واقعهم اليومي غير أن قدرة هؤلاء على الصبر حتى يؤتي المشروع ثماره تظل محدودة ويخشى نفادها في ظل عدم فاعلية الجهاز الحكومي وبيروقراطيته. وقد عبر عن هذه الفئة الصحفي الكبير الحسين ولد مدو بحزب "المرجليين".
3- مجموعات من الطبقة السياسية التقليدية لم تعلن توبتها ـ ظاهرا على الأقل ـ عن ممارساتها السابقة ولكنها سارعت إلى تأييد مشروع ولد عبد العزيز أملا في الحصول على مكاسب معينة وامتيازات خاصة ولا يجد الواحد من هؤلاء حرجا في تبديل جلده ولسانه ليلعن الماضي ويمجد الحاضر ويسلق المعارضين بألسنة حداد.
غير أن التاريخ قد أثبت أن هذا النوع من الأنصار لا يمكن التعويل عليه لأنه يدور مع السلطة ويميل مع المال.
والواقع أن هذه المجموعات تعتبر من أخطر من يعتمد عليهم ولد عبد العزيز إذ أن أغلبهم ـ والحكم للظاهر ـ يشكل بطانة سوء تعمل على تقديم مشورات خاطئة ومضللة تسيء إلى المشروع أكثر مما تخدمه، كما أن الذين عينوا منهم في مناصب كبيرة يمثلون مصدرا للتشويش على صدقية المشروع العزيزي من طرف خصومه والتشكيك في مصداقيته لدى أنصاره من العامة.
إنجازات بحاجة للتأصيل.. والتوصيل
إن مرور ما يقارب عاما ونصفا من حكم ولد عبد العزيز عسكريا وديمقراطيا قد يسمح بالحديث عن أهم الإنجازات التي حققها مشروعه رغم أن الوقت ما يزال مبكر على تقويم هذا المشروع، لكن تلمس هذا الانجازات يهدف إلى البحث في مدى انسجامها مع مقاربة "الطوارئ" أو مقاربة "الخطة المحكمة".
ولعل أبرز هذه الإنجازات هي:
1- تطبيق سياسة صارمة لصيانة المال العام من الفساد والتبذير عبر مكافحة الفساد ومعاقبة بعض المفسدين وتغريمهم ما أفسدوه. وهذا الانجاز وإن كان استراتيجيا إلا أنه تم بطريقة أقرب إلى الأسلوب الاستعجالي الإرتجالي ولم يرافقه تأصيل قانوني وتوصيل إعلامي ومعالجة قضائية، مما فتح الباب أمام الخصوم لوصفة بالانتقائية والانتقامية، فحد ذلك من ألقه وتأثيره.
وعلى كل حال فقد أصبح من الصعب اختلاس المال العام وبدأ يسود شعور بالخوف منه يترجم نوعا من استعادة هيبة الدولة التي كادت تتلاشى في الماضي.
2-القيام بإجراءات نوعية لتدعيم الوحدة الوطنية وتضميد جراح الماضي من خلال إيجاد تسويات ودية لبعض ملفات الإرث الإنساني (العسكريون ضحايا أحداث 1989 ـ 1991)، ومتابعة الجهود السابقة في مجال إعادة اللاجئين والحد من الآثار السلبية لمخلفات الرق وتمثل هذه الإجراءات تحولا نوعيا في التعاطي مع هذه الملفات حيث أصبح التصدي لها بشجاعة وصراحة هو المنهج بدلا من إنكارها والعمل على إبقائها مطمورة في خانة المحظورات.
3- تطبيق سياسة صارمة لعقلنة نفقات الدولة وترشيدها وهو ما مكن من توفير مبالغ ضخمة ساعدت الدولة على تمويل بعض المشاريع التنموية، وعلى احتواء أزمة التمويلات التي نجمت عن العقوبات جراء الانقلاب لكن يظل نقص الشفافية وعدم التشاور مع الفاعلين مما يشوش على هذا الإنجاز.
