تاريخ الإضافة : 14.02.2010 14:25

هل يمكن تبرير الحبس التحكمي؟

قبل أن أدخل في الموضوع فإني أطالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين المحبوسين تحكميا في
العالم.
الحبس التحكمي هو الحبس الذي ليس مبني على أي أساس قانوني ويكون الموقوف فيه خارج
المساطر القانونية، وبالتالي فهو حبس تعسفي، وانتهاك صارخ للحريات الفردية وحقوق
الإنسان.
وهو ظاهرة موجودة في جميع دول العالم الثالث، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب من ضمنها،
غياب الديمقراطية والثقافة القانونية، وعدم استقلالية القضاء وضعف الرقابة التشريعية
وهشاشة التكوين المهني للموارد البشرية في القضاء وعدم تطبيق مبدأ فصل السلطات الذي
تقوم عليه الديمقراطية الصحيحة.
وبلدنا من بين البلدان التي عرفت الحبس التحكمي، وكانت أول حالة سنة 1983 وتتمثل في
اعتقال شخص تمت تبرئته من طرف المحكمة.
وقد اعتبر المحامي المعروف الأستاذ إبراهيم ولد أبتي أن سنة 2009 هي سنة الحبس التحكمي
في موريتانيا.
وقد نصت جميع الدساتير في العالم على أنه لا تقيد الحرية إلا بالقانون ودستورنا الصادر
20 يوليو 1991م نحن نفس المنحى، حيث نص في ديباجته على التمسك بالدين الإسلامي الحنيف،
الذي كرم حرية الإنسان ودافع عنها، وبالمبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 دجمبر 1948 والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان
والشعوب الصادر بتاريخ 28 يونيو 1981، وفي الاتفاقيات التي وافقت عليها موريتانيا.
ومن ضمن المبادئ التي وردت في الديباجة، ضمان الحريات والحقوق الأساسية للإنسان.
والفقرة الأخيرة من المادة 10 من الدستور نصت على أنه "لا تقيد الحرية إلا بالقانون"
والفقرة الأخيرة أيضا من المادة 13 نصت على أنه "لا يتابع أحد أو يوقف أو يعتقل أو
يعاقب إلا في الحالات وطبق الإجراءات التي ينص عليها القانون".
وقد اهتمت الأمم المتحدة بالحبس التحكمي حيث أن هناك مقررا مختصا بالحبس التحكمي،
وستكون معالجتي لهذا الموضوع من خلال إثارة مجموعة من الأسئلة وهي: ماهي أنواع الحبس؟
وهل الحبس التحكمي مقيد لحرية؟ وما دور الهيئات الحقوقية في بيان خطورته على الحريات
العامة للمجتمع؟ وما هي المقترحات التي قد تحد منه؟.
ستكون الإجابة على هذه التساؤلات من خلال أربعة عناوين كبيرة وفي:
أولا:أنواع الحبس
ثانيا: الحبس التحكمي كأداة لتقيد الحرية
ثالثا: دور الهيئات الحقوقية في بيان خطورة الحبس التحكمي في انتهاك الحريات العامة
للمجتمع
رابعا: مقترحات عامة
أولا: أنواع الحبس:
الحبس هو تقييد حرية الشخص بطرق قانونية منصوصة عليها في القانون، وهو مفهوم شامل لجميع
أنواع الاعتقال، وليس بالمفهوم القانوني الذي يفرق بين السجن والحبس فالحبس يعني
المخالفات والجنح والتي تبدأ من يوم واحد إلى 5 سنوات والسجن يعني الجنايات وهي من 5
سنوات إلى ما فوق، ولكن الحبس هنا يجمع جميع هذه المفاهيم.
وأنواع الحبس نوعان:
- حبس له غطاء قانوني
- حبس لا غطاء قانوني له
1. الحبس الذي له غطاء قانوني: وهو يتعلق فيما يخالف القانون من خلال أرتكاب الأعمال
الأجرامية وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية هذه الفترات التي يقضيها المتهم في السجن
