تاريخ الإضافة : 04.03.2008 11:09

تثبيت الصهاينة وأد لأمل التغيير

رئيس المرصد المورى لحقوق الإنسان محمد عالى ولد لوى

رئيس المرصد المورى لحقوق الإنسان محمد عالى ولد لوى

الحمد لله الذي أيد المسجد الأقصى و المرابطين حوله بخير من بيان الخارجية
الموريتانية، والحمد لله الذي أجرى في دماء شعبنا، من خالص الود و الولاء
للمرابطين بأرض الإسراء و المعراج، ما يجعلهم أول من يعاف دناءة الحديث عن أمن
واستقرار الكيان الصهيوني، في الوقت ذاته الذي يمزق فيه أجساد أطفالنا و أمهاتنا
في فلسطين.

كان أولى بالحكومة الموريتانية أن تقول خيرا أو تصمت، و كان من المنتظر من حكومة
تتمتع بشرعية غير مسبوقة في البلاد، أن تترفع عن حضيض الذل و الهوان. لقد كنا
نفهم، مع أننا كنا نرفض، أن يستقوي النظام السابق بهذه العلاقات البائسة على شعبه،
فيجني بعض الدعم السياسي الخارجي، ويعوض بذلك افتقاره إلى الشرعية. وكنا نأمل أن
تستقيم الأوضاع بعد انهيار النظام السابق، و لكن الغريب اليوم هو هذا الإصرار
العنيد على هذه العلاقات البغيضة. إن هذا الإصرار في تتبع نهج النظام السابق يقدح
في حقيقة و عمق التغيير السياسي الذي حدث في البلاد. بل إنّ العجزعن إحقاق هذا
الحق الجلي، يشكل وأدا كاملا للأمل الوليد في فجر جديد.

و الأغرب من هذا كله أنّ هذه الحكومة مطلعة، إلى حد كبير، على الأنشطة الخبيثة
التي تقوم بها سفارة الكيان الصهيوني، من سعي لزعزعة السلم الاجتماعي في البلاد،
وزرع للفتنة بين فئاته. و الحقيقة أن الحقد الصهيوني و العداء اليهودي لكل ما هو
عربي و إسلامي جعل سفارات هذا الكيان و مكاتبه خناجر مغروسة في أطراف الأمة، تعمل
على تثبيت المستوطنات التي تمثل بؤرا سرطانية تنهش الأرض المباركة في فلسطين. إن
سفارات الكيان الغاصب هي الدعائم الحقيقية للاستيطان، ولن نسترد المغتصبات إلا
باستلال دعائمها الدخيلة.

و إنّ أبناء الشناقطة و حفدة المرابطين لهم الأولى من غيرهم بالريادة في هذا
الميدان. و موريتانيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية قد لا تتكرر، فهي المؤهلة، سياسيا
و جغرافيا، أكثر من غيرها لغلق أولى سفارات العدو. وقد يكون لذلك أثر بالغ في قلب
ديناميكية التطبيع مع الكيان إلى ديناميكية تحرر منه في شتى أطراف الأمة، و شتان
شتان !.. و كم هو جميل و جدير بأبناء فرسان معركة الزلاقة، المنقذين للأندلس، أن
يستردوا و لو شيئا قليلا من أمجاد الأجداد.

و لكن ذلك يبقى بعيد المنال في ظل سلطة تصدر مثل هذه التنديدات الهزيلة التي تقف
كالمحايد بين الطرفين و لا تستحيي من الحديث عن "استعادة الثقة بين الجانبين" و
"استئناف مفاوضات السلام" و "التصميم المشترك على وضع حد لإراقة الدماء"، كما لو
كان لفلسطين جيش تقصف طائراته تلابيب. بل إن البيان يهبط إلى الدرك الأسفل من الذل
و الهوان عندما يساوي حرصه على استقلال فلسطين بحرصه على أمن واستقرار الكيان
الصهيوني. و لم يجرأ هذا البيان على إعلان دعمه للشعب الفلسطيني في سعيه للتحرر من
الاحتلال. لقد أتقن كتاب الحكومة العباقرة صياغة البيان حقا، حتى صدر نظيفا، خاليا
من كل مشتقات كلمات "احتلّ" و "قتل" و "قاوم" و "استشهد" و "حرّر"، مع أن الموضوع
كله احتلال يقتل وينكل ومقاومة تستشهد و تحرر. إن مثل هذه المواقف، الدائرة في فلك
أكذوبة السلام مع الصهاينة، تنم في أحسن الأحوال عن نفسية منهزمة و ضعيفة، و هي،
في أسوإ التفاسير، أشباه تنديدات تخدع المواطنين وتسعى لامتصاص غضب الشعب، و
تجرّعه أقراصا مهدئة حتى يسكن غليانه و يفتر حماسه، فتتنصل السلطة من مسؤوليتها.

