تاريخ الإضافة : 14.02.2010 15:05

الحوار.. قيمة القيم الإنسانية

بقلم: أحمد جدو ولد أحمد باهي*

بقلم: أحمد جدو ولد أحمد باهي*

الحوار مبدأ سام وقيمة إنسانية ومصطلح شرعي قال الله تعالى "والله يسمع تحاوركما" ولا يستطيعه إلا من رزق حظا لا بأس به من الشجاعة والإنصاف والحرص على الحق والحقيقة.

وله شروط وأركان وأهداف، كلما وجدت كان أتم، وكلما اتسعت ثقافة المجتمع وزاد علمه كلما اتسعت الصدور، واتسعت الأخوة الإنسانية، فعلم الناس أن معرفة الحق قدر مشترك، فلا احتكار له بسبب جاه أو مال أو سلطان، وأن أداء الحقوق حق ولو كان أصحابها من غير الأقوياء النافذين ولا الأقرباء المقربين، بل إن المعرفة إذا اتسعت استقام التفكير واتسعت المقاصد وبانت المصالح، والمعارف تتسع بوسائل عديدة من بينها النظر في الكتب المقروءة والتجارب المسطورة والآيات المنظورة، وكلها دلت على أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شأنه، وأن العدل مجد وأمان وأن الظلم خزي وخسران، إنه آن الأوان أن يتنادى الشعب الموريتاني حكومة وشعبا، وأحزابا وجمعيات وروابط ونوادي وعلماء ومثقفين لتدارس مشكل العدالة الاجتماعية.

لأننا شعب قليل عدده، كثيرة ثرواته، قليل موظفوه كثير عاطلوه وأكثر موظفيه أسوء حالا من عاطليه إنني أعرف أن التربية الإسلامية التي عرفها هذا المجتمع منذ قرون عديدة، قد أُثرت على اهتمامه بهذا الجانب، حيث يجعل الإسلام الجوانب الروحية والقلبية من الإنسان في سلم الأولويات قبل القضايا الجسدية أحيانا وإلى جانبها أحايين أخرى.

ولكن هذا لا يبرر الرؤية النفسية المنحرفة للمال وقيمته في واقع الناس وحياتهم، مما دفع الكثير منهم إلى السكوت عنها والخجل من طرحها عمليا مع أنه في واقع الأمر لا يكاد يترك سبيلا للوصول إليها إلا سلكه وتلك سنة الله في ضروريات الفطرة، كلما تنكر لها أحد أو مجتمع نظريا عبر سبلها المشروعة جاء إليها عبر السبل الملتوية، والمعوجة اضطرارا.

فلا بد من حوار نعرف من خلاله حجم ثروتنا وما يذهب منها إلى الاستثمار حقيقة وما يعود على الخدمات والتسيير وما يخصص للرواتب لابد أن نعرف كيف تسير هذه الثروة؟

وهل لها أهداف حقيقية وهل يقوم عليها أناس يقتنعون بتلك الأهداف؟

لا بد أن نعرف حق الشعوب في ثروتها شرعا ودستورا وقانونا، ولابد أن نعرف قدرة الإجراءات المقام بها والمساطر المعمول بها على توصيل هذه الحقوق، وتوفير العدالة المنشودة، ورحم الله هشام بن عبد الملك حين قبل من الأعرابي نصيحته "يا أمير المؤمنين إنه قد أتت علينا ثلاثة أعوام، فعام أكل الشحم وعام أكل اللحم وعام انتقى العظم، وعندكم فضول أموال فإن كانت لله فادفعوها إلى عباد الله، وإن كانت لعباد الله فادفعوها إليهم، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين"
والمواطنون في هذا البلد لم تأت عليهم ثلاث سنين وإنما أتت عليهم أكثر من ثلاثة عقود، والأموال الموجودة لا تخرج بحال من الأحوال عن إحدى هذه الاحتمالات الثلاثة.
ومما يندى له الجبين ويتحير له الحليم أن يعد الرئيس والوزير الأول في أكثر من خطاب بزيادة معتبرة في النقل والسكن، ثم تأتي وأحد طرفيها لا يتجاوز سبعة آلاف وثلاثة آلاف أهو خطأ في التعبير أم هو عصيان من جهة التنفيذ؟.

إننا قد نفهم التفاوت الكبير بين رواتب كبار الموظفين وحملة الشهادات الصغيرة والمتوسطة خدمة للعلم وتقديرا للبحث وصيانة لتلك الوظائف الكبيرة التي لا يحسن القيام بها كثير من الناس، كما أننا قد نتفهم التفاوت بين حجم العلاوات للأسباب نفسها، ولكن أن يبلغ هذا التفاوت إلى أن تكون علاوة النقل، تعجز عن أقل احتمالاته، وعلاوة السكن لا تساعد على ثلث كراء أدنى سكن، فهذا ما لا يكاد يصدقه أحد!.

إن صغار الموظفين ووكلاء الدولة لهم من تكاليف النقل ما لغيرهم ولهم من العيال المحتاج للسكن ما لغيرهم إلى م نترك هؤلاء الذين نمتص عرقهم، ثم نعطيهم في كل باب من أبواب العلاوات ما لا يكاد يغني شيئا ( 500 للطفل، 3000 للنقل، 7000 للسكن).

إننا بهذا التصرف لا نقوم بعدالة ولا نساعد على أمن بل نشحن النفوس ونوغر الصدور، ونهجر المواطن إلى خارج البلد ، ونفرط فيما عند هؤلاء من أمانة ووظيفة ولو عوملوا معاملة تراعي ظروفهم وتساعد على أبسط مستويات العيش، المحترم لكانوا خير معين على بث الأمن والطمأنينة في نفوس الناس والوقوف في وجه أصحاب الشائعات والتشكيك، ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حيث أوصى خليفة المسلمين بعده وصية لا تكاد تعرف فيها تفاوتا في مستويات الشعب عنده، حيث يقول "أوصيك بتقوى الله الذي لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا أن تعرف لهم سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرا فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم وأوصيك بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء العدو وحباة الفيء وأوصيك بأهل البادية خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام. وأوصيك بأهل الذمة خيرا أن تقاتل من وراءهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم".

ومن أكثر الأمور مرارة أن تغيب الحقيقة وأن يطلب بعض الكبار ممن يليهم من المسؤولين أن يواجهوا ما يشعر الناس به من الظلم بتبريرات هي في أصلها غير صحيحة، وفي حقيقتها أوهى من بيت العنكبوت.

غريب كل الغرابة أن يذهب هؤلاء الممتنعون من توزيع العدالة وأعوانهم يقولون للناس كان هنالك خطأ في الفهم، لم نقصد أصلا العموم وما حصل هو فضل مال أردنا أن لا نحتكره دونكم.

آن الأوان، أن نتخلى عن احتكار الحقيقة وعن احتكار الثروة وعن احتكار السلطة وعن احتكار الإصلاح، وأن يرى كل منا كمال الآخر تكميلا لنقصه وزيادة في كماله، فإنما نجتمع عليه ويجمعنا أكبر مما نختلف عليه ويفرقنا.

* رئيس المجلس الوطني لحزب تواصل مدير دروس في التعليم الثانوي

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026