بدأ من الوضع تحت الحراسة النظرية، إلى الحبس الاحتياطي إلى السجن بعد صدور الحكم من
المحكمة المختصة بالحبس أو السجن هذا فيما يتعلق بالحبس القضائي، والذي أعني به أنه
صادر من هيئة قضائية، وهناك حبس إداريا يصدر من الإدارة كما في الإقامة الجبرية وسنتطرق
لكل هذه المواضيع بالتفصيل.
أ. الحبس القضائي: وهذا الحبس يكون صادرا من هيئة قضائية وهو كالتالي:
* الحراسة النظرية: وهي حسب المادة 57 من مدونة الإجراءات الجنائية تحدث عندما تقتضى
ضرورة البحث أن يحتفظ ضابط الشرطة القضائية بشخص أو أكثر من الأشخاص المبين في المادة
54و55 فليس له أن يحتجزهم أكثر من الوقت اللازم لأخذ تصريحاتهم وإذا ظهرت أدلة قوية ضد
شخص ومتطابقة من طبيعتها أن تسبب اتهامه فإن لضابط الشرطة القضائية أن يحتفظ به لمدة
ثمان وأربعين (48) ساعة لا تتدخل فيها عطلة الأسبوع الرسمية ولا أيام العطل والأعياد
ولا يمكن تمديد هذه المدة إلا مرة واحدة وبمدة مساوية بواسطة إذن مكتوب من وكيل
الجمهورية.
وإذا وقع القبض بمكان بعيد عن مقر المحكمة المختصة فإن الآجال المقررة بالفقرة السابقة
تزداد بقوة القانون بيوم عن كل مائة (100) كليو متر من المسافة غير أنه لا يمكن أن
تتعدى في مجموعها أجلا أقصاه ثمانية (8) أيام.
وفي حالة وجود جناية أو جنحة ضد أمن الدولة الداخلي أو الخارجي فإن فترة الحراسة
النظرية تكون مدتها خمسة (5) أيام قابلة للتمديد بإذن من وكيل الجمهورية لمدة مساوية
دون أن تتجاوز فترة الحراسة النظرية في مجملها خمسة عشر يوما (15) ابتداءا من يوم القبض
وعند انقضاء هذه الآجال فإن الشخص الموقوف يجب أن يطلق سراحه أو يقدم إلى وكيل
الجمهورية إلا إذا كان قد صدر ضده أمر بالقبض أثناء هذه المدة، وفي جميع حالات القبض
ومهما كانت المدة فإن ضابط الشرطة القضائية ملزم بتبرير جميع التصرفات التي قام بها
أمام القاضي المختص.
* الحبس الأحتياطي: وتنظمه المادة 138 من مدونة الإجراءات حيث تنص على أنه يكون في
الحالات التالية:
- إذا كانت الوقائع خطيرة
- الخوف من إخفاء أدلة الجريمة
- الخوف من هروب المتهم
- الخوف من أرتكاب جرائم جديدة
وهو أربعة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة في مادة الجنح إذا كان الشخص المعتقل لم يسبق
له أن أدين بسبب جناية أو جنحة من جرائم القانون العام أو بعقوبة جنائية أو بعقوبة سجن
غير موقوف لمدة تفوق سنة أو بسبب قابلته لعقوبة تساوي أو تفوق خمس سنوات وهذه المدة
يمكن أن تصل إلى سنتين عندما تكون العناصر المكونة للجريمة قد تمت خارج التراب الوطني
أو إذا كان الشخص متابعا بسبب القتل العمد أو المتاجرة بالمخدرات أو الإرهاب أو جمعيات
الأشرار أو المتاجرة بالبغاء أو الأغتصاب أو نهب الأموال أو بسبب جريمة مرتكبة من طرف
عصابة منظمة.
وفي مادة الجنايات فإن مدة الحبس الأحتياطي لا يمكن أن تتجاوز ستة أشهر إذا كان الشخص
المعتقل لم يسبق له أن أدين بسبب جناية أو جنحة من جرائم القانون العام أو بعقوبة سجن
موقوف لمدة تفوق سنة أو بسبب قابلت لعقوبة تساوي أو تفوق خمس سنوات.
غير أن هذه المدة يمكن أن تصل إلى ثلاث سنوات عندما تكون العناصر المكونة للجريمة قد
تمت خارج التراب الوطني أو إذا كان الشخص متابعا بسبب المتاجرة بالمخدرات أو الإرهاب أو
جمعيات الأشرار أو المتاجرة بالبغاء أو نهب الأموال أو الأغتصاب أو بسبب جريمة مرتكبة
