الإلحاد مرة أخرى.. الوجه الآخر للقضية

محمد عبد الله لحبيب ـ كاتب صحفياستكمالا لموضوع سابق، كنت طرقت فيه ما أعتقد أنه جانب مما بات البعض يحرص على تسميته ظاهرة الإلحاد، وإن كنت أفضل تسميته، حالات التعبير عن أفكار إلحادية، أعرض هنا جملة أخرى من الأسباب التي أرى أنه تكمل الصورة.

 

1. اختلال المنظومة التربوية وعدم مواكبة مخرجاتها لأسئلة الناشئة، واعتماد طريقة تلقينية تعطل الملكات العقلية للطلبة والتلاميذ.

 

2. ضعف الخطاب الديني (دعويا، وتعليميا)، وتركيزه على قضايا التعبد الشعائري، والتوجيه العاطفي، بعيدا عن مخاطبة قناعات الأفراد، وإظهار اتساق الشرع مع مقتضيات العقل السليم، وإظهار محاسن الشريعة، ولطفها، وإهمال الحديث عن الأدلة العقلية، ونفي الشبهات منطقيا. وهي كلها سلبيات تفاقمت في مجتمعنا من تزاوج التعليم التقليدي، الغارق في إحصاء تفاصيل الوقائع النوازلية، وإرث المزاج الحنبلي، والدعوة الوهابية، التي جرمت الحجاج المنطقي في شأن وجود الخالق وقدرته، وحكمته، وعدله، وصدق الرسل في تبليغهم عن الله تعلى، وفرضت منطقا توقيفيا، نِعِمَّا هو، بالنسبة للمؤمنين المخبتين، لكنه لا يصلح لرد ذوي الشبه، ولا إسكاتهم.

 

لقد أجاب مالك رضي الله عنه السائل بقوله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة" لكن هذا السؤال لم يستمرَّ صالحا بعد عهد مالك بأكثر من ستين عاما (توفي المنصور سنة 158 هـ وتولى المأمون 218 هـ) فما إن جاءت الترجمة بالفلسفة اليونانية، وجدالات السابقين، حتى اتضح أنه لا بد من نقاش جديد بطرق جديدة، لأن من يردعهم، "كون السؤال بدعة" رحلوا ولم يعودوا موجودين، ومن وجدوا؛ إما فريق صادقون ألقيت في عقولهم الشبه، وهم يريدون جلاءها، وإما مغرضون، أو موسوسون يحتاجون "قمعا منطقيا" يسكت عقولهم.

 

3. الوافد الفكري؛ سواء عبرنا عنه بالعولمة، أو بالغزو الثقافي، وهو في اعتقادي أخف العوامل لو وجد أمامه بيئة حرة منفتحة، ومحصنة في ذات الوقت، ونخبة يقظة فإنه لن يشكل أكثر من حافز لمزيد من تطوير الخطاب الدعوي، وتنقيح المناهج التربوية. وأعتقد أن موجته الحالية ليست بأقوى من موجة الستينيات، والسبعينيات التي اجتاحت العالم العربي، بما فيه موريتانيا، والتي لم تترك في الواقع أثرا ذا بال في عقائد الجمهور. صحيح أنه لم تتح لها وسائل النشر الحالية، ولكنها كانت قوية بما يكفي في ظروفها.

 

إن قوة وسائل النشر الحالية وسيلة بيد الموجة الحالية، وبيد خصومها في ذات الوقت، وبالتالي فلا خوف من تفوق للإلحاد، إذا تسلح الخطاب الدعوي بأسلحة عصره.

 

إن إحدى الأوجه المقابلة للإلحاد التشكيكي هي الإلحاد التكفيري، وهو قد لا يكون سببا مباشرا لتولد ظاهرة الإلحاد التشكيكي، إلا أنه بالضرورة أحد مغذياتها الأساسية، لما فيه من تنفير من الدين، وعرضه بصورة لا توفق الفطرة، ولا تحقق الهداية.

 

4. انعدام الحريات الفكرية، أو شكلية الموجود منها. أظن أن مجتمعنا يعاني فعلا من مستويات من التشدد الفكري، وضعف روح الحوار؛ بدءً من الأسرة الضيقة إلى الفضاء العام، وهي في أجيالنا الحالية مضاعفة، وسيئة جدا، فلم تعد الحوارات الفكرية، التي تجمع بين نخب التيارات، وتناقش مختلف الرؤى، والأفكار المطروحة، لم تعد موجودة.. وهذا أضعف التواصل بين الأجيال، وجعل الأفكار طلاسم تتداولها كل مجموعة في قبو سري، ولا تريد الإعلان عنها؛ إما خوفا من قمع المجتمع، أو ضعفا ذاتيا في هذه المجموعات.

