التاريخ: 20.01.2017  التوقيت:16:01 غرينتش


تاريخ الإضافة : 26.10.2013 12:19:33

العزل السياسي

د.محمد ولد محمد غلام

د.محمد ولد محمد غلام

العزل السياسي عقوبة اخترعتها المجتمعات التي استيقظت بعد سبات وانتبهت بعد غفلة، لمعاقبة المجموعات التي تحكمت في مصائرها وتلاعبت بمستقبل أبنائها فترة من الزمن، عن طريق إفساد الحياة السياسية بالوسائل التي تكفل لهم التحكم في صيرورتها.

إما بمناصرة العساكر المنقلبين على السلطات في بلدانهم، أو بتمييع الحياة السياسية بتزوير إرادة الناخب واستغلال وسائل الدولة وإثارة النعرات القبلية والجهوية والإثنية للتأثير عليه.. على وجه يجعل المواطن يكفر بجدوى المشاركة في الحياة السياسية ويستسلم للواقع.

أجل! لقد رأت الكثير من الدول في إفساد الحياة السياسية جريمة خطيرة وجريرة تستحق المساءلة، فكانت قوانين العزل السياسي التي تحجر على مفسدي الحياة السياسية وتمنع عليهم المشاركة في الحياة السياسية - ترشحا وانتخابا ومشاركة في الحملات – فترة من الزمن تسمح لجسم الحياة السياسية أن يتعافى من الأضرار التي ألحقها به هؤلاء.

كيف لا يكون ذلك؟ والحياة السياسة السليمة، هي الطريق إلى حياة اجتماعية مستقرة وإلى وضعية اقتصادية مقبولة!

ذلك أن الحياة السياسية السليمة هي التي تحقق حاجة المجتمع إلى قيام هيئات تشريعية ورقابية مسؤولة؛ تنوب عن الشعب في إصدار القوانين التي تخدمه وتنسجم مع ثقافته ومعتقداته، كما تنوب عنه في الرقابة الفعلية على أداء الجهاز التنفيذي المنبثق عن الخيار الحر للشعب.

الحياة السياسية السليمة هي التي تلبي حاجة الشعب إلى أن تكون السلطات البلدية خادمة للمجتمع؛ تنوء بمسؤولياتها الاجتماعية والصحية والبيئية وغيرها.

الحياة السياسية السليمة هي التي تضمن للمجتمع حقه في أن يكون الجهاز التنفيذي (الرئاسة والحكومة) منبثقا عن خياره الحرّ ومعبرا عن توجهاته الإصلاحية وحاجاته التنموية، بعيدا عن فرض الأمر الواقع بالانقلابات العسكرية؛ الخشن منها والناعم.

فالعزل السياسي – إذن – ضرورة لكل أمة عانت ما عانيناه من إفساد للحياة السياسية و ذاقت ما ذقناه من ضروب الفساد الاقتصادي والاجتماعي. والتجارب السياسية تثبت أن جدوى العزل السياسي يكون أوفى ومردوده أسرع في حالة سنّه قانونا ملزما للدولة.

بيد أن الأمر يزداد تعقيدا عندما يكون القائمون على سنّ القوانين والمؤتمنون على رعاية مصالح الشعب هم أولى الناس بهذا العزل وأكثرهم خطرا على مصالح الشعب وتمتعه بحياة سياسية سليمة (كما في حالتنا المؤسفة) عندها لا يكون أمام الشعوب إلا أن تمارس العزل السياسي الذاتي؛ بلفظ (التخلص من) كل صاحب سابقة إفساد يترشح والبعد عن الصويت له تحت أي ذريعة، ثم بتحصين الرأي العام الوطني ضد مواطن الضعف المجتمعي التي يستغلها هؤلاء المفسدون، مثل إذكاء الصراعات القبلية وإثارة التناقضات الإثنية أو المذهبية.

لا مشكلة لدى الشعب الموريتاني في التعرف على هؤلاء (مفسدي الحياة السياسية) بأسمائهم وسيماهم، حيث يقلّون عند الجزع ويكثرون عند الطمع.

ولا في التعرف على أماكن تخندقهم المتقلبة تقلب المتغلب على السلطة في هذا البلد المنكوب؛ فهم أركان حزب الشعب ثم العمود الفقري لهياكل تهذيب الجماهير، ثم أساطين الحزب الجمهوري، ثم عادل، ثم (...!) لا يحتاج هذا الشعب الذكي إلى ذكر أسماء مصاصي دمائه الذين خبَر صنيعهم في أماناتهم التي ائتمنهم عليها فضيعوها، وجرّب تعاطيهم مع الثقة التي منحهم إياها فخانوها.

لا يحتاج الشعب الموريتاني لأي من ذلك، غير أنه يحتاج إلى شجاعة اتخاذ قرار العزل السياسي لهؤلاء والعمل على تجديد الطبقة السياسية؛ بالتصويت على أساس الرسالة السياسية الناصعة للحزب المرشِّح وعلى المهنية والأمانة الشخصية للمرشَّح، بعيدا عن التخندقات القبلية والمفاضلات الجهوية، التي شكلت مداخل شياطين المفسدين طيلة عقود التخلف والهوان الفارطة.


نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية


وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2017