من طرف عصابة منظمة.
وفي هذه الحالة إذا انصرم الأجل وكانت هناك ضرورة استمرار الحبس الاحتياطي جاز لقاضي
التحقيق تمديد فترة الاعتقال بمقتضى أمر قضائي معلل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب مسبب
من وكيل الجمهورية لمدة مساوية لمدة الأصلية.
* المحكومية: وهو الحبس أو السجن الذي يصدر في حق المتهم من المحكمة المختصة بقضاء فترة
محددة في السجن.
ب. الحبس الإداري: وهو الإقامة الجبرية وهي منظمة من خلال القانون 060/017 الصادر
بتاريخ 19 يناير 1960 المتعلق بزجر بعض الأعمال المتعلقة بالأمن والنظام العام وسمعة
الدولة وتتمثل في اعتقال شخص يمثل خطرا على النظام والأمن العامين أو يمس بسمعة الدولة
ويعاقب بموجب قرار مسبب يتخذه مجلس الوزراء بناء على تقرير من وزير الداخلية وبغض النظر
عن المتابعات القضائية فيعاقب المتهم بهذه الأمور بالعقوبات التالية والتي من ضمنها
الإقامة الجبرية وهي كالتالي:
- الأبعاد من دائرة أو عدة دوائر (إدارية محددة)
- الإجبار على الإقامة في بلدة معينة
- الطرد إذا كان الشخص أجنبيا من تراب الجمهورية مع مراعاة اختصاص السلطات الإدارية
المحلية.
ولا يمكن أن تتجاوز مدة هذه الإجراءات الاستثنائية لحظر الإقامة والإقامة الجبرية ستة
أشهر.
2. الحبس الذي لا غطاء له قانونا: وهو الحبس التحكمي الذي يتم من دون سند قانوني
وبالتالي هو خاضع لإجراء غير قانوني وخارج المساطر القانونية وهو انتهاك صارخ للحريات
الفردية والجماعية، والمشرع الموريتاني وضح ذلك فالمادة 431 من ق.أ.ج. نصت على أنه
(يخلى سبيل المتهم المحبوس احتياطيا فور صدور الحكم ببراءته أو إعفائه أو الحكم عليه
بالحبس مع وقف التنفيذ أو بالغرامة وذلك رغم الأستئناف وكذلك الشأن بالنسبة للمحبوس
احتياطيا إذا حكم عليه بعقوبة الحبس بمجرد أن تكون مدة حبسه الاحتياطي مساوية لمدة
العقوبة المقضى بها عليه) كما نصت المادة 430 من مدونة
الإجراءات الجنائية على أنه (إذا رأت المحكمة أن الواقعة موضوع المتابعة لا تكون أية
جريمة أو أنها غير ثابتة أو غير منسوبة للمتهم تحكم ببراءته) كما نصت المادة 220 في
فقرتها الأخيرة على أنه (إذا ظهر لرئيس غرفة الاتهام أن الاعتقال لا مبرر له يوجه
لقاضي التحقيق التوصيات اللازمة بذلك الشأن) وكذلك المادة 531 من نفس المدونة نصت على
أنه ( يبقى المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية رهن الاعتقال إذا كان محبوسا احتياطيا
وذلك أثناء أجل الطعن بالنقض أو في حالة تقديم هذا الطعن غير أنه يفرج عنه بمجرد
انقضاء العقوبة المحكوم بها عليه يفرج كذلك في الحال عن
المتهمين المحكوم ببراءتهم أو بإعفائهم أو بسقوط الدعوى العمومية في حقهم أو المحكوم
عليهم بعقوبة سالبة للحرية وموقوفة التنفيذ أو بغرامة فقط وذلك بالرغم من الطعن
بالنقض). والحبس الذي لا أساس له من الناحية القانونية والذي أصبح اليوم يسمى الحبس
التحكمي له متابعات على من يقوم به وهو حسب القانون الموريتاني اعتداء على الحرية وذلك
من خلال المواد 111 و 116 و 117 من القانون الجنائي حيث تنص المادة 111 على أنه (يعاقب
الموظف العمومي أو العون المامور الحكومي بالحرمان من الحقوق الوطنية إذا أمر أو قام
بعمل تحكمي أو عدواني ماس سواء بالحرية الشخصية