ويوظف الخصوم هنا ما حصل من تعديل قانون ميزانية الدولة أكثر من مرة في السنة الماضية، وما يثار من تساؤلات حول مصير المبالغ التي تم اقتطاعها من بعض الميزانيات في إطار حملة عقلنة الموارد.
4-ترشيد استغلال المصادر البشرية عبر الإجازة الشخصية للإحصاء السابق لعمال الدولة لإيقاف عمل الأشخاص المتقاعدين والوهميين والمكررين والموتى من أجل خلق فرص جديدة للتوظيف، ولتوفير مبالغ معتبرة يمكن استخدامها لتحسين ظروف عمال الدولة.
لكن هذه الإنجاز شوشت عليه أمور منها عدم التشاور مع النقابات، وإسناد مهمة إقرار العلاوات إلى لجنة فنية تفكر بعقلية " الحرس القديم" فجاء مشروع المرسوم الذي صادقت عليه الحكومة مؤخرا مجحفا في حق السواد الأعظم من عمال الدولة الذين هم فقراء وحلفاء طبيعيون للمشروع العزيزي.
إن ردود الفعل الغاضبة التي أثارها قرار الحكومة الأخير بتعليق رواتب آلاف الموظفين الذين لم تتم إجازتهم في الإحصاء الأخير، وما شاب عملية وضع اللائحة من أخطاء فادحة، تعد مثالا واضحا على فساد الجهاز الإداري و الحاجة الملحة إلى تطهيره من العاجزين والمتآمرين وضخ طاقات جديدة من الشباب المخلصين في مختلف مفاصل الإدارة.
5- تحقيق إنجازات هامة في البني التحتية كالطرق والسدود والتجهيزات الصحية والمدرسية، غير أن الخصوم يرددون أن هذه الانجازات كانت مبرمجة وممولة في عهد الرئيس ولد الشيخ عبد الله فعرقل تنفيذها الانقلاب. وهنا يظهر مرة أخرى غياب التغطية الإعلامية الناجحة التي تستطيع توصيل الحقيقة إلى الرأي العام.
6- تفعيل وتيرة هيكلة الأحياء الهامشية في المدن الكبرى ويواجهها الخصوم بنفس الاعتراض السابق.
7- مراجعة السياسة الخارجية لجعلها في خدمة التنمية.
وفي هذا الإطار تم وضع حد للعلاقات مع الدولة الصهيونية وتم الإنفتاح على أقطاب جديدة (أمريكا اللاتينية وآسيا غير العربية: تركيا إيران الهند..).
وهذه السياسة الخارجية لا تخلو من جرأة تعبر لدى الأنصار عن ممارسة حقيقة للسيادة ولدى الخصوم عن مغامرة غير محسوبة النتائج ولكنها تبدوا لنا إيجابية إذا تمت تقوية الجبهة الداخلية.
8- انتهاج سياسة الحوار والتشاور في بعض الملفات الهامة (السلفيين، قطاع النقل..) لكن هذا الحوار كان ينبغي أن يسبقه حوار مع المعارضة وفاء لبنود اتفاق دكار واستجابة لدعوات الشركاء في التنمية ولاسيما الإتحاد الأوربي وسيفضي هذا الحوار المنشود إذا تم بنجاح إلى تأسيس أرضية مشتركة توفر مناخا من الثقة سيسمح بنجاح كل حوار أو تشاور حول جميع الملفات الوطنية، غير أنه يظهر أن هناك جهات من الحرس القديم تعمل باستماتة على الإنفراد بالنظام وترفض أي حوار مع المعارضة ولا تألوا جهدا في العمل على " شيطنة المعارضة" وتحذير النظام من " مؤامراتها" و "ومخططاتها الخبيثة".
أخطاء ..بعضها استراتيجي
إن أي عمل بشري معرض للوقوع في الخطأ ولاسيما إن كان عملا سياسيا يتم في بيئة ملتبسة ومعقدة. وقد يكون للخطأ دور إيجابي في توجيه المسيرة وترشيدها عند ما تم الاعتراف به وتصحيحه.
