التاريخ: 20.01.2017  التوقيت:15:58 غرينتش


تاريخ الإضافة : 05.10.2013 17:57:51

يا صبر أيوب

بقلم سيدي محمود ولد الصغير

بقلم سيدي محمود ولد الصغير

خيرُ المواقف مواقف الأحرار، وخير الدم دم الشهداء، وخير كلام الناس ما صدقته الوقائع، والدهر قُلَّب لا يستقر على حال، و"حقيبة التأريخ" أمانة في عنق الزمن، وظلمة الليل لا تحجب ضياء الفجر، وأشد العناء ما يكون قبل الوصول..

"ومن تكنِ العلياءُ همَّةَ نفسه....فكلُّ الذي يلقاهُ فيها مُحبَّبُ"

وما عند الله خير وأبقى!

(1)

لحالةِ الحزن التي تغلف عالمنا الأسيف وجدتني اليوم منهمكا في قراءة أشهر ما علق بذاكرة الأدب العربي من قصائد البكاء الموزون/ المراثي، كقصيدة أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه التي مطلعها:

أمن المنون وريبها تتوجَّعُ....والدهرُ ليس بمُعتِب من يَجزعُ؟!

وقد دافع –فيها- عن حقه في البكاء، رغم تجلده الكبير ورزانته الظاهرة ومِراسه الطويل لنوائب الدهر، إذ يقول:

ولقد أرى أن البكاءَ سفاهةٌ....ولسوفَ يُولَع بالبُكا من يُفجع
وتجلدي للشامتين أريهم...أني لريب الدهر لا أتضعضع

فخلد بها زفراته الحرى وأنينه المكبوت:

أودى بنيَّ وأعقبوني غُصة...بعد الرقاد وعَبرة لا تُقلع
سبقوا هَوَيَّ وأعْنقُوا لهواهمُ...فتُخُرِّمُوا ولكل جنب مصرع

ومثل مرثية ابن الرومي لابنه محمد وهي تفيض حزنا من أول بيت أسوة بعينيه النازفتين ..، وهو يستحثهما أن تجودا –بلا جدوى-مستشفيا بالبكاء!

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يُجدي..... فجودا فقد أودى نظيركما عندي

ثم يشخص ألم المصيبة بطريقة مؤثرة:

تَوخَّى حمامُ الموت أوسط صبيتي ...فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمتُ الخير من لمحاته ...وآنستُ من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فأضحى مزاه...بعيدا على قرب قريبا على بعد

وهذا النوع من الرثاء كثير مؤثر لأصالة الشعور وصدق الإحساس فيه..

(2)

وهناك قصائد أخرى تمثل نمطا مختلفا من الرثاء، إذ ترثي دولا،أوأقواما،أوتنعى حالة هوان وانكسار مما مرت به الأمة في تاريخها الطويل، ومن أشهرها ما كتبه الشعراء في نكبة البرامكة، ورثاء الأندلس كقصيدة أبي البقاء الرندي الشهيرة:

لكل شيء إذا ما تم نقصان.....فلا يُغر بطيب العيش إنسان

(3)

ومن القصائد التي ندبت حظ الأمة وبكت واقعها وتحرَّقت على أمجادها الضائعة قصيدة (وقفة على طلل) للشاعر المصري محمود غنيم، والتي يقول فيها:

ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه....أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه
كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها .....وبات يملكنا شعب ملكناه

ويقول:

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ...تجده كالطير مقصوصا جناحاه

(4)

وفي شعر عبد الرزاق عبد الواحد بكاء حزين للعراق الدامي وهو يتشحط في محنته التي طالت دون بارقة أمل في الأفق المكفهر مثل قصيدته: (يا صبر أيوب) التي بناها على قصة شعبية تقول إنه نُسي مِخْيَط تحت الحمولة على ظهر جمل وظل الجمل يمشي والمخيط ينغرز فيه حتى إذا وصل مات:

قالوا:وظلَّ.. ولم تشعر به الإبلُ....يمشي،وحاديه يحدو وهو يحتملُ
ومِخرَزُ الموت في جنبيه ينْشتِل....حتى أناخ بباب الدار إذْ وصلوا
وعندما أبصروا فيض الدِّما جفلوا.....صبرَ العراق صبور أنت يا جملُ
صبرَ العراقِ وفي جنبيْه مِخرَزُه....يغوصُ حتى شغافِ القلبِ ينْسمِلُ
ما هدَّموا ما استفزُّوا من محارمه....ما أجرموا..ما أبادوا فيه..ما قتلوا
وطوقُهم حوله يمشي مكابرة ...ومِخرزُ الطوق في أحشائه يغِل
وصوتُ حاديه يحدوه على مضض...وجرحه هو أيضا نازف خضِل
يا صبر أيوب حتى صبره يصل...إلى حدود وهذا الصبر لا يصِلُ

للموضوع صلة (في وقت لاحق)



نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية


وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2017