وأؤكد في هذا المقام عدم مطالبتي لرئيس الجمهورية بتنفيذ وعده الانتخابي بعرض
مستقبل هذه العلاقات على الشعب. فمع أني واثق من طيبة غالبية هذا الشعب و من
تشوقها لنبذ هذه العلاقات، إلا أني أرى أن هذا العرض غير وارد أصلا، فهذه
العلاقات آثمة بطبعها و عرضها على الشعب هو عرض للمنكرات عليه ليقرها أو ينكرها، و
هذا باطل دستوريا، فليس للبرلمان السلطة على إقرار المنكر ما دام الدستور ينص على
المرجعية الإسلامية. و قطع هذه العلاقات هو إصلاح لفساد و لا يحتاج ذلك إلى
استشارة الرأي العام. و أنا أعتب على بعض رموز المعارضة لاكتفاءهم بالمطالبة بعرض
العلاقات على البرلمان، بل إن البعض يقع في خطإ تبني المنهج الجاهلي "إن غوت غويت"
لدريد ابن الصمة الذي يقر باستعداده للغواية و تبعيته "لغزية " و إن خالفت الصواب،
و في هذا الموقف تنكر صارخ لمبدإ الالتزام بالحق و الصبر على إحقاقه.

و لا شك أنه بالإضافة إلى ضعاف النفوس الذين يخافون من قطع هذه العلاقات، يوجد بين
ظهرانينا من مرضى القلوب من يطمع أن يجني من هذه العلاقات دعما ماليا و اقتصاديا.
و هؤلاء يجهلون استحكام البخل و الشح في نفوس الصهاينة. و أودّ أن أروي لهم قصة
حقيقية حصلت لأحد أشهر المسترزقين بالتطبيع في البلاد. فلهذا الناشط رابطة تدعو
إلى التطبيع وقد قام بالترويج للتطبيع عبر الأثير على الجزيرة في برنامج "الاتجاه
المعاكس"، ولما عاد إلى البلاد اتصل بسفارة الكيان ليطلب دعما لنشاط رابطة
التطبيع، و لكن المفاجأة كانت أنه بعد مماطلة طويلة، و ترتيبات سرية مكثفة، و
توقيعات عديدة، لم يتسلم هذا المسكين أكثر من 19 ألف أوقية كثمن للعار و الخيانة.
و لنفرض جدلا أن الكيان سخي و أنه يغدق العطاء على المطبعين، فهل نرضى أن نكون
مرتزقة يبيعون المبادئ بثمن قليل، و هل يكون هذا إلا دعارة سياسية، و أين نكون إذا
من الحرة الفقيرة النبيلة، التي تموت جائعة، و لكنها تصون عرضها و تبقى شريفة
عفيفة.

إن شؤم العلاقات مع الكيان لا يبرره أي منطق أخلاقي، و لعلنا نعتبر بالاضطرابات
الأمنية الأخيرة، و ما تدل عليه من خطورة هذه العلاقات على أمن البلاد و العباد.
فمن المحتمل أن يتسبب تثبيت الصهاينة في تطرف حماس بعض الشباب، و قد يتولد عن ذلك
من أعمال العنف ما يهدد أمن البلاد و استقرارها السياسي. بل إن بعض الأطراف
المهمشة سياسيا قد يستغل هذا الوضع من أجل زعزعة النظام و إعادة ترتيب الأوراق حسب
نهج الفوضى الخلاقة، و ربما كان هذه الاحتمال أكبر فالاضطرابات الأخيرة شبيهة
بإرهاصاته. فقطع هذه العلاقات المشئومة يمثل في الحقيقة تعزيزا لأمن البلاد و
تحصينا لاستقرارها السياسي.

و أود في الختام أن أحيي الشباب الوفي لقضية فلسطين، إلا أني آمل أن يكون نضاله من
أجل الحقوق شاملا و متواصلا. فيعتني بالقضايا المحلية مثل ما يعتني بقضايا الأمة
الكبرى. فلا ينبغي لقضية محاربة مخلفات الرق أن تترك لرموز فئة بعينها، و لن يكفي
سن القوانين وحده في حلها. وعلى الجميع أن يعمل على انتشال شريحة المستضعفين من
ظلمات الفقر و الظلم و الجهل. وليكن ذلك استجابة لرسالة التحرير و المساواة التي
يدعو إليها الإسلام. كما ينبغي للجميع أن يعمل على تعزيز آصرة الأخوة بين عرب
البلاد و عجمها، و لعل من ذلك السعي في إنجاح برنامج إعادة المبعدين.

محمد عالي ولد لولي
رئيس سابق للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026