وإذا كان المعارضون للمشروع العزيزي يعتبرنه "سلسلة من الأخطاء والمغامرات"، فإن المخلصين من أنصاره يفتخرون بإنجازاته ولكنهم ـ إشفاقا عليه ـ يلاحظون بعض الأخطاء التي بدأت تتولى معكرة صفو المسيرة ومهددة بإفشالها والعودة بالبلد إلى مربع الأزمات والاحتقانات.
وإذا كان البعض من بطانة السوء المحيطين بالرئيس ولد عبد العزيز يغرقون سمعه بالإطراء ويعملون على حجب الحقائق والمشاكل ومنع وصول شكاوى وتظلمات أنصار مشروعه إليه، فإن أمثلة حية وقعت في الأشهر الأخيرة تدل على حسن نية الرئيس وشجاعته في التراجع عن بعض الأخطاء التي تعرض لمسيرة المشروع ومن هذه الأخطاء التي تم تصحيحها:
أ- قضية "لغريكة" تلك المنطقة غير الملائمة للسكن التي رحلت إليها بعض الأسر من الحي الساكن وبعد تعالى صيحات وشكاوي هؤلاء تم تصحيح الخطأ ورحلوا إلى منطقة ملائمة في حي" الإتحادية" وعوقب المسؤولون عن المشكلة.
ب-قضية ديون القرض الزراعي: حيث وضع في البداية حل يحابي رجال الأعمال على حساب المزارعين الصغار وبعد تظلم هؤلاء وضع حل يراعي ظروفهم.
إن ثمة أخطاء وقع فيها المشروع العزيزي ينبغي تصحيحها حتى لا تتفاقم الأمور وأبرز هذه الأخطاء.
1-قضية الصحفيين "حنفي " و"عبد الفتاح"
دون أن ندخل في تفاصيل هاتين القضيتين فإنه لا يمكن لأحد أن يتجاهل مال "السلطة الرابعة" من دور محوري في مكافحة الفساد وكشف فضائح المفسدين، وإذا كانت حرية الصحافة قد تدفع البعض من أصحابها إلى ارتكاب تجاوزات في حق بعض المواطنين، فإنه من الأكيد أن المصلحة في وجود صحافة حرة وجريئة تنتقد الواقع وتكشف أخطاء كل من النظام والمعارضة أكبر بكثير من المصلحة في معاقبة هذا الصحفي أو ذلك على ما يدعي أنه ضرر تم إلحاقه بفلان أو فلان.
إن معاقبة الصحفيين الجريئين في هذه المرحلة تبعث برسالة خطيرة مؤداها أن الأقلام الجريئة والشجاعة سيطالها العقاب إن هي تطاولت على "المتنفذين". وما أكبرها من هدية تقدم إلى المفسدين حينما يتم إضعاف خصمهم الأبدي (الصحافة الجريئة).
إن صحافة حرة جريئة لهي أكبر حليف استراتيجي لأي مشروع إصلاحي وإن من مصلحة أعداء المشروع أن يوقعوا بين قيادته والصحافة الجريئة ليتخلصوا منهما معا.
2- قضية تدخل السلطة التنفيذية في القضاء.
تابع المهتمون في الفترة الأخيرة سجالات حادة بين النيابة العامة من جهة ونقيب المحامين ولفيف الدفاع عن الصحفي حنفي من جهة أخرى.
وقد تبادل الطرفان تهما خطيرة حول صحة فهم كل منهما للنصوص القانونية وحول قانونية مطالب كل منهما. ولكن إذا تجاوزنا تلك المماحكات ـ التي لا يخرج المتلقي منها بأمر ذي بال سوى أن قطاع العدالة يعاني أزمة كبرى ـ فإن قرار إعادة محاكمة صحفي انتهت محكوميته وأمضى فترة بعد ذلك في حبس احتياطي والحكم عليه بعقوبة تزيد على ضعف العقوبة السابقة، وقرار تغريم صحفي آخر صدر في السابق بحقه عفو رئاسي، كلها أمور تبعث على الشك في استقلالية الجهاز القضائي.