 

55. الإلحاد المتعلق بشخصه صلى الله عليه وسلم، وهو بالمناسبة غير جديد، ولكنه من أخف أنواع الإلحاد نظرا لحججه الداحضة الضعيفة، التي يمكن الرد من طرف طالب في السنة الأولى من قسم التاريخ في أي جامعة. لأن تأثير النبي صلى الله عليه وسلم في تاريخ البشرية، إيجابيا، وما سطره عنه كل المؤرخين في العالم، يكفي للرد على أي مشكك في عدالته، بأبي هو وأمي..

 

لكن لا ينبغي الغفلة عن أسباب هذا الضرب من الإلحاد أيضا، ومنها أن سيرته صلى الله عليه وسلم تحولت عندنا من كونها مدرسة للحياة إلى كونها، تعاويذ للتبرك. إن السيرة النبوية مدرسة متكاملة في الأخلاق، والسياسة، والتدين، والتعليم، والتربية والدعوة، والقيادة، والعدل، واختزالها في جوانب التبرك، والتقرب، ضيع على المسلمين، وأجيالهم الناشئة الكثير الكثير من التأثير.

 

وبخصوص الحالة المحلية لا بد برأيي من التفريق بين نوعين من الإلحاد:

1. أفكار فردية يعتنقها الشخص، ويدافع عنها في مجالسه الخاصة أو العامة، ويبحث لها عن الحجج، في الفلسفة أو في الدين ذاته، أو في تراث الأمم الغابرة. وهي الأقل.

 

2.  التنظيمات والخلايا الشللية التي تحاول التشويش على أفكار العامة، والطعن في ثوابت المجتمع، وتتوارى عن الأنظار مخافة دحض أفكارها، وتتمول على أساس ذلك من جهات معادية للدين، وتخلط هذه الشللية التنظيمية بأنماط من إشاعة الرذيلة والفساد الأخلاقي، وإشاعة المنكر بين المؤمنين.

 

إن الأولى حالة فكرية ثقافية، ينبغي الترحيب بالنقاش حولها، وإفساح الحرية أمام أصحابها لنقاشهم تحت ضوء الشمس؛ فذلك أضمن الوسائل للرد عليها، ودحض حججها، وفتح المجال أمام من يقتنع بالعودة من معتنقيها.

 

والثانية (الشللية التنظيمية) حالة أقرب إلى الحرابة الفكرية ضد عقائد المجتمع، وأظن أن علاجها يكمن في خلق جو يمكن أن تتحول معه إلى الحالة الأولى وتكون محاربتها عندئذ مسؤولية اجتماعية وفكرية، تنهض بها الدولة والمجتمع. ولا مانع، بل أحيانا يكون من اللازم تحريك دعاوى قضائية، واستخدام سلطان المجتمع، لحماية الأمن الديني والأخلاقي للناس، كما حدث في قضية ولد مخيطير، ويجب أن يحدث في غيرها من القضايا، بل يجب الضغط لتقنين، إعطاء المجتمع المدني، أو بعض الفاعلين، حق رفع الدعاوى ضد الطاعنين في ثوابته.

 

فما ذا عن المسيء؟

الذي أراني الله تعالى أن اللازم هو ترك القضاء الموريتاني يحكم بما يوافق القانون الموريتاني، وهو قوي جدا لجهة حماية هوية المجتمع وثوابته، في القضية المعروضة أمامه، مع توفير كافة الضمانات لاستقلال ضمير القضاء في التكييف، والحكم، ثم بعد ذلك تشكل السلطات العليا لجنة من خبراء اجتماعيين، وعلماء، وقانونيين، ومفكرين، يعدون استشارة شاملة متعددة الأبعاد، يبنونها على الحكم، سواء كان بقتل المسيء أو تبرئته، ويؤخذ بعين الاعتبار:

 

- مسؤولية الدولة في حماية عقائد المواطنين، وضمان الحريات الفكرية والثقافية، بنفس المستوى.
- حالة الشارع الموريتاني، ومزاجه الذي عبر عنه أكثر من مرة.
- مخاطر التنظيمات الشللية.
- الأبعاد الاجتماعية في شخصية ولد مخيطير.
- حجم الضغوط الدولية التي قد يتعرض لها البلد.
- مبدأ استقلالية السلطة القضائية وفصل السلطات، وضرورة نفاذ أحكام القضاء.

 


الحركات الجهادية في مالي تندمج في جماعة واحدة

احتجاجات داعمة وأخرى مناهضة لتعديل الدستور أمام البرلمان