للفرد أو بالحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر أو بالدستور إلا انه إذا أثبت أنه تصرف طبقا
لأمر رؤسائه وفي موضوعات داخلة في اختصاصهم تجب في نطاقها الطاعة حسب التسلسل الإداري
يعفى من العقاب الذي يطبق في هذه الحالة على رؤسائه الذين أصدرو إليه هذا الأمر).

والمادة 116 نصت على أن (الموظفون العموميون المكلفون بالشرطة الإدارية أو القضائية
الذين يرفضون أو يهملون الاستجابة لطلب شرعي يرمى إلى معاينة حجز غير قانوني وتعسفي إما
في الدور المخصصة لحجز المعتقلين وإما في أي مكان آخر ولا يثبتون أنهم أطلعوا السلطة
العليا على ذلك يعاقبون بالحرمان من الحقوق الوطنية ودفع التعويضات التي تسدد حسب ما
تنص المادة 114).

والمادة 117 هي الأخرى تنص على أن (الموظفون والأعوان المسؤولون عن السجون الذين
يتسلمون مسجونا دون أن يكون مصحوبا بأوامر حبس قانونية أو بإذن مؤقت من الحكومة إذا
تعلق الأمر بإبعاد جان أو تسليمه وكذلك من يحتفظون به أو يرفضون إحضاره إلى ضباط الشرطة
أو حامل أوامره دون تبرير مستند إلى منع وكيل الجمهورية أو القاضي أو يرفضون تقديم
سجلاتهم إلى ضباط الشرطة يكونون قد ارتكبوا جريمة الحجز التعسفي ويعاقبون بالحبس من ستة
أشهر إلى سنتين وبغرامة من 5000 إلى 20000 أوقية).

فمن خلال هذه المواد يتضح لنا أن المشرع الموريتاني يعاقب الحبس التحكمي الذي لا يستند
على أي أساس قانوني.

ثانيا: الحبس التحكمي كأداة لتقيد الحرية:

الحبس التحكمي هو أداة لتقيد الحريات عند السلطة في جميع دول العالم الثالث التي لم
تترسخ فيها الممارسة الديمقراطية والسلطة القضائية لا تتمتع بالإستقلالية الكافية
ومواردها البشرية تفقد التكوين اللازم وخاصة في مجال ثقافة حقوق الإنسان والحريات
العامة.

والحبس التحكمي يتنافي مع القيم الإسلامية والديمقراطية وهو انتهاك صارخ لحقوق الأبرياء
الذين يتم حبسهم بعد براءتهم أو أنتهاء محكوميتهم.

وهو يفقد الأمل لدى الشعوب المتعطشة للحرية والمساواة أمام القانون باعتبار أن القانون
هو الضامن الوحيد لعدم المساس بالحريات وذلك لأنه هو المقيد للحرية.
والحبس التحكمي هو تعسف وشطط في استعمال السلطة وجميع القوانين والشرائع تدينه وذلك لأن
القانون خلق لحماية الضعفاء والمظلومين.

والحبس التحكمي كأداة لتقيد الحرية مسألة تستحق النقاش من خلال الندوات والمحاضرات من
قبل المتخصصين.

ثالثا: دور الهيئات الحقوقية في بيان خطورة الحبس التحكمي:

دور هيئات المجتمع المدني وخاصة الحقوقية في بيان خطورة الحبس التحكمي على الحرية
الفردية وحقوق الإنسان مهم جدا لغاية باعتبار أن هذه الهيئات هي المسؤولة عن حماية حقوق
الإنسان ومحاربة كل القيود وخاصة إذا كانت هذه القيود لا تتمتع بغطاء قانوني وبالتالي
على الهيئات الحقوقية بيان خطورة ذلك من خلال الأعلام والمنابر والندوات والمحاضرات من
أجل غرس ثقافة حقوقية في المجتمع تحميه من التعسف والظلم.

وتعتبر هيئة المحامين من أهم الهيئات الحقوقية التي يجب أن تكون في طليعة المدافعين عن
حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية والمقدسة للمجتمع وتبين خطورة الحبس التحكمي على
هذه الحريات حيث ينافي ويناقض هذه القيم التي تقوم على أساس أن الأصل البراءة والتجريم
استثناء وبالتالي فإن كل ما يعرقل هذه الحريات والقيم التي كفلتها الشريعة الإسلامية
والدساتير والقوانين المنظمة للحريات العامة يجب أن يعاقب طبقا لهذه القوانين.
وهذا الدور يجب أن تعلبه الهيئات الحقوقية في جميع أنحاء العالم وخاصة هيئات المحامين.

رابعا: مقترحات عامة

وفي نهاية معالجتي هذه المتواضعة والتي كان هدفي منها هو إثارة هذا الموضوع لكي يناقش
من طرف المتخصصين فإني أطالب بمجموعة من الاقتراحات قد تساهم في التقليل من هذه الظاهرة
وهي كالتالي:

1. تعيين مستشار لدى الوزير الأول مكلف بالنظر في قضايا الحبس التحكمى
2. اقتراح لجنة برلمانية من الغرفتين مختصة في متابعة الحبس التحكمى
3. تعيين لجنة من المحامين مكلفة بملفات المعتقلين تحكميا.
4. إنشاء لجنة من الصحافيين مختصة في بيان خطورة الحبس التحكمي على الحريات
العامة للمجتمع.
وفي الأخير فإن الحبس التحكمي لا يمكن تبريره فهو ضد الحريات وضد الديمقراطية والسلم
الأهلي ويبقي السؤال الذي يطرح نفسه ولكن بعبارة أخرى وهو كيف يمكن تبرير الحبس
التحكمي؟

وشكرا
ذ/ عبد الله ولد البشير
babdellay@yahoo.fr

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026