إن المعهود أن تكون إعادة المحاكمة في القضايا الجنائية من أجل إعطاء المتهم فرصة جديدة إذا ظهرت أدلة قد تكون في صالحه أما أن يكون الهدف من إعادة المحاكمة هو التشديد على المتهم ومضاعفة عقوبته فهو أمر بعث على التساؤل والقلق.
لاشك أن وجود قضاء مستقل وذي مصداقية هو أكبر ضمان لنجاح أي مشروع تنموي إذ يؤدي إلى شيوع الطمأنينة في نفوس المواطنين والأجانب وخاصة المستثمرين الذين تتنافس الدول على اجتذابهم. أما إذا أشيع ـ حقا أو باطلا ـ أن قضاء دولة ما غير مستقل، فإن ذلك سيكون خسارة كبرى للوطن وعائقا أمام أي تنمية.
3-قضية مرسوم علاوات النقل لعمال الدولة: جاء هذا المرسوم بعد انتظار طويل ووعد من "رئيس الفقراء" في خطاب الاستقلال بعلاوات معتبرة، وبعد اجتماعات ماراتونية للحكومة، لكنه كان مخيبا لآمال السواد الأعظم من موظفي ووكلاء الدولة، إذ أنه حابى قلة من أصحاب المناصب السامية على حساب الأغلبية الساحقة من عمال الدولة المحدودي الدخل.
والمفارقة أنه لم يتم التشاور بشأن هذا المرسوم مع النقابات، كما أن علاوة السكن أصبح يلفها الغموض وينظر إليها في أوساط الطبقة العاملة بكثير من القلق.
فهل هذا الإقرار غير الموفق لعلاوات النقل عائد إلى تأثير" النواة الصلبة للحرس القديم" من حاشية الرئيس التي تريد معاقبة النقابات على موقفها الرافض للانقلاب خلال الفترة الانتقالية الأخيرة، على الرغم من أن هذه النقابات سارعت فور صدور نتائج الانتخابات إلى فك الارتباط مع شركائها السياسيين لتتفرغ للعمل النقابي الصرف؟ هل نحن أمام شكل آخر من السعي إلى الوقيعة بين " رئيس الفقراء" وحلفائه الطبيعيين؟
إن التطورات الأخيرة على الساحة العمالية والتي وصلت إلى إيداع إخطار بالإضراب في منتصف شهر مارس المقبل تدل على أنه بات من اللازم إجراء مراجعة "استعجالية" للعلاقة بين المشروع العزيزي والطبقة العمالية.
ثغرات .. آن أن تسد
لقد كان ولد عبد العزيز موفقا تماما حينما لخص مشاكل البلد في كلمة واحدة هي (الفساد) والواقع أن هذه النظرة تحظى بإجماع كل المشتغلين في مجال الشأن العام بمختلف أطيافهم ومراجعة سريعة لبرامج الأحزاب والمترشحين للإستحقاقات الانتخابية الماضية تكشف هذا الإجماع اللفظي على الأقل.
وكل يدعي وصلا لليلي ** وليلي لا تقر لهم بذاكا
وإذا كانت تعريفات الفساد قد تعددت ـ مع تنامي الاهتمام بالظاهرة على المستوى الدولي ـ فإنه يمكن الاستغناء عن كل تلك التعريفات الأكاديمية والأخذ بتعريف في غاية البساطة والإيجاز هو أن الفساد " كل مخالفة للقانون"، ذلك أنه ما من واقعة أو سلوك في الحياة المدنية الحديثة إلا وثمة قاعدة قانونية ما تحكمه ولا يكون الفساد إلا عندما يتم خرق هذه القاعدة الملزمة والمجردة، وقديما قيل: «لو أنصف الناس لا ستراح القاضي».
إن أي محاولة في النقد البناء لمشروع " التغيير البناء" لا يمكن إلا أن تكشف عن بعض الثغرات أو النواقص التي يلزم سدها وتكميلها. ولعل من أبرز هذه الثغرات:
1-عدم تطبيق الفصل الصارم بين الوظائف السياسية والوظائف الإدارية
على الرغم من أن برنامج الرئيس ولد عبد العزيز قد نص على هذا الفصل بصورة صريحة لا تقبل التأويل في إطار حديثه عن إصلاح الإدارة، فإنه لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن رغم أن ما يعبر عنه هذا الفصل من " عدم تسييس الإدارة" أمر استعجالي لا يقبل الإبطاء.
ذلك أنه إذا كانت الوظائف السياسية خاضعة للسلطة التقديرية للرئيس الذي عليه أن يعتمد في التعيين فيها معايير الكفاءة والولاء والتمثيلية والتوازن، فإن الوظائف الإدارية ولاسيما الفنية منها ينبغي أن تعتمد على الكفاءة والنزاهة والوطنية وأن لا يطغي عليها تأثير الإنتماءات السياسية أو الثقافية أو الفكرية، كما يبغي أن توضع نصوص قانونية تحدد طرق التعيين في هذه الوظائف.
إن الفصل بين هذين النوعين من الوظائف كفيل بأن يبدد مخاوف المعارضة من الإقصاء، كما أنه سيمنح الموظفين في المناصب الفنية شعورا بالاطمئنان يسمح لهم بحسن أداء مسؤولياتهم دون أن يكون إرضاء مزاج ساكني القصر الرمادي وبطانته همهم الأول. وأيضا فإن هذا الفصل سيجعل من العمل السياسي نشاطا خاصا لا يعتبر هو المنفذ الوحيد للحصول على التعيين في وظيفة بالدولة. وبدون هذا الفصل سيظل " حزب الدولة" بالمفهوم الشمولي والاقصائي واقعا لا يمكن تغيره.
ومن المفارقة أن الأيام التشاورية للأغلبية التي عقدت مؤخرا حول موضوع الحكامة تجاهلت تماما موضوع "الحكامة الإدارية" وتحدثت عن الحكامة السياسية، والحكامة الإقتصادية، والحكامة القضائية.
هل الأمر يعود أيضا إلى حرص خصوم الإنصاف والشفافية في أحزاب الأغلبية على الالتفاف على هذا البند الثوري من بنود المشروع العزيزي؟
2-غياب آلية للتظلم والشكوى من تجاوزات السلطات ضد المواطنين
إن أفضل طريقة لضمان حسن تطبيق القانون ـ وبالتالي مكافحة الفساد ـ هي توفير آلية تسمح للمتضرر من أي ممارسة من ممارسات الفساد الكثيرة أن يتظلم لدى جهة مختصة وفعالة ويكشف الظلم الذي وقع عليه دون أن يكون معرضا للعقوبة والتهديد.
إن وجود" هيئة للمظالم" يجعل المفسدين ـ بالقوة أو بالفعل ـ يفكرون كثيرا قبل ممارسة الفساد لأنهم يعلمون أن الضحايا سيخترقون جدار الصمت ويرفعون شكاويهم إلى تلك الهيئة.
إن انتشار ثقافة " الإفلات من العقوبة " هو أكبر داعم لقوي الفساد وإن خلق هيئة للمظالم لما يكرس ثقافة الإنصاف والمسؤولية والمواطنة.
إن المواطنة الحقيقية تقوم على فكرة الطاعة الواعية للقانون الذي يعبر عن الإرادة الكلية للأمة ولا تقوم على الخضوع المستعبد لأوضاع غير قانونية يفرضها بعض الأشخاص بأمزجتهم ووسائل الإكراه لديهم.
لقد تداولت الصحافة إبان تشكيل الحكومة الأولى بعد فوز ولد عبد العزيز أنباء عن عزمه تشكيل ديوان للمظالم، بل قيل حينذاك إن إعداد النصوص المنظمة لهذا الديوان هو ما يؤجل إعلان الحكومة الأولى! لكن ما لبث الأمر أن اختفى فجأة، فلماذا؟
3- غياب هيئة وطنية لتزكية المرشحين للتعيين في الوظائف السامية للدولة
إن انتشار الفساد ولواحقه في الحقب الماضية من تاريخ الدولة قد أدى إلى سيادة قدر كبير من انعدام الثقة " لدى غالبية الشعب في النخبة الوطنية ومعلوم أن ذلك يؤثر سلبا على نجاح المشروع التنموي الذي يعبر المواطن محور ارتكازه.
ومن أجل استعادة ثقة المواطن في النخبة الوطنية ينبغي القيام بإحراء لتعزيز هذه الثقة وذلك عن طريق خلق هيئة وطنية مستقلة لتزكية المرشحين لتعين في المناصب السامية ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى انتهاج أساليب الأحكام المسبقة والإقصاء والإنتقام، بل يعني دراسة الماضي المهني للمرشحين للتمييز بين من هم صالحون للتعيين إما لنقاء ماضيهم من الشبهات، أو لظهور "توبتهم" من الشبهات المنسوبة إليهم، وبين منهم ليسوا كذلك.
وقد صدرت في الماضي عدة دعوات لتشكيل هيئة من هذا القبيل
4- ضعف الأداء ونقص المهنية لدى الإعلام الرسمي
لقد عملت عقود الفساد الماضية على رسم صورة سيئة عن الإعلام الرسمي في أذهان المواطنين مما جعلهم ينصرفون عنه ويفقدون الثقة في برامجه. ورغم التحسن الملحوظ في أداء هذا الإعلام إلا أن مظاهر سلبية ما تزال سائدة في القطاع منها إصرار أصحابه على استعمال لغة خشبية وأساليب بائدة تقوم على تمجيد القيادة وإقصاء الرأي الآخر وتزييف الوقائع. وهذا ما يتطلب القيام بإصلاح عاجل للقطاع يشمل السياسات والأشخاص والأساليب.
إن أي مشروع إصلاحي بحاجة إلى إعلام صالح وفعال ومهني.
5- عدم احترام الحد الأدنى من استقلالية أعضاء البرلمان وخاصة من الأغلبية
لقد أصبح من المألوف لدى الرأي العام أن دور نواب الأغلبية يكاد ينحصر في الموافقة التلقائية على مقترحات الحكومة والدفاع المستميت عنها والرد بعنف على انتقادات نواب المعارضة والتأكيد على سوء مقاصدها والتشكيك في وطنيتها وقد أدى هذا السلوك إلى إضعاف أداء البرلمان وتعزيز مخاوف شرائح واسعة من المواطنين من تحول هذه السلطة الدستورية إلى ما كانت عليه في السابق من دور "غرفة التسجيل".
إنه من المفهوم أن يدافع النواب عن الخطوط العريضة لسياسة الحكومة التي سبق أن منحوها ثقتهم، ولكن ليس من المقبول أن لا يعطوا لأنفسهم الحق في تقويم مقترحات الحكومة التفصيلية لترشيدها وجعلها أكثر وفاء للسياسة العامة. ولابد للنائب من أن يعتقد أنه يمثل الشعب والمصلحة العامة أولا قبل أن يكون شريكا أو خصما لهذه الحكومة أو تلك.
تلك أفكار ومقترحات استعرضناها بنوع من التفصيل توقيا سوء بعض التأويلات وذلك قياما بواجب النصيحة وأملا في أن تمثل مساهمة في النقد البناء لمشروع نعد أنفسنا من أنصاره المخلصين المشفقين اللذين يعلقون على نجاحه أملا كبيرا لإعادة بناء البلد على أسس صلبة وقويمة.
وإذا تم ذلك فسيصبح الرئيس محمد ولد عبد العزيز ـ في اعتقادنا ـ المؤسس الثاني للدولة الموريتانية بعد الرائد والمؤسس الأول المرحوم المختار ولد داداه
« ولله الأمر من قبل ومن بعد» وهو ولي